الثلاثاء، 22 أغسطس 2017

بالرغم من كل شي

ولدته امه بخلاف الطبيعة وربته تربية الشبل بالعرين ، شبّ على العنفوان والفخر ولامس الغرور في التوجه والمخاطبة ، لبس شخصية الأنا وتنكر لكل آخر فالمرتبة لا تحتمل الكثرة والاختصار واجب في زمن كثرت فيه الزعامات وتنوعت تنوع طرابيش الرؤوس ومسابح الأيادي .
يُحكى أن أحد هذه الرجالات الفذة كان بسفرة راجلة بين القرى بصحبة زوجته الجميلة يتمتعان بجمال الطبيعة ويستمتعان بما وهبه الله وأنعم ،غير عابئين بحلول الليل وما يجلبه من خوف بسبب قلة الأمن وسوء التدابير لضمان حياة آمنة هادئة ،وهكذا استمر صاحبنا بنزهته رغم كل ذلك الى أن فاجأه أحد النافذين صارخا به وشاتما ولاعنا  هذا التجوال المشكوك بأمره متهما اياه بكل ما أوتي من نعوت وصفات من العمالة الى الخيانة الى السرقة والتآمر والتخابر، وحيك المؤامرات وصولا الى الإرهاب والانتماء الى كافة تنظيمات الأرض ناشرة الفساد والعبث بأرواح البشر ،مستفسرا عن سبب هذا التجول وعن التصريح الذي بحوزته وما هي السلطة التي خولته بهذا التنقل وبدأ بالتحقيق معه تارة والتكلم عبر الجهاز تارة أخرى، وبعد كل ذلك قال له: أسمع يا هذا أني أريد أن أحتجز امرأتك ريثما يتم التحقيق معها وهناك بعض المعطيات السلبية والشكوك التي من شأنها أن نأخذ الأمر بجدية .أيقن صاحبنا أن في الأمر حلقة مفقودة  وأن الامر متجه نحو الاسوأ وخاف كثيرا وبدأت ترتعد فرائصه ملتمسا الرحمة والرأفة من هذا الرجل .قبل صاحبنا بقصة التحقيق مع زوجته ودعاها الى الشجاعة والصبر وأن كل شيء سيكون على ما يرام  في الوقت الذي كانت هي على أشدها ذعرا وتعجبا من موقف زوجها الذي ان لُخص بعبارة (ان زاحت عن ضهري بسيطة) .
حاول الرجل أن يثني قاطع الطريق (الحاكم) عن فعلته ولكنه فشل بإقناعه، وسرعان ما أذعن للأمر ورضخ بعد أن هدده بالويل وعظائم الامور أن هو تمادى في الاقتراب ووضع له خطا على التراب وقال: ايّاك ان تتجاوز هذا الخط ، فأن فعلت ستندم كثيرا وابتعد قليلا مع زوجة الرجل وقبلها أكثر من قبلة (في سياق التحقيق)  وأخذ وقته معها بكل هدوء وراحة وبعد ذلك انصرف .
صرخت الزوجة بوجه زوجها متهمة أيّاه بالخوف والجبن وأنه ليس يرجل ذي كرامة وشهامة وقالت :
 كيف يُعقل ان تتركني مع هذا الرجل وأنت لم تحرك ساكنا؟
 كيف لك أن تنفذ أوامره دون أي اعتراض؟
كيف لك أن تتهاون بشرفك ؟
 أين رجوليتك ؟
أين عنفوانك؟
أين كرامتك؟
 وقفتَ صامتا ساكتا منحني الرأس ونفذت كل أوامره ألا تخجل ؟
صرخ بها قائلا: اسمعي أتظنّين بأني خائف ونفذت تعليماته بدقة؟ غلطانة حبيبتي أنا لا أؤكل بسرعة ولا بهذه الطريقة، لقد تخطيت الخط الذي وضعه عدة مرات ولم يراني، أنا لم أنفذ ما أراد بالرغم من كل شروطه بالرغم من كل شيء أنا رجل والرجال دوني رجولة ومروءة.
غادرت وهي حزينة مكسورة الخاطر منحنية الرأس طالبة الخلاص ولو بالموت.
اخي القارئ
بالرغم من كل شي
جملة تطالعنا بها محطة تلفزيون الMTV  قبل كل نشرة مسائية وذلك لبث روح الشجاعة لدى اللبنانيين، جملة فيها من الاستسلام والتسليم أكثر ما فيها من تحدٍ وإقدام وكأننا ننعي المواطن قبل مماته ،وكأننا نعلمه أن فرص نجاحه في الخارج مضمونة أكثر بكثير من بقائه بالوطن مع العلم أن الغالبية العظمى من المتفوقين بالرغم من كل شي تفوقوا خارج لبنان .
اخي القارئ
انتهت معركة عرسال (الفيلم) وانتهت معها الدولة بكامل مقوماتها ومواصفاتها ، فرض حزب الله رأيه ومشورته وقدم نفسه المنقذ من الارهاب في الداخل وفي الخارج ناهيك عن منقذ لبنان من اسرائيل وبالتالي من العرب المتصهينين ومن كل من يجرؤ على المساس بأمن هذا الوطن ، نعم انتهت المعركة لتبدأ معها معركة أخرى وهي السيطرة الكاملة على مفاصل الدولة وإنهاء كل ما يمنع الفقيه عن ولايته .
نعم بالرغم من كل شي
بالرغم من سيطرة الحزب على الدولة ، فقد تمردنا وعبرنا الخط وأقمنا مهرجان الارز الدولي وغنينا للأرزة وللخلود رغم أنف الرافضين .
بالرغم من مصادرة القرار الوطني ، فقد تمردنا وعبرنا الخط وزدنا التمرد بإقامة المزيد من المهرجانات والحفلات والمسيرات .
بالرغم من نزع قرار الحرب والسلم من يد الدولة فقد تمردنا وعبرنا الخط وتحالفنا وأنتجنا رئيسا للجمهورية مسيحيا أصيلا ورئيسا للحكومة سنيا أصيلا وأبقينا على رئيس المجلس النيابي شيعيا أصيلا وبدأت اللعبة الديمقراطية بأن نلعب ضمن الخط ولا نتخطاه أبدا والا !!!!
بالرغم من كل شي
نقبل كل شي وذلك من أجل شيء نجهله أو لا نريد أن نعرفه،
ما لا أريد أن أعرفه هو اندفاع رئيس الحكومة بالدفاع عن الحزب كلما أُمر بذلك من واشنطن الى الرياض مرورا بالكويت والمنامة وباريس وغيرها .
ما لا أريد أن أعرفه هو انجازات هذا العهد الميمون منذ استلام العماد عون مقاليد السلطة باستثناء تضحيات فتى التيار الأغر جبران .
ما لا أريد أن أعرفه هو كيف أن تقاسم السلطة والمغانم يمر دون استجواب ولا عناء المساءلة والطرح والاستفسار.
ما لا أريد أن أعرفه هو كيف لنا أن نعلم الحريري بأن بعد زيارته الأولى لواشنطن نُكب وخرج مستقيلا ، وزيارته الثانية نُكب وخرج متسولا ، وبالرغم من كل شي لا يزال دولته مناضلا مكافحا متمسكا بحكومة أقل ما يُقال فيها (خيال صحرا).
لا أريد المعرفة لأنني لا أريد أن يوضع لي خطا،
فتبا لكم على هذا التخاذل الساقط
ألم يحن الوقت لأن يتأهل الشعب اللبناني من جديد ويتجول برفقة الشريك دون تصريح أو اذن أو خوف من خطوط حمراء وصفراء ؟


الثلاثاء، 11 يوليو 2017

عندما تحكم الصعاليك

قرية صغيرة معلقة فوق أحراج الصنوبر تتمايل مع نسيمات المساء الناعمة ، تتأرجح ما بين القمم منشدة أنشودة الزغاليل الدافئة . قرية أنعم الله عليها بهواء وماء ، بإطلالة السرور  وبهجة العبور ، قرية جمعت العيش السرمدي والتآخي الأبدي ،أنها النموذج الذي لا يُقلد ولا يُنسخ ولا يُعار .
يُحكى أن سوء تفاهم حصل وعكر صفو الهدوء ونعمة السكينة ، وفشلت كل المحاولات لسد هذه الثغرة العابرة وتحلّق أكثر من مُلمّ ودار وحكيم ولكن الأمور انزلقت والناس لم تكن مستعدة لهذا الانزلاق الذي اجتاح بطريقه كل من حاول التهدئة ولم الخواطر .
ضاق صدر الصبر ويئس الأمل وانحنت المحاولات فاشلة مستسلمة ، ودبّ الذعر معلنا حكم الفوضى وذهبت العائلات مسرعة الى تشريع التباعد والتنافر ، وهكذا تقوقعت أفكار المصلحين وانتهت الحال الى عسر عيش وقلق بال .كان لا بد من التفتيش عن حل ولا بد من العثور على من يمسك دفة الامور ويحافظ على ما لم يستطع الاخرون المحافظة عليه وبالتالي القبول والرضوخ لمنطق لا يشبه المنطق أبدا .
اذا وعلى غرار عائلات المافيا استلم القيادة أشخاص من صنع العائلات نفسها ومن نسج أفكار من آمن أنه يستطيع الخروج من هذا المأزق بتنصيب زعامة جديدة ترد على انتهاكات الاخرين وهكذا نبتت زعامات من أكوام اليأس والامل الاسود وباشرت العمل على لم شمل السواعد الفتية التي تخدم المصلحة الجديدة .
اخي القارئ
جولة بين عائلات لبنان السياسية ولمحة سريعة لمكونات الاحزاب المختلفة نجد أن حالتها تشبه كثيرا حالة تلك العائلات المسكينة التي نصّبت أجراءً لقيادتها وللدفاع عنها أو بالأحرى صعاليكاً زُرِعوا ليصبحوا رجالا بعد ما قلت الرجال ونضب نبعها .نعم كنا مع أبو علي واحد واصبحنا نرى (أبو علي) في كل ساعة وفي كل يوم ، في كل حادثة وعند كل واقعة ، أبوات في شراكة تخطت الانكشارية وتجاوزت أثقال الحوّالة ، واللبناني يغرد عند كل مغيب ويصدح بعد الكأس الثالثة ويتذكر ست الكل " ولا قصّر في الاعمار طول السهر" . نعم يسهر اللبناني للمحافظة على صعلوك خلقه بنفسه، ويسهر الصعلوك بدوره ليفحص وليتأكد أن هذا اللبناني ساهر حقا على المصلحة العامة.
صديقي القارئ
وزراء ونواب ضاقت بهم الشاشات وامتلأت بهم المنابر وحطموا الارقام بالكذب والخداع ولا يزالون في السباق آملين بأرقام أخرى لا لتحطيمها بل لحفظها لليوم العسير، وهذا اللبناني المحطم ينام على أرقام ويصحى على أورام . مسكين هذا الشيء الذي يحمل بطاقة ، فكم من أهانة وكم من مجازفة وكم من عار وكم من خجل ، أرفع صوتي فبالكاد أسمعه والحرام كل الحرام في رفع الصوت فالأذن لا تتحمل أكثر من صوت ، والوطن لا يحكم ألا بالسوط ، تلاقت الكلمات وتضاربت النتائج فهنيئا بعودة عهد المماليك وممالك الصعاليك .
مسكين أنت أيها الشعب العنيد ، عاندت الطائفية فعانقت المذهبية ، عشقت التعددية فدست على الحرية ، آمنت بالعيش المشترك فوقعت بالشرك ، ولم تزل تصدح  وتترنح بليل طويل وتستمر ست الكل : وكم توالى الليل ......ما يعجبني فيك هو أنك مستمع جيد وطالب مطيع تجلس بالصف وتستمع بكل صمت وسكون كي لا تفوتك كلمة أو يفلت منك حرف وفجأة تنتبه أن عليك التصفيق لا لعظمة المقال بل لصون الحال ، وتندم ..... وتندم لأن التصفيق علامة الرضا والقبول وانت!!! غير راضٍ ولا بقابل ولأن صوتك متروك لحاجة أهم وأعظم فتكتفي بالتمتمة والهمس والإشارة الخضراء ليقطع القطوع على خير ، واللهم اجعلنا من أهل الخير.
اخي القارئ
ما يدهشني بهذا الذي يحمل بطاقة أنه يصدق نفسه اولا بأنه صاحب الحق بإبرازها واخفائها ، ويصدق أيضا أن ما كتب فيها هو الصحيح بالرغم من معرفته أن أسمه ليس كالمطبوع فيها ولكن : أن قال الصعلوك أن اسمك هكذا فهذا يعني ال هكذا  وهكذا يطالعنا أحدهم بمشروع عجيب غريب ولا يمت حتى بصلة الى مشاريع الصعاليك فنتدافع للتأييد بيد من حديد ونستمر،، ونستمر ونتابع والصعلوك تراجع ونحن نستمر لا لقناعة بل لأن الكلمة لم تصلنا بعد وسوء الاتصال له عواقب وخيمة ونتابع مع طرب الليل: وامشِ الهوينة .....ونعود وكأن شيئا لم يكن ، ونعود الى البيت مع قطرات الصباح الباردة : فما أطال النوم عمرا ....رحم الله ام كلثوم .



الأربعاء، 11 يناير 2017

حكّلي ،،تحكّلّك

يُحكى ان اسدا كان يسيطر على الغابة ومن حولها سيطرة تامة ، ولا يأبه لأي حيوان آخر ، ولم يترك مساحة تتنفس فيها باقي اسرة البراري ولم يكن يسمح بأي عمل مضاد له ولا بأي احتجاج صغيرا كان ام كبيرا ، وهكذا استمد حكمه من البطش والتهديد والقتل اذا دعت الحاجة لذلك .
استمرت الحيوانات الاخرى الكبيرة والمنافسة للأسد بالعيش متجنبة الاحتكاك به او التحرش بمنطقته وكانت تترك له الفرائس اذا احتاج الامر وفرضت الحالة بعض التنازل من النمور والضباع الى الذئاب  والفهود .ضاقت الدنيا بالحيوانات الصغيرة كالكلاب البرية والثعالب وابناء آوى والتي تقتات عادة على فضلات الكبار وما تتركه بعد التخمة ، وامتد امر النفور والضيقة الى الحيوانات الاخرى بعد ان تمادى هذا الاسد كثيرا فبات يريد اقتسام الصيد مع الجميع والا الهلاك الأكيد والموت المشين لكل رافض وعاصٍ .
ومضت الايام والشهور وازادت الصعاب واصبحت الغابة تعج بالحيوانات الرافضة لهذا الوضع مما استدعى الجميع للتضامن والتكاتف وهذا ما حصل بالفعل عندما قرر مجتمع التمور والفهود بان يصطاد بكميات بجماعات ويأكل تحت الحراسة وبالمداورة خوفا من  انقضاض الأسد المفاجئ وبذلك امنت لنفسها بعض الحماية الذاتية الى حين ايجاد حل مناسب لهذه المعضلة .
سمع الثعلب ما دار بالاجتماع السري للوحوش وايقن ان فرصه بالحياة والنجاة اصبحت ضئيلة ولا سيما بأن مجتمع الثعالب هو مجتمع صغير وضعيف ويقوم على الاستجداء تارة والخداع تارة اخرى وغالبا يقتات على سرقة فضلات الوحوش الاخرى . نعم لقد دب اليأس بالثعلب المسكين واهلكته الحيرة فضلا عن الجوع ، واصبح التردد سيد افكاره وذلك بإخبار الاسد بتفاصيل كل ما سمعه ، ولكن ،،،، ماذا لو لم يصدقه الأسد ؟ وما مصيره ان صدقه وعرفت باقي الحيوانات بالأمر فمن يحميه منها ؟ اذا لا بد من حيلة ما لتدارك الامر وردع المخاطر وما من حيوان اذكى مني وادرى بمصلحته ، انا الثعلب الذي يلاعب الكل على اصابعه أأعجز عن ايجاد حل لهذه المشكلة ؟
واخيرا قصد الثعلب الأسد في عرينه وبعد ان استأذنه بالدخول وحصوله على الامان بدأ بالكلام المعسول واظهار مودته ومحبته لملك الغابة قائلا :
يا مولاي ملك الغابة وزعيم البراري وقائد الضواري ، لقد سمعت شيئا بالصدفة واثار دهشتي واستغرابي .
انتفض الأسد وزمجر بالثعلب المسكين: قل ما لديك وبسرعة
تابع الثعلب : يا مولاي سمعت حيوانات الطرائد تتفق على تسميم لحمها وذلك بأكل بعض انواع الاعشاب السامة والهدف هو التخلص من الحيوانات اللاحمة وخاصة معشر الاسود والنمور والفهود . نعم لقد آلمني ما سمعت وجئت مسرعا اخبرك بالأمر .
قال الأسد : وهل اخبرت الجميع ؟
قال له: لا يا سيدي ، فان اردت سأفعل ولكنني رأيت بعض الحيوانات النافقة في طريقي اليك ،
اطمأن الأسد وفرح وقال له : لا تخبر احدا بالأمر ، دع الحيوانات الأخرى تأكل لتموت ويرتاح بالي ، اما انا فسوف افكر مليا حتى اجد حلاً .

تنحنح الثعلب وقال : وكيف يمكنك يا سيدي وهل تقدر ان تعيش بدون طعام لفترة طويلة؟
استبقى الأسد الثعلب في عرينه وتودد اليه طالبا منه ان يجد له حلا لهذه المعضلة ، وطال الوقت ومر اسبوع وبدأ الأسد يشعر بالجوع وقد فضّل البقاء في العرين وعدم التجوال مخافة ان تغلبه الغريزة ويصطاد ويتسمم ، واشتدت وطأة الجوع وقال للثعلب :
الم تجد حلا بعد؟
تقدم الثعلب منه خائفا وهو يرتجف وقال:
يا مولاي ،، يعز عليّ ان اراك جائعا وهزيلا وانت ملكنا وسيدنا ، لذلك قررت ان افديك بنفسي ،
دُهش الأسد من هذا الطرح وقال له اكمل ،، ماذا بعد ؟
قال : سوف تصطاد ولن تأكل منه قبل ان أأكل انا فاذا اصبت بالوهن والهزل والدوخة وما شابه فهذا يعني ان الطعام مسمم ولن تتذوقه ، واذا لا ،، تأكل طبيعيا ونستمر بذلك الى ان نجد حلا ، واذا مت فسوف تستدعي اخي ليتابع المهمة .
فرح الأسد بهذه الخطة واقترب من الثعلب وعانقه وابقاه الى جانبه واسكنه معه في العرين ، وبذلك ضمن الثعلب المحتال الطعام الدائم والحماية الدائمة الى ان يقضي الله امرا آخر .
صديقي القارئ
الجميع في هذا الشرق "الغابة"  يمشي على مقولة الثعلب " حكلّي تحكلّك " وبدا واضحا وجليا تقاسم المصالح بين الدول وبين المنظمات وحتى الفصائل والتنظيمات الصغيرة ، كلهم في وضع  تبادل المنافع وكله على حساب المواطن ان لم نقل على حساب الاوطان كلها .
العراق مثلا ، بداية الحكاك الغربي-العربي وسرعان ما تحول الى حكاك فارسي-عربي تحت غطاء ملء الفراغ وعدم وقوع البلد في اتون التطرف الاسلامي ، وها نحن في اشد واقسى تطرف عرفه العالم فيما تظهر للعيان ايدي الحكاك التي لم تعد خفية على احد . نعم من مظاهر العداء الشيعي للغرب" المخلص من البعث" وحكم صدام ، الى العداء الشيعي للسنة عامة والاستئثار بالحكم  تحت غطاء محاربة داعش وصولا الى التلويح باليد العسكرية والحكم العسكري وفرض القانون المذهبي  بالحشد الشعبي الشيعي الذي هو امتداد للثورة الاسلامية في ايران .
نعم ، باليمن والحراك الشعبي تحت ما يُسمى بالحوثيين الشيعة والتحالف المشبوه مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح ، هذا الحراك الذي لا صبغة له الا طائفية ولا لون له الا المذهبية ولا هدف له الا الثورة الايرانية والوصول الفارسي الى مضيق باب المندب . السؤال الذي يفرض نفسه : ما الهدف من الحرب في اليمن ؟
الديمقراطية ؟ طبعا لا
تغيير نظام الحكم ؟ وما النظام المناسب لليمن بعد تقسيمه وتوحيده الا التقرب من محيطه الطبيعي الراعي والضامن والحامي ؟ اين مصلحة اليمنيين في هذه الحرب سوى المصالح العليا للتمدد الايراني في المنطقة وتضييق الخناق على السعودية من خلال المرابطة على حدودها طمعا بإعادة (التحكيم) ،،،،
وها نحن امام الحكاك الاعظم  في المشهد السوري المتعدد الحلقات والفصول ، تلاعب الممثلين وتنقل المسرح وتجارب المخرجين لنصل الى مسرحية لا بطل فيها الا الأسد الخائف من التسمم وثعالب تقتات اولا واولا ومن ثمّ الاسود على ابواب عرين مخلع مهترئ رت .
لاعبون داخل الحدود وموجِّهون من خارجها ، تلاقت الأضداد وتقاربت المصالح المتناقضة دينيا ومذهبيا ومناطيقيا وعشائريا وايديولوجيا . فو الله ما يجمع بين اسرائيل وجبهة النصرة هو ما يجمع بين الجيش الحر وتركيا، والاكراد واميركا ، واحرار الشام والسعودية ، وقطر والاخوان ، ناهيك عن الذي يفرق الجميع عن داعش ويجمع الجميع مع داعش من باب عدو عدوي صديقي ، وصديق عدوّي عدوّي  والغابة مكتظة بالفرائس والأسد خائف من التسمم والثعلب يقظا على حياته "والدب " الخارج من برد سيبيريا راقه دفء المتوسط والحيوانات العاشبة الطرية عذبة المذاق وسهلة المنال .وها هي ايران الحريصة على التضامن الاسلامي تمد يد العون من خلال اليد المباركة المقدسة لحماية المقدسات وطرد الابالسة والشياطين الذين اتخذوا من اجساد اهل السنة قمصانا يفسدون الارض والعرض ، وها نحن امام الذراع الثالثة لجنّة المؤمنين على ارض الهلال تعيد الاسد الى عرينه وتُشبع نهمة الدب الجائع وتُغرق الغابة بويلات موسمية على ذمة محاربة من حكَّ ويحكُّ ومحكوك .
اخي القارئ
من المفارقات وسط هذه الفوضى المذهبية وهذا التناقض الدولي ، وهذا التلاعب المميت ، وسط هذا الكم الهائللللللللللللللللللل من الموت والدمار ، وسط هذا كله يصرخ بوق من هنا ومن هناك بالموت لإسرائيل والموت لأميركا والنصر لنا .
لنا ؟ ومن نحن ؟ واين نحن؟
اي نصر ؟ ومن سنهزم غير انفسنا وذاتنا ؟
نحن هذه الامة الخائبة ، هذه الجماهير الغائبة ، هذه الحناجر الذائبة ،
خائبة في صنع القرار وغائبة عن مسرح الحكم والتحكّم، وذائبة في الملذات والفساد.
اللهمّ اخرج من رجالات هذه الامة ثعالبا تحرص على مستقبلنا ،
اللهمّ اخرج من هذه الامة الأسود الخائفة على نفسها من التسمم،
اللهمّ حرك الشجاعة والرجولة في جماهير هذه الغابة علها تطيح بالفاسد وتلجم الحاقد وتدفع بالراكد.

الاثنين، 17 أكتوبر 2016

العطا قيمة

                                                 
ابو حبيب ، رجل في الخمسين من عمره ، حمل هموم الحياة على راحة يده وجعل منها قصة ترويها الاجيال من بعده بابتسامة ومرح ، انه الرجل الذي يجمع ما بين النكتة وسرعة البديهة  ويطيب في خاطره كل همٍّ وتذوب كل  ازمة . ان حدّثك اسرك وان رافقك آنسك ،وان طلبته وجدته وان غادرته لا تقدر على الابتعاد اكثر من ليلة او ليلتين ، انه ابو حبيب ابن البلدة ورجل الساعة وصاحب الوجه الذي لن تنساه ابدا .
تراه في لباسه الرسمي فتعود بالذاكرة الى مرج دابق وهيمنة السلطنة التركية ، تخاله احد باشاوات القسطنطينية ، شروال مطرز الجانبين يعلوه قميص ذو طيات وطبقات وكأنه لكل الفصول ، تتدلّى منه ساعة جيب مرقطة تعمل على الصوت والحركة ، ابو حبيب والطربوش الاحمر رمز القوة والبطش والارادة الصلبة ، تراه فتهابه لوهلة ولا تلبث ان تعشق المظهر والصوت والاشارة والملاقاة والتعارف .
احد ايام الصيف ، والعاصمة بيروت تحت وطأة الحر الشديد والناس تتسارع الى الاماكن المضللة واكشاك المشروب والعصير البارد وابو حبيب يتجول متأنقا لا يبالي بهذا او ذاك ولا يعير للطبيعة اي اهتمام ، جلّ ما يريد هو الوصول الى صالون الحلاقة الذي ارشدوه اليه على انه صاحب خبرة وصانع تحفة ، يقدّر الرجال ويعرف الاصول .
" كثّرْ من الاسئلة وقلّلْ من الدوران" شعار ابو حبيب في بلاد الاغتراب ، هكذا كانوا يطلقون التسمية على بيروت " الاغتراب" وكأنّ النزول الى بيروت هو وداع وسفر وتوصيات . وصل ابو حبيب اخيرا الى صالون الحلاقة بعد ان قطع الطريق مرات عديدة بمواجهة السير والزحمة والتصدي لأبواق السائقين المتطفلين على ذلك الهندام الذي يوحي اليك للوهلة الاولى بسذاجة صاحبه او بساطته وقلة خبرته. تعالت الاصوات منبهة تارة وشاتمة تارة اخرى بكلمات الفها الشارع وخبرها السامع: "حيّد" ودور وتاع " كلمات تشير للسخرية وتثير الغضب الضاحك وفكاهة المشكل . نعم وصل ابو حبيب ودخل الصالون معلنا انتصاره على التمدن ودوسه على الحضارة وعجقة العناوين وجلس على كرسي خشبي بعد طرحه السلام المعهود " العوافة" كيف الجميع انشالله الاعمال ماشية والحالة جيدة وكأنه يعرفهم منذ امد بعيد وهذا ما يُعرف بسلام المعرفة وتعارف الرجال .
لم يترك المعلم حبقة " الحلاق" كلمة ترحيب الا واتقن لفظها وتمادى في تفصيلها ليوصلها مشبعة بالترحاب وحسن الملاقاة والضيافة المتبعة في شربة ماء باردة من ابريق فخار نُصب في زاوية الصالون ، نعم لقد انهال المعلم حبقة على الضيف بالتأهيل والمباركة والبركة التي رافقت ابو حبيب وكيف لا وصاحبنا حبقة من اشد قانصي الفرص ، وابو حبيب على ما يبدو صيد ثمين ندر وجوده وقلت مشاهدته.
حديث الساعة وحديث المدينة والاستماع لابن القرية الضيف والوقوف منه على حالة الناس البعيدين عن البحر كما يقولون ،وابو حبيب يجود بالموجود ويعطي لكل سائل جوابا ، واكتظّ الصالون بمن يريد الحلاقة وبمن يريد الاستماع ، والفضول ادّى في الحالتين الى كفِّ يد حبقة عن العمل لإكمال محاضرته وشرح مستجدات الساعة وحدث اليوم .
اخيرا طُلب من ابي حبيب الجلوس على كرسي العمليات قبالة المرآة الكبيرة ، وبدأ المعلم حبقة استشاراته وابداء آرائه واقتراحاته آخذا بعين الاعتبار رأي ابا حبيب حول كيفية قص شعره وابراز معالم رأسه وهيبة وجهه. رسي الرأي وبدأ المعلم حبقة مشواره الفني في فناء ابي حبيب الخلفي صعودا لأعلى الرأس واضعا كل مهاراته وخبرته لإنجاح هذا الاختبار .نعم بدأت مرحلة التزيين من قص وتمشيط الى رش الماء ونشر البودرة ، وبين طقطقة المقص وصوت حبقة كلمات الحضور بالثناء على المعلم وبتهنئة الزبون على نجاح العمل والارتياح التام لمجريات القصَّة .
انتهى حديث الحرب العالمية وقصة استقلال لبنان ، ولم تكتمل اطروحة المعلم حبقة حول قَصّة الشَعر وترميم ما اتلفه الدهر برأس ابي حبيب .يدور حوله متأملا وينظر بالمرآة وتلوح يده بالتزامن مع حركة حاجبيه معلنا اكتشاف خلل ما ثمّ ما يلبث ان يزفّ بشرى انتهاء مرحلة من مراحل النحت . رش الماء ونفخ الشعر ونفض الشرشف من حول عنق ابي حبيب وها هو قمقم العطر في طريقه الى بعث الحياة وتجديد العمر وضخ الشباب ثانية في عروق من انهكه الدهر . انتهت المعمعة وبكل لطف وذوق وبابتسامة عريضة تعدّت حدود الفكّين هنأ الحلاق زبونه قائلا: "تفضل اذا بتريد" مشيرا اليه بالنزول من على الكرسي ، وهكذا تنفس ابو حبيب الصعداء بعدما استهلكه الحلاق كل وقته والقى النظرة الاخيرة على المرآة وهز برأسه معلنا الرضى والقبول واخذ من جيبه محفظة نقوده الجلدية ووضع بيد الحلاق ورقة مالية من فئة الخمس ليرات وجال على الحاضرين بلمحة وداع وأسف على التأخير  منتظرا ان يعيد المعلم حبقة ما سيبقى من المال بعد اقتطاع الحساب . طال انتظار ابو حبيب ولما اشار اليه بتمتمة صغيرة قال له الحلاق وبصوت الواثق الفائز :
المحل محلك ، والعادة هنا " العطا قيمة " .
استوعب ابو حبيب المقلب بسرعة وايقن بأنه أكل الضرب كما يقال ، وبكل هدوء وروية وضع يده على كتف الحلاق قائلا: العفو ! قيمتي اكبر بكثير من خمس ليرات ولكن لسوء حظك اتيت اليك بعد انتهاء تسوقي في بيروت ، فأرجو المعذرة وغادر مودعا الجميع شاكرا حسن الضيافة وحسن المعاملة . عاد ابو حبيب الى البلدة ولم يخبر احدا بما حصل معه وقرر العودة الى ذلك الحلاق ليحلق رأسه وليحلق لذلك المعلم .
سنتان تقريبا على تلك الحادثة حين قرر ابو حبيب الذهاب الى العاصمة للأخذ بالثأر وهكذا حصل ، دخل الصالون كالغريب سائلا عمّا اذا كان بإمكانه قص شعره بسرعة لأنه على عجلة من امره ، استقبله المعلم حبقة وامر مساعده بأن يتولى امر ابو حبيب دون اية دلائل على انه عرفه او تذكره . انتهى العمل وقام ابو حبيب من مكانه وأخرجَ من جيب شرواله بيضة دجاج ووضعها بيد المعلم حبقة قائلا:
يعطيك العافية معلم حبقة
صرخ حبقة : شو هيذا حبيبي ؟
اجابه ابو حبيب : ولو يا زلمة نسيت؟ العطا قيمة وخرج من المحل .
عزيزي القارئ
تجتاحنا موجة من الحلاقين السياسيين المحترفين ، اصحاب سلطة ومال وصالونات ممتلئة بأمثال ابي حبيب الذين اعطوا من قلبهم وبمحض ارادتهم لهؤلاء المتسلطين كل الثقة وكل الامل لإدارة امور الناس والسهر على راحتهم وحقوقهم . نعم لقد اعطى شعب لبنان من قيمته ، اعطى من عرق جبينه ومن مثابرته وصموده، اعطى من كرامته ليكرّم الوطن ، اعطى من حريته ليتحرر الوطن من الانزلاق والهيمنة .
العطا قيمة !! وما اقدس من عطاء ذلك المواطن الساهر على البقاء
العطا قيمة ّ وما انبل من عطاء التعايش الحر والتآخي
نعم ....
اعطى قيمته ، نعم اعطى كل ما يملك لذلك السفاح القابع خلف مكتبه يدير الصفقات ويدير الصالونات ، يحلق لهذا ويقص لذاك والرؤوس تتدحرج وتقف الرقاب بالدور بانتظار النحر.
مئات كما المعلم حبقة ، تذوقه فتبصق تشمّه فتعطس ، تلمسه فيصيبك حكاك جهنمي والجميع من ابي حبيب الى ام حبيب الى حبيب واخوته وجيرانه واصدقائه وابناء بلدته وصولا الى قومه ،الجميع في صبر عظيم ولكن؟
ايها الشعب المعطاء
الم يحن الوقت لإعطائهم البيضة؟
الم يحن الوقت لاسترداد العطاء؟




الأربعاء، 10 أغسطس 2016

بالرغم من ؟

لي صديق لا يُسمع ولا يُرى ، أشعر به والمسه من خلال نافذة تطل على مجهول اعرفه ، اكلمه وسرعان ما ارغب بإسكاته ، يدوم صمته فارجوه النطق  ، يغضب ويرحل ولكنه يبقيني بين ذراعيه ، اعتذر منه بضجيج علّه يصرخ ،، فيهدأ وارتمي بتيار الزحمة القاتلة . تتدافع الامواج من دون شواطئ ، فاستلقي متعبا من لا شيء ولا شيء سوى انني لا ارى شيئا ولا اشعر بشيء ما دام هذا الفراغ يقلقني وهذا الصمت يقتلني ولا بد من المبادرة باعتذار .... فعذرا على الغياب ...
غاب منذ زمن ولا يزال عصي على الزوال ، فكل يوم يأتيني فيه يمضي وتمضي الايام وتعود في دائرة الحيرة ، اعانق الراحل واعانق الآتي وادعو البقاء الى الحضور رافعا رأسه خجولا من طول القامة ،،، هَرِمَ الجذعُ وتشعبت غصون السنين  وتساقطت اوراق العمر جملا وكلمات وغابت السطور وتوقف لسع العقرب وتحول الخوف سكينة وطمأنينة.
اه منك ! كم آذيتني ولا ازال ارغب فيك ، كم ارعبتني ولا ازال آنس فيك ، كم خنتني ولا ازال اثق فيك ، تجول في حاضري رغبة وارغب فيك حاضرا لا يزول. تأتي خلسة وتمر خلسة بالرغم من الضجيج والازدحام والتدافع ،وترحل كما حضرت ولا فرق سوى ثانية من زمن توقف ولكننا سائرون الى حيث التوقف بدٌ وحتمي .
اخي القارئ
يجول في خاطرك الكثير وانت اسير هذه الكلمات ، تأخذك الى حيث تريد وانت لا تريد ما ارادته منك ، تأخذها الى حيث الادراك وما ادراك بما هو بالفعل "هذا" ، هذا الذي اردته انا ان احملك اليه لتعيشه ثانية بدون اخطاء وبدون عتاب وبدون لوم وبدون آخ وآه ، انه الماضي الذي سرقنا من حاضر ، انه الحياة التي نراها من الاعلى بانتقاء ما نريد واهمال ما نريد .
الماضي !!!!!
ملكي وملكك وملك كل شخص ، رصيد من حياة ثمنها سنوات جهد وسعد وشقاء ، رصيد لا يُسحب ولا يُصرف بل هو ضمانة ذاتية للعبور الى ما تبقى من دين علّنا ننهي حسابنا بالتعادل ما بين خسارة الاعوام وربح الذاكرة .
لست بنادم ولن اكون ، ولن اكون الا من هنئ بعد عذاب ، وارتاح بعد عناء ، وسكن بعد ضجيج ،اقلّب صفحات تكسر الصمت وتعيد ملء الفراغ ، هذا ما تبقى ولن يكون لي ابقى واوفى من ذلك الأنا .اعيش لحظتي في سباق العودة الى حكاية ارويها بهدوء مستمتعا بكل تفاصيلها ، اعيشها ثانية وثانية من دون عناء الانتقال والتقمص ، اعيشها حاضرا لتصبح ماضيا آخرا استحضرها مجددا وهكذا انعم بأكثر من حاضر واكثر من ماضي .
اقف على حافة التاريخ مقلبا صفحات مهترئة ، انتقي منها ما هو التاريخ الذي افخر به والتاريخ الذي اتعلم منه والتاريخ الذي يجب ان اعلمه والتاريخ الذي سيكون درسا لن انساه ولن ينساه من يحب ان يرى التاريخ بعين تاريخية وبلحظة تاريخية، وبالرغم من هذا وذاك سيبقى لي ما هو لي وسيبقى لك عزيزي القارئ ما هو لك وما الذي يجمعنا انما هو حب التاريخ والعودة الى الماضي للتعلم وللعبرة والانطلاق من جديد .
بالرغم من كل شيء ، بالرغم من عذابك ومحنتك ، بالرغم من بعدك وابتعادك ، بالرغم من هجرك وتهجيرك ، بالرغم من نزفك وقهرك ، القاك هنا واحمل معك عبئ الايام وثقل السنين .
اصدقائي احبائي
افخر بما تفخرون وابارك ما تملكون ، القاكم بالابتسامة وارحب بكم في بيت شعر او دار نثر، وكلنا اسير الحرف الرصين والكلمة الصادقة والاحترام والتقدير،
اشكركم لاستقبالي مجددا



الأحد، 6 مارس 2016

اخوث!! بس مش حمار


يحكى ان رجلا مميزا معتزا بنفسه لدرجة الغرور المطلق ،صاحب معرفة وفطنة وحنكة ، يخال نفسه من غير طينة ومن غيرجبلة ، اهداه الله تعالى لهذا العالم البسيط الساذج ليعلمه وليدله على طرق لم يراها ولن يستطيع ان  يتصورها الا صاحبنا المميز.

صاحبنا هذا ، كان يقود سيارته الفارعة بهيبة رجل اعمال انحنت الاعمال له طوعا ومهابة ، يصارع الزمن في دورانه ويسابق العقارب في حركتها ، يريد كل شيء بثانية ويستحوذ على الكلّ في الاقلْ ، وفجأة عاكسه الحظ وضرب به عرض الحائط وطار عجل السيارة وكاد ان يهوي ولكن المشيئة انقذته.

خرج من السيارة غاضبا شاتما الحظ والطريق والسيارة ، يصرخ بأعلى الصوت ويركلها برجله تارة ويضربها بيده تارة اخرى حائرا لا يدري ما العمل ، لقد فقد الدولاب والبراغي معا وهذه هي المشكلة العويصة . تابع الصراخ واتكأ على حائط مبنى كبير يندب ما آلت اليه اوضاعه منتظرا مرور احد فاعلي الخير لعله ينقذه ، واذ به يسمع صوتا من الاعلى يقول:

ما بالك ما الذي جرى ؟

التفت اليه وحدق به وبالمكان فعرف ان هذا المبنى هو مستشفى الامراض العقلية وان الذي يكلمه احد النزلاء فلم يجاوبه واخذ سيجارة وانتظر . عاد الرجل وكلمه من اعلى وقال :

قلي ما المشكلة ؟

صرخ به وقال له : اتركني وشأني فلا ينقصني مجنون في هذا اليوم التعيس .

قال له المجنون اشرح لي ودعني اساعدك ، هيا ،،هيا ، قلّي

فكر صاحبنا قليلا وقال لنفسه سأقول له وسأعرف بماذا يفكر هذا المجنون ، ربما سأتسلى قليلا ريثما تصل اية مساعدة .

التفت اليه وقال : لقد فقدت اطار السيارة ويوجد بحوزتي اطار آخر فلا مشكلة ولكن المصيبة بأنني لا املك البراغي اللازمة لتثبيته فقد طارت معه . هذه هي المشكلة،، هل لديك حل؟؟؟

ضحك المجنون قليلا وقال له : الامر بسيط جدا ...

خذ من كل اطار برغي واحد وركبه فيصبح لديك الاطارات الاربعة مركبة بثلاث براغي ريثما تصل الى اقرب كاراج تصليح وتثبت الجميع كما يجب .

سكت صاحبنا وضحك وضحك وقال:

والله معك حق ، فانت فطن وذكي ، واعجب كل العجب لتواجدك هنا ، ومجنون من يقول عنك مجنون. أأنت مجنون ؟ قال له : نعم انا مجنون بس مش حمار !!!!! .احمر وجه صاحبنا خجلا ودخل سيارته منتظرا ما قُدّر له.

اخي القارئ

سائقو الامة الابطال يعبرون بنا كل يوم من هاوية الى اخرى والمشيئة الالهية دائما المنقذ والمخلص ، يعبرون بنا دون اي اعتبار لنا ودون اخذنا على محمل الجد ولو لمرة واحدة وذلك لأننا فتحنا السبيل امامهم بأننا نزلاء ذلك المبنى بالرغم من الفطنة والحنكة والذكاء ولكننا في النهاية نزلاء .يعقدون الصفقات ونحن في خضم الصفقة الاكبر ، صفقة التهميج  والنسيان مع العلم باننا من سيرقع العجل المثقوب ويدعو لهم بالسفر الميمون .

ننزل الى الشوارع ونضرب ونُضرب ، نهتف ضدهم وندعو لرحيلهم وفجأة ! نهتف لهم ونطالبهم بالبقاء والقيادة والتزعم ،، بالرغم انهم من يقود ومن يثقب العجل بل من يفقده نهائيا .

مسكين انت ايها الشعب ، مسكين في عيشك ، مسكين في عملك ، مسكين في طعامك ، مسكين في مشربك ، مسكين في امنك ، في تجوالك وفي ترحالك ، مسكين في ولادتك ،،، مسكين في موتك .....

اردت ان تُحاسبَ من اهملك فأصبحتَ المهمل ومن يُحاسب ،

اردت النزول الى الشارع فأصبحت ابن الشارع ،

اردت الكرامة ، فأصبحت صاحب علامة ،

ويحك ما اغباك وما اشجعك ، غبي لدرجة انك تصدق قدرتك على احداث فرق ولو بسيط ، وشجاع لأنك تستمر بنفس الغباء ،،،

عذرا !!!

لا اقصد الاهانة هنا ، بل اقصد الحقيقة ،،، والحقيقة انك ما بين الغباء والواقع في صف طويل من تفاهات ونفايات وحكايات الزعامة التي لا تنتهي لا بمطمر ولا بمحرقة ولا بترحيل .

مسكين ايها الشعب

طائفية السياسة ومذهبية التوظيف ، محاصصة المشاريع  وانانية التشريع ، قبول مناطقي وتوافق قبلي الى ان وصل الثلج الى الشاطئ في اوج الصيف ومن دون عواصف ، ومن دون رخصة قيادة .

وحده من يقود ووحده من يسرع ووحده من يثقب الاطار ووحده من يصلح الاطار ، وكله في نفس الاطار وفي نفس المعيار ، وفي نفس الحوار

اطال الله في عمر الحمار .

 

 

 

السبت، 24 أكتوبر 2015

الاخوث الحكيم


الجميع في عجلة من امرهم ، يسابقون الزمن ويواجهون ضغط هذا الحدث الكبير ،                                      
وعلى غير عادتهم فقد اخذت السرعة منهم دقة التصرف ، واصبح الامساك في زمام الامور من مستحيلات هذا المجتمع الهادئ البسيط .
انها قرية صغيرة تناثرت اسطحها على جوانب هضبة تعلقت كأرجوحة بين جبالٍ اخذ منها الصخرُ عرينا والسنديانُ مسرحا ، قرية نعمت بعطاء الخالق فعاشت على القناعة بنعمِ منْ انعم . يعيشون حاجة يومهم ويأملون بيومٍ لا حاجة فيه لاحد ، وقفَ العلم عند حدود بيدرهم ، وتوقف دوران الارض امام سبيل الماء ، فمن ارتوى منهم كأنه اجتاز القحط والمحل ، ومن حظي بالقليل وكأنه عاد من سفر" برْ لك " ، (وهي تعني سفر بالبر لك وهي كلمة كانت تقال للذين يؤخذون للخدمة الاجبارية ايام الحكم التركي الى منطقة البلقان ) .اذكياء لدرجة انَّ الذكاء تخطاهم الى الحماقة ، فلا فرق بين ساذج وغبي الا بلباس فصل التعارف وامسيات الحوار .

فرحٌ انتظرته القرية واستعدت له الجيرة والاقارب ، ألسنة النار تعلو والدخان يملأ المكان ورائحة الطعام تسيل اللعاب ، وانغام الناي والمجوز تأسر القلوب وتُدمِعُ العيونَ لشوقٍ وحنينٍ واملٍ ودعاء .انه عرس طال انتظاره وتكلم عنه القاصي والداني ،وانتشر خبره الى ابعد ما وصل اليه الصوت والصدى ، وكيف لا وهو العرس الذي سيجمع بين الحارتين المتنافستين والمختلفتين منذ عقود طويلة ، تارة على الماء وتارة على البيدر وتارة اخرى على السهل والمعبور ، خلاف توارثه الآباء عن الاجداد وهكذا أنزلقت الازمة عبر اجيال لا تعرف السبب ولا تعرف المخرج ولا تعرف سوى البعد والكراهية والتحدي والانفعال .

قدمتْ الفرسُ بحلتها البهية وزينتها التي لا تنافسها طلّة ولا هيبة ولا وقار ، وقعُ حوافرها نغمة الايقاع ، وصوت صدرها راحة سداد الدين العسير ، لبست شالا متدليا يتماوج مع مشيتها ، وطرحة تضاهي العروس جمالا بطرحتها وكأنها هي العروس والعروس جارية عابرة .

هدأ الجميع واستعدوا لرحلة الزفاف التقليدية انطلاقا من بيت العريس مرورا بأزقة القرية وممراتها الضيقة وصولا الى بيت العروس في الحارة المقابلة وسط الزغاريد ورش الارز والملبس . اعتلت العروس الفرس بعد السلام والكلام وحسن النوايا وتصافح الايدي وجلاء النوايا والظنون وغادرت بيت اهلها بدموع الفرح وتمني التوفيق المستديم بسنين خير وبركة وسعادة . كان الموكب يتوقف عند كل بيت تقريبا لتناول المشروب والماء والحلوى وسماع البركات والدعاء وبعض اصوات الغناء القروي ورقصات الدبكة وايقاعات الطبلة والدف . كل القرية مشاركة وبعض المدعوين من القرى المجاورة والفرحة العارمة تنشر ابتساماتها على كل شفة ووجه ، ووصل الموكب بيت العريس باستقبال رقصة السيف والترس والحدا والتصفيق وابى والد العريس الا ان تدخل العروس الدار على الفرس . صمتٌ رهيبٌ وسكون ما قبل العاصفة، ماذا هناك وما الذي جرى ؟ لا تستطيع الفرس الدخول لان رأس العروس سيرتطم بالعتبة. علت الاصوات وكثرت الاقتراحات وتجمهر فريق هنا وفريق هناك واستدعي اهل الحكمة والخبرة والمشورة ، منهم من رأى بهد عتبة البيت وازالتها ومنهم من رأى بقطع قوائم الفرس ومنهم من رأى بقطع رأس العروس ، ودار الجدل واشتدت الالفاظ واخذت الامور منحى خطيرا في التطاول على المقامات واصحاب الرايات والعباءات وأعادت الى الاذهان ازمات الايام العابرة  وسوء دبار القدماء وخصومة الاجداد . وسط هذا الازدحام القلق تقدم احدهم رافعا يده يريد الكلام واعطاء المشورة ولكنه سرعان ما جوبه بالرفض الشديد وكيف لا وهو من اصحاب السوابق في الجنون والخوث وسوء التصرف كما يقولون ، نعم كيف يقبلون برأي مجنون وهم اصحاب الفقه والصواب ، واستمر العبث بالآراء وطرح الافكار وسن القرارات ، وتقدم هذا الرجل ثانية وطلب اعطاؤه برهة ليحل المشكلة ولسوء الحظ كما في المرة السابقة طُرد وأُهين الى ان دنا احد الوجهاء وقال : لنسمع ما لديه ....

تقدم الجنون كما يدعون وقال : انا احل المشكلة

قالوا له : كلنا آذان صاغية

تقدم من العروس وهمس بأذنها وقال لها : انحني قليلا يا ابنتي ، وهكذا انحنت العروس ومرت الفرس الى داخل الدار وعلا التصفيق والهتاف والتعجب بمقدرة هذا الرجل العادي البسيط وانتهت المشكلة فلا قطع رأس العروس ولا ارجل الفرس ولا هُدّت عتبة البيت . حمل الناس هذا الرجل على اكتافهم واتخذوه عاقل القرية وحلال مشاكلها واصبح الحكيم والفقيه وصاحب الرأي والمشورة .

اخي القارئ

متى سيأتي اخوث ويقول : لننحني قليلا وستمر كل القضايا دون هد وكسر وتقطيع

متى سنحظى بمجنون يجيد فقه الكلام وحكمة القرار وصدق النوايا ؟

نعم اخي القارئ ، لقد ضقنا ذرعا بأساليب الكر والفر التي لا تجدي سوى المزيد من التباعد والكره والنفور

نعم لنطرح الامور ببساطتها امام هؤلاء الذين يدعون انهم اهل الرأي والمشورة : مع فائق الاحترام والتقدير للشعب الفلسطيني وللقيادة الفلسطينية اقول ان لا قيامة للدولة الفلسطينية دون القبول الاسرائيلي اي ان الدولة العتيدة هي صناعة اسرائيلية لا غير . ونقول ايضا للقيادة الإسرائيلية : لن يهنئ لكم عيش ولا مستقبل ولا ازدهار ولا سلام دون قيام الدولة الفلسطينية ، ولن يمكنكم العيش ابدا الا مع الشعب الفلسطيني جيرانا وشركاء واصحاب مصير واحد ، تتنفسون نفس الهواء وتشربون نفس المياه .

صديقي القارئ

ليتنازل كل من مكانه ولتلتقي الايادي بالمصافحة الحقيقية ، لننبذ التطرف لأنه السبب بكل عنف وكراهية ، نعم التطرف بكل شيء حتى بحب الله عز وجل . اطرح بكل موضوعية ودون انحياز والرجاء عدم الانجرار وراء ال" نحن" ، فالله دعانا الى الالفة والمحبة والتسامح وهو العليم بكل ما نفكر ، فلا التقوى الزائدة بالصلاة الزائدة ، ولا اكتساب الآخرة بتقبيل العتبات صبح ومساء ، ولا قبول رضا الانبياء والمرسلين بكره ولعنة الآخرين ، ولا الوصول الى الهيكل يرضي موسى النبي ولا العبث بالمشاعر مفتاح التسلط والسيطرة .

ايها الناس، لقد قضى الله تعالى بقرب المقدسات لاقتراب الناس من بعضها البعض ، ولانتقال عدوى الايمان والخشوع ، ولنشر ظاهرة العيش المشترك وقبول الآخر ، لا للصد والكفر فالإيمان بالله واحد ، والايمان بالآخرة واحد ، والايمان بيوم القيامة واحد ، فلماذا السعي للتفرقة ولماذا الركض وراء شهوات رفضها الله ورسوله ونبيه ومصطفاه ، ولماذا الخروج عن ما رسمه لنا القرآن والتوراة والانجيل وسائر الكتب المقدسة .

اخي ايها المسلم ، لربما الانحناء قليلا تحت عتبة الخوف من الله لجهد مشكور ، وانت اخي اليهودي لربما الانحناء قليلا تحت عتبة مزامير داوود واسحق لسعي مشكور ايضا ، ولربما القبول بتهمة الجنون من اجل خلاص الامة لهو شيء مقدس ويرضي الله والجميع .

على امل ان يأتي الاخوث بحلول العقلاء نحن بانتظار زفاف آخر لا عتبة فيه ولا فرس بل عروس للسلام تكون مسك ختام المآسي وليالي الظلام .