الأربعاء، 5 سبتمبر 2012

الرسالة الثانية

                                   
كنت اتمنى ان لا اكتب لك ثانية ، ولكن الخامس من ايلول اصرّ ان يقرأ لي مرة اخرى .
نعم يا بني ها انا اكتب اليك راجيا ان تكون بصحة جيدة ، آملا ان لا تحسب الايام والليالي فان حسابها يأتي دائما على حساب الجسد وراحة البال .
احمل القلم مجددا واحاول ان اصنع من عصارته خطوطا تسابق الشوق اليك وتطبع على خدك قبلات وقبلات . اكتب اليك يا بني لأني اجد في الكتابة ملاذا من سأمٍ ويقينا من حيرة، اخاطبك عبر هذه الحروف لأرشدك وانصحك وأقوّم ما اعْوجّ والتوى ،بكلام منه ما وقع على صواب ومنه ما سرح في خبط عشواء، انه القفز فوق الرغبة والسقوط عند اللقاء  .
بني
لا يوجد في الحياة اثمن من الحرية ، ولا توجد حرية اثمن من الروح .الروح تبقى وان غابت الحرية ولكن لا حرية بدون روح ، اكمل طريقك على خط البقاء واعمل لغدك وكأنه سيصبح الامس . ليكن الامل مفتاح يومك وبهجة حاضرك وسبب قيامك، ولا تدع الندم يأخذ منك فرح التوبة ، ان الندم دواء ولكن التوبة شفاء .
ولدي
اوصيك بأخيك ، لا تدع شيئا في الدنيا ابدا ،،ابدا يبعدك عنه او يبعده عنك ، وتذكر دائما بأن تترك بينكما فسحة للحرية الشخصية وابتعد عنه المسافة الكافية لتشتاق اليه . كن دائما السباق للشمل والخاسر من حقك واعطه ما هو لك قبل التزامك بما هو له ، احتقر المال ، وحافظ على الارزاق فأنت الساعي والوكيل ، توصلها كما وصلت اليك، فأعطها كاملة وزدها اذا استطعت واذا لا بد من نقص فليكن في سبيل تدبيرٍ حسنٍ او صالحٍ عائلي او براءة ذمة .
ان الحياة مجموعة عقد مترابطة متراصة جُمعت وأُحكمت لتكوّن العقدة الكبرى الا وهي عقدة البقاء . عقدة النوم وعقدة النهوض ، عقدة العمل والطعام ، عقدة التربية والتعليم ، الى ما هناك من عقد تكبر مع ساعات اليوم والاسابيع والشهور للسير نحو البقاء وهو نفسه مسار السير نحو الفناء . حب البقاء  والصراع من اجله ،هو الوصول للفناء بحد ذاته ، تفاوتت الاوقات واختلفت ساعات الحقيقة ، فاعمل ما بوسعك لإرضاء ربك واراحة ضميرك ، وتذكر ان البقاء في الاعمال الجيدة والسيرة الحسنة ، فاجعلها على شفاه المتكلمين واوراق المدونين .
ولدي الحبيب
تمر الايام مثقلة بالتمنيات وتتراكم الآمال عبر السنين لتولد جبلا من خيال السعادة المرجوة ، وفي ازدحام التاريخ عُصرتْ سنّة الحياة فكانت تلك العصارة ، وامتلأت الكأس بفلذات احب الخلق الى نفسي . انتم عائلتي واحبائي ، انتم رجائي وقسمتي .
لا ادري يا بني كلما حاولت ان انهي اجد نفسي وكأني الآن بدأت ، فمع كل نهاية تبدأ بداية . فاجعلْ من آخر نهاية سعيدة بداية ساعة صفر لمشوار سفر آخر، وتذكر بأن سرعة السنين لا تضاهيها سرعة لأننا لا نشعر بها بل نعيشها ذكرى.
اوصيك بأقوى سلاح تتسلح به ، فهو يحميك في كل زمان ومكان ، انه الايمان ،الايمان المطلق باله الحق والخير دون شراكة ودون شك ودون تردد . اعمل ما يحلو لك وما يطيب ، وما يمليه عليك العقل والمنطق وحتى الرغبة ، ولكن احذر الكذب ،، كن صادقا دائما مع خالقك اولا ومع نفسك ثانيا ومن ثمّ مع المجتمع من حولك . يا بني ،، الصدق صك القيم فان تنازلت عنه ، فلن تمتلك شيئا ولن تغدو اكثر من رخيص .
يا بني
كن ابن مجتمعك ، فهو يدفئك ويحميك ، تكبر ان انتميت له وتُحتقر وتُهان ان عاندته وسرت عكس تقاليده وقيمه .ان الانسان يستطيع ان يجلب المذمة في برهة وجيزة ، ولكن يلزمه وقت طويل وطويل لجلب السيرة الحسنة والكلمة المنصفة .
كن ابن طائفتك ولا تكن طائفيا ابدا ، ناصرها واحميها ولكن ليس على حساب القيم والاخلاق والشرف ولا المعتقد والايمان  .ان الطائفية خلل انساني وهي ادنى درجات العلاقات الاجتماعية والدينية ، ومقبرة الحوار والعيش المشترك . انت اخٌ لكل انسان في المشاعر ومدّ يدِ المساعدة والعون ، فلا تفرق بين لون ولسان وقامة . اننا في يوم الحشر سواء ، ولا فضل الا بالتقوى .
رحم الله أمرئ عرف حده فوقف عنده ، كبُرَ فتواضعَ ، تألمَ فصبر ، سامحَ فأقتدر، اخطأ فعرف ، اساء فاعترف ، انه جبلةُ العواطف وفخرُ المواقف ، وبين هذا وذاك يكمن السر،،،،

                                                           والدك
                                                   5-9-2012

الجمعة، 17 أغسطس 2012

اللعنة

لقد اعتاد البعض على الهروب من الواقع الأليم باللجوء الى بعض الخيال المفرح قليلا ، واعتاد آخرون على الدخول في متاهات التمني والتفاؤل ، ولطم البعض الآخر وجه التشاؤم ببعض الايمان ، وخلص الجميع الى خلاصة واحدة : اللعنة على القدر مع اننا نؤمن كلنا بالقدر ، فهل هذا يعني اللعنة على ما نؤمن به ؟
اخي القارئ
معاذ الله ان اقصد "باللعنة" الايمان بالله تعالى او بيوم الآخرة او بيوم الحساب، بل المقصود هنا هو ما نؤمن به في يومنا الآني ، بالبقاء احياء ، بالعيش الكريم ، بالحقوق الكاملة ، بالاحترام والصدق والثقة ، الى ما هنالك من مرادفات يومية نعيشها ونعيش من اجلها ونتمنى ان نؤمن بها .
ما اضعف الانسان وقت الصعاب حتى ولو كان من اقدر الخلق على التصدي ، ولكل فرد طريقته الخاصة للسير نحو الخلاص ، وهذه قصتي مع اللعنة التي قادتني الى بعض الكفر ، واعود صديقي القارئ واكرر بأن هذا الكفر ليس قصدا ولا نية بل ينزل كلمة ويذوب في بحر المغفرة .
هناك من يطرد السأم قبالة البحر ويغوص في تلك الزرقة اللامتناهية ويخرج من مكان طالما اراد ان يكون فيه او احدى محطات حياته، ومنهم من يجلس قبالة الشمس لمواكبة طلوعها والشعور بدفء الحياة المتجددة لينعم بيوم جديد وامل ورجاء .
اما انا ،فالشمال وجهتي ومحطتي ، اجلس على تلك الرابية المطلة على عرين شبابي على الجنوب بوابة الفخر والعزة لوطن فُقد الامل منه . انطلق من تلك الرابية الى طفولة رافقتها الاحداث وكبرت وسط الحيرة والقلق ، اعود الى السهول والجبال اركض بين الاحراج والجداول ، اعرف كل نقطة تقع عيناي عليها ، راقبت نمو الاعشاب وهجرة الطيور ، عشقت ثلج حرمون وشربت دموعه فزادني الشيخ صحة. ها انا في حلم الاحلام فوق يقظة الايام وبين ما كنت وما انا عليه الآن استفقت على سائل ويقول : من انت ؟ نعم سألني ذلك الحارس وقال : من فضلك هويتك ، اعطيته وانتظرت ... ماذا تفعل هنا ؟ سألني ماذا افعل هنا ؟ ومن انا ؟
اللعنة ....
اللعنة .. من اين ابدأ وكيف ، وماذا باستطاعتي اخباره ؟ ومن هو ليفهم من انا وهل يستطيع ان يستوعب اللعنة التي انا فيها او ان لديه لعنته الخاصة ؟
سألني والح على المعرفة ،، من انا ؟ قلت :
أترى تلك السهول والجبال...أترى تلك الوديان والتلال.. أترى الريح ؟ حدّق جيدا هناك كان التاريخ يُصنع وهنا بعض الخطوط الزرقاء تمنع ، هناك ازدحمت السنين وتراكضت الايام ، وفي عجقة الزمن ، حُشرت اللحظات فولدت المحبة ونبت السلام ،، ولكن ،، اللعنة على.....
صرخ مقاطعا: اللعنة، لقد عرفتك انك لبناني، فقلت له بالله عليك لا تلعن، دع اللعنة لنا فإنها منا وفينا.
اخي القارئ
قاتلت من اجل الحرية والديمقراطية ، نذرت شبابي وزهرة عمري من اجل الانسان وحقه في العيش الحر الكريم، قاتلت الاستبداد والأنا ، قاتلت عبدة الديكتاتورية ومنتهزي الديمقراطية ،،، اللعنة من اجل ماذا ؟ من اجل ان استجدي بعض الديمقراطية ؟ قاتلت العنصرية والطائفية والمذهبية ،،،، اللعنة ، لقد فقدت الهوية واين ابحث ؟ وهل أجرؤ على القراءة بعكس الابجدية ؟
ما ارخص حياة الانسان في النظام الاستبدادي ، وما ارخص قيمة الانسان في النظام الحر ، واللعنة .. والف لعنة ،،،فما بين القيمة والرّخصِ ضاعت القيمُ وكثُرت الرّخَصْ .
يُقال بأننا من العالم الثالث ، العالم التحتي الذي لا يعرف الا الشقاء ولا يعرف قيمة البقاء لأنه لا يملك اي ولاء. العالم الثالث ، عالم الجهل والتخلف كما تقولون او كما تدعون ، اي اننا من المتخلفين والجهلة ، ولكننا نملك المال الوفير وبنوك العالم الفوقي مشرعة الابواب وطالما نحن نضخ الذهب والماس فالتخلف نائم وغائب والاستبداد رحمة والديمقراطية نكتة .
اللعنة ....
نحن الذين حاربنا الطغيان ،، جهلة
نحن الذين وقفنا بوجه التفرقة العنصرية والمذهبية ونادينا بالحق البشري العام، نحن جهلة ومتخلفون.
نعم ، اللعنة علينا لأننا لا نعرف الرياضيات جيدا بل نعرف القيم نحفظها عن ظهر قلب .
اللعنة علينا لأننا لا نتقن الكذب ولا المراوغة ، بل كلنا ايمان ونتوق الى المغفرة .
نحن العالم الثالث نفشل بتعلم ما خلقناه وننجح باكتساب ما عُتق، نحن عنوان قصة لا تحكى ولا تُترجم.
وانتم العالم الاول يا من تظنون بانكم القدوة والمثل الاعلى ، لا ،لا ،انتم الخطأ والخطيئة ، لديكم سيف جدعون وتمساح فرعون ،ولدينا المعرفة بمن نكون وبخالق الكون .دعونا وشأننا وليكن العالم الثاني بيننا فهو يتسع لكلينا ، انزلوا اليه ونحن نصعد بدورنا وربما نلتقي في وسطية الحضارة ، وفي وسطية التطرف ، وفي وسطية الكمال ،،،، ونلعن اللعنة ....
عزيزي القارئ
تركني ذلك الحارس بهدوء ، فقط اشار بيده راحلا بسلام اشبه بالاستسلام ووقف بعيدا وقال :
اللعنة علينا جميعا : انتم لأنكم صدقتمونا ونحن لأننا كذبنا،
ضحكت اخيرا وقلت له : اللعنة على الرياضيات ، فقد ساوت اللعنة ما بين الكذب والصدق .

الأحد، 5 أغسطس 2012

الرسالة الاولى

دمعة امل
اكتب اليك محاولا ان اجمع الحروف المبعثرة ، وان استرجع شكل بعض الجمل بعد ان فلت مني قلم المعرفة . احاول ان اضخّ بعض الحبر على هذه الاوراق علّها تُنبت اشواقا تريح بالي وتهدئ انفعالي .
اشتقتُ اليك والباب لم يغلق بعد خروجك ، اشتقتُ اليك وما زال صوتك يخرق صمت الغرفة ، اشتقتُ اليك وما زالت رائحة عطرك تبعث دفئ وجودك ، اشتقتُ اليك وانا لم انهي وداعك  بعد،
 اشتاق اليك ان لامستك ، واشتاق اليك ان سمعتك ، اشتاق اليك مع كل آخ وكل آه مع كل امنية وكل دعاء ، فان الله سميع مجيب ان رضي وشاء .
يا ولدي ،ان المرء ينال ما قسم الله له ولا تجني النفس الا ما زرعت وما العقاب الا بابا للثواب والله قابل التائبين .
لأول مرة اجد نفسي عاجزا مقعدا مكبل اليدين معصوب العينين ، حائرا تائها في ضياع وحيرة من امر لم اعتد عليه سابقا .نعم يا ولدي لقد مررت بصعاب كثيرة ولكنني كنت فيها المقصود وكانت تدور حولي ، كنت اخرج منها منتصرا بفضل الايمان المطلق والارادة الصلبة وحب البقاء وعناد الشباب ، وها انا اليوم اتأرجح على حبل سنوات العجز والكهولة لا اقوى على النزول ولا اقدر على انزال من احب . اخاف من الفشل ومن خيبة الامل ، اعمل المستحيل لأحصل على الممكن ، ودائما تذكر يا ولدي ان الحياة نجاح وفشل ، حب وكره ، سعادة وحسرة .
لا اذكر يوما سمحت فيه لليأس بأن يأخذ مني ولو اليُسر اليسير ، هكذا كنت وهكذا اريدك ان تكون صبورا صلبا عنيدا قاسيا على الصعاب ، مؤمنا بقدرة الخالق راضيا بقسمتك ، فالرجال تُعرف عند المواقف الصعبة وللشباب مواقف ومواقف لا تهين ولا تلين .
تذكر يا بني ان لا عيب في السقوط بل العيب في البقاء حيث نسقط ،ولا عيب في الخطأ فالأموات فقط لا يخطئون ، وان طلب التوبة والمغفرة  ليس ضعفا بل شجاعة ما بعدها شجاعة . ان الجبان لا يتوب يا بني بل يهرب ، والشجاع يقبل ويتقبل ما كُتب له وما رُسم له .
تذكر دائما يا بني بأني احبك ، تذكر دائما بأنك النور في عيني والنطق والادراك في روحي ومهجتي ، تذكر دائما بأنك الجزء الباقي بعد فناء ذاتي ، تذكر بأنك الرزق والروح ، الحب والعطاء ، تذكر بأنك المُلْكَ من صاحب المُلكِ .
تذكر يا ولدي بأن لك عائلة تدعو لك في كل لحظة وتبتهل الى الله عز وجل بان يعيدك اليها سالما ومعافى ، فاعمل برضاء الله على النقاء والصفاء وابدأ دائما بالدعاء والرجاء .
كن راضيا على ما انت عليه ، وتقبل ما انت فيه وليكن الصبر خبز جوعك وايمانك خشبة خلاصك .


                                                                 والدك
                                                            5/8/2012

الاثنين، 30 يوليو 2012

الوطن الضائع

سئمت الجلوس ومشاهدة الشاشات والاستماع الى الاخبار، سئمت المواقف والاقوال ، سئمت التهديد والوعيد ، سئمت الانذارات والعقوبات ، سئمت المنابر وابطال الحناجر ، سئمت من كل هذا حتى احببت انقطاع الكهرباء شبه المتواصل وهنأت اللبنانيين على خلاصهم من هذه اليوميات المملة .
اخي القارئ
نحن ..؟ وكالعادة نحول الهزيمة الى انتصار ونطبل ونزمر ونختلق ونصدق ،ونحول الانتصار اذا ما حصل ( وباض ديك الزمان ) الى كابوس يطيح برؤوسنا وهاماتنا ويجعلنا اسرى احلام تخطت الواقع والمألوف . هكذا نحن ملاّكي لبنان ومستأجريه نحاول التكيّف بما يناسبنا ويلائم نفوسنا ، بل نحاول ان نجعل انتصار الآخرين هزيمة وهزيمتنا انتصارا فنخرج بوباء وببلاء وبسوء تقدير ليتحول هذا المُنتج الى سوء طالع يطالع النازل والطالع .نهشنا روحنا واجسادنا في حرب لا عرفت الاهلية ولا الاقليمية ولا الدولية ، بل كانت حرب العصبية من عصب المذهبية وتعصب الطائفية ، فقتلنا وطننا الذي لم يولد اصلا كما يجب دون ان نحاكم القتلة ، ودون لائحة اتهام ولو حتى غيابية ، وكأن القتل عندنا تقليد او عرف ، وللأسف اصبح هواية ورجولة ووسيلة لإثبات المواقف ، ونرى اليوم ان من قتل لبنان هو الحاكم بأمره وهو الناهي الآمر وتخطى المقولة المعهودة ( قتل القتيل ومشي في جنازته ) الى مقولة ( قتل القتيل ليرحمو). نعم نقتل لبنان لنترحم على لبنان ، نقتل هذا الوطن كل يوم وكل ساعة ، ونحن الشعب الوحيد الذي يعرف وصل الجنّاز بالقداس بالصلاة بالذكر الحكيم ، فمباركة انت ايتها الامة اللبنانية التقية النقية .لقد سقطنا من قاموس الشرف والاخلاق ، وطعنا بكل اسس الادب الاجتماعي والسلوك الحضاري وسط تلك المعمعة تحت عنوان " الحرب " والاستعداد للحرب والوقوف بوجه كل من نراه يفيد بقاء واستمرار السلاح وحملة السلاح ،اسقطنا معيار الوطنية واستبدلناه بعيار البندقية ، وحولنا هشاشة كبريائنا وفشل حبنا للوطن الى انتصار مخجل وعار ، انتصار فئة على اخرى وللأسف طائفة على اخرى ومذهب على آخر ، وهكذا اصبح الانتصار في حرب الهزائم شعارا لنصر مزيف وعلامة فارقة في تاريخ هذا الوطن لا يمحيها موت جماعي ولا ابادة عرقية .
اخي القارئ
لا تسكت بندقية الا وتصرخ اخرى ، ولا يُهدم متراس الا ويُقام آخر ، ولا يهدأ خاطر الا ويخاطر آخر ، ترى اين نحن ؟
في الغابة يزأر الاسد فيسكت الجميع ويطيع ، وفي القبيلة يشير الشيخ فيتحول المسلك كله بالكبير والصغير، وفي الدولة يتربع القانون فوق الكل ، اين نحن ؟
نحن في لبنان، لا غابة ولا قبيلة، لا دولة ولا كيان، لا قانون ولا مؤسسات. انه شيء من لا شيء يحاول ساكنوه خلق معرفة من نكرة . انه لبنان انشودة الاخرس ونغمة الاطرش ، انه صورة الاعمى وميدان الكسيح . انه لبنان ، النثر والشعر والخيال في الرصاص والقتال والتفرقة والبعد ، في الحب عن بعد والتلاقي عن بعد ، سئمت الوصف وسئمت تلوين الحقيقة لأجعلها كذبة لأننا تعودنا ان نصدق الكذبة ، فيا ليت لبنان كذبة ليهون علينا تصديقها .
اخي القاريء
شيخ من هنا وآخر من هناك وكأنه لا يكفينا رجال السياسة ولا طلاّتهم المقشعرة للابدان . منبر هنا وصدى الآخر يلاقيه لتتكسر الكلمات وتنصهر وتخرج في لغة حجرية ، وبأفكار خشبية من خلال جدل بيزنطي لا يحمله سوق عكاظ ولا نخاسة القرون الوسطى .
ماذا تريدون ؟
في طرابلس ، في صيدا ، في البقاع والهرمل والجنوب في كل مكان من ( هذا الوطن المشاع) ،ماذا تريدون ايها اللبنانيون ؟
محاربة اسرائيل؟ تفضلوا ولما الانتظار، فالطبول شغالة والحناجر مستعدة.
محاربة النظام السوري ؟تفضلوا ،فاليوم هو افضل وقت لمحاربة البعث والاسد
دعم النظام السوري ؟تفضلوا وهو اليوم بأمس الحاجة الى اي دعم ممكن .
محاربة بعضكم بعضا ؟ تفضلوا ، فانتم اليوم في افضل حالة من انقسام وبُعدٍ وقلة احترام ووطنية .
ماذا تريدون ؟
بناء الدولة اللبنانية ؟ تفضلوا ، وهي اليوم بأمس الحاجة الى الاخلاص الحقيقي واليد العاملة الغير مأجورة .
فاذا كنتم لا تريدون محاربة اسرائيل ولا تريدون مقارعة النظام السوري كما تقولون في سياسة النأي بالنفس ، ولا تريدون دعم الشعب السوري ، ولا محاربة بعضكم بعضا ، فلماذا السلاح اذا ؟
ان بناء الدولة لا يتطلب سلاحا الا سلاح الدولة ، فلماذا التمسك به ؟ فاذا كنتم تعتقدون بان سلاحكم هذا سيدمر اسرائيل او سيردعها فانتم حتما مخطئون. ان من يردع اسرائيل هو الدولة فقط والوقوف بوجهها ومقارعتها من دولة لدولة ضمن الشرعية الدولية ومؤسساتها شئنا ام ابينا .
ان مقولة ان السلاح لحماية لبنان قد سقطت منذ السابع من ايار وتوجهه الى الداخل ، ومنذ ذلك الحين وانتم يا اصحاب السلاح تسعون الى التبريرات والاعذار ولكننا نقول لكم لقد سقط سلاحكم نهائيا من معادلة حماية لبنان بعد الاحداث التي عصفت بالشمال اللبناني . الحقيقة تقال وبصراحة تامة ، لو استعمل هذا السلاح بعد تعديات النظام السوري على الارض اللبنانية وانتهاكه لحرمتها وكرامة شعبها ، وبعد الاعتداء على الناس وقتلهم ، اقول لكل لبناني ولكم : لو استعمل هذا السلاح لحماية الشمال لكنتم ربحتم الرهان وانحنينا احتراما لكم ولسلاحكم ولاستراتيجيتكم الدفاعية ولكل ما تنادون به . نعم لقد فوّتم عليكم فرصة اسكات كل الاصوات المعارضة . من هنا نقول لكم ان هذا السلاح هو مُسيّر ومستأجر لأغراض واهداف خارجية ولخدمة الثورة الاسلامية الإيرانية ودعم وحماية النظام السوري وامتداده في لبنان . لم تجرؤوا على استعماله في الوجهة الصحيحة ، وسقط وسقط معه رهانكم وسقطت شعاراتكم .
نعم صديقي القارئ ، نهنئ انفسنا لما وصلت اليه مصر وتونس وليبيا واليمن ونهنئ انفسنا باننا نحن العرب خطونا خطوة بالتجاه تثبيت " الأنا " ، انا مواطن عربي في دولة عصرية وديمقراطية ترعى حقوق الانسان ، نهنئ انفسنا بالتضحيات الكبيرة التي قدمتها هذه الشعوب ولا تزال وخاصة الشعب السوري العظيم ،وفي المقابل نهنئ انفسنا نحن اللبنانيين بتبعيتنا للزعماء وسوقهم لنا وكأننا ارقام انتخابية ، نهنئ انفسنا على اننا اللغز الوحيد الذي لا يفهمه قارئ ولا يفقه فيه محلل .
عزيزي القارئ
ها قد جلس المحاورون وبدأ الكلام، واي كلام يوصل الى نتيجة طالما ان حزب الله لا يزال متمسكا بشعاراته وبمقولته ( الدفاعية). فاذا كانت هذه الاستراتيجية هي ضد إسرائيل فقط وعدوانيتها ، نقول : لقد اعتدى النظام السوري علينا أيضا فلماذا لا يسعى البعض الى التسلح لحماية لبنان من سوريا او تركيا او الفلسطينيين (المرتزقة الراديكاليين)  مثلا ضمن استراتيجية دفاعية اخرى ؟ ان احتفاظ حزب الله واعوانه باستراتيجية مسلحة خاصة ، ستفرض هذه الاستراتيجية تسلحا وسنرى سلاحا سنيا ودرزيا ومسيحيا وووو. ان الخلاص الوحيد هو ببناء الدولة واللجوء الى مؤسساتها البرلمانية والدستورية وترك الامور الدفاعية للقرار السياسي الحكيم. كفانا لعبا وكفانا كذبا وكفانا مراوغة لقد شارفت اللعبة على نهايتها فإما لبنان المؤسسات واما الفوضى ، فلنستغل الوقت الضائع لمصلحة الوطن الضائع.

السبت، 30 يونيو 2012

خالدون

الاول من تموز ، يوم وقف فيه الزمن ليلقي القدر كلمته ، ويذكّر من عنده الذاكرة لا تعي تاريخا ولا حدثا .
الاول من تموز، عيد تأسيس الكتيبة الثلاثون في الجيش الجنوبي عام 1983 ،والتي كان لي الفخر بان اكون احد جنودها الاوائل . وكان القرار بان يكون الاول من تموز من كل عام هو يوم الشهيد الجنوبي بعد افتتاح النصب التذكاري لشهداء الجيش الجنوبي على تلة 608 قرب مقر اللواء الشرقي في السابع من نيسان عام 2000 ، على ان تصدر مذكرة خدمة رسمية بذلك ولكنها لم تصدر لأسباب تقنية وبالتالي اخّر سفر قائد الجيش صدورها وانتهت بانسحاب الجيش الاسرائيلي وحل الجيش الجنوبي ، مع العلم بان الافتتاح تم قبل الموعد المتفق عليه بسبب نية اللواء لحد المغادرة الى الخارج .والجدير بالذكر ان الاحتفال الاول كان قد اقيم في بلدة القليعة في الاول من تموز عام 1994 واقتصرت بعدها الاحتفالات ضمن الافواج والقطع بناء على طلبها. ولذلك فأنّ الاول من تموز هو " يوم الشهيد الجنوبي " الذي لم يتسنى لنا الاحتفال فيه ثانية ، ولكنه سيبقى  يوم الشهيد الجنوبي الى الابد .
اعزائي
اي حياة اكثر فخرا من تلك التي يعيشها الانسان وسط اسماء عبرت التاريخ لتصنع تاريخا ، وها نحن اليوم نعيش هذا الفخرَ والاعتزاز بهؤلاء الذين رسموا لنا بدمائهم اسُس البقاء والاستمرار .
اكتب اليوم اجلالا واحتراما لأحيي ذكرى شهدائنا الابرار الذين سقطوا دفاعا عن ما آمنا به وارتضيناه قدرا . انحني اليوم امام حقيقة لا يلغيها تاريخ ولا تحدها حدود ، فالذكرى مرآة الاجيال وحافز البقاء .
اخوتي رفاق الدرب الطويل ، رفاق السلاح الشرفاء تعجز الكلمات عن اعطاء اصحاب الحق حقهم وعن ايفاء من قدم اغلى ما اُعطيَ له في هذه الحياة الا وهي الحياة بعينها . آمنا بدرب الجلجلة والهجرة لنصبح مثلا في التضحية والصبر والعطاء ، آمنا بما نحب ونقدس ، آمنا بلبنان الوطن فأهديناه اجسادنا كفنا وارواحنا مشعل نور يهدي ابناءه في ظلمة الاقدار. اكتب هنا ، وتعود بي الذاكرة الى سبعمائة واثنين وسبعين شهيدا سقطوا دفاعا عن حلم كل لبناني شريف آمن بوطن الرسالة والحرية والكيان ، لقد كُتب علينا النضال ورُسمت لنا درب الآلام ما بين الحرب والهجرة والتهجير ليبقى لنا شرف الانتماء وفخر الاصول .
احبائي
علمتنا القيم اللبنانية  ان نحترم كلَّ نصب اينما كان ولأي كان ، فجاء جهلُ ابا جهلٍ وهدم ما بنيناه .
علمتنا قيَمَنا ان لا طائفة الا لبنان ولا مذهب الا لبنان ، فنرى اليوم لبنان المذاهب والطوائف والاحقاد .
علمتنا ان الشهادة شرف ، فاذ بنا نرى القتل شرفا .
لقد تعودنا على شقائق النعمان الاصيلة تنمو على سفوح جبالنا وسهولنا ، فكيف لنا ان نرضى بشقائق مستوردة ولأهداف مستعارة .
هكذا كان الجيش ومن اجل ذلك استشهد شبابنا وشاباتنا من اجل الارض والعرض والكرامة من اجل بناء دولة السلام والديمقراطية والحرية .
 لبنان ،  لو أخطأنا بحقك فنحن نعتذر منك ، ولو أخطأتَ بحقنا فإننا نعتذرُ عنك  ، فوا لله ما ادخرنا جهدا لنبقيك حرا ، كريما ، سليما ، معافى ، والله ما بخلنا بدماء لترويك ، ولا بدموع لأجلك ،ما تردّدنا يوما بإخلاصنا لك ، وصدق محبتا ووطنيتنا ، فهيهات منا ... من الذين يتشدقون بالوطنية ويحرقون العَلمَ والأرز والرمز ، ويدينون بالولاء لدين أو لحزب أو لمذهب ويدفنون الوطن تحت أقدام من ليس لهم أقدام في وطنهم ، فوا لله لم نرفع علما غير علمنا ولم ننشد نشيدا إلا النشيد الوطني ، ولم نقبل بمؤسسات إلا اللبنانية واللبنانية فقط ....
 اخوتي الاحباء
هكذا كان الجيش الجنوبي ، اقصر من حلم واكبر من حقيقة ، رسالة وعقد بين جميع الطوائف والمذاهب حضن الجميع من الشمال والجبل ومن البقاع ومن بيروت كلهم اتوا للانضمام الى رحلة الحرية والكرامة والسلام ، فكان الامل للعبور الى الديمقراطية الصحيحة ولكنه انتهى من اجل اثبات الديمقراطية في مكان وترسيخ العقائدية في مكان آخر ، وهكذا استمرت اللعبة وبقي الصراعُ المحرّكَ الوحيد لشعوبٍ لم تعرف السلام يوما ، واستشهد رفاقنا على امل هذا السلام .
 نحن الوحيدون الاوائل في هذا الشرق الذين آمنوا بالسلام هدفا وحسن الجوار طريقا ، فاندفعنا الى مصافحة يد جارنا الاسرائيلي وركوب حصان طروادة لنكون السباقين في قيادة سفينة الخلاص الى بر الامان ، فدفعنا ثمن حبنا للعيش الحر الكريم ، وامتزجت دماء المذاهب والطوائف لتخلق دينا جديدا تخطى المألوف في الانجيل والتوراة والقرآن ليصبح دين الحياة وما الحياة الا حق من صاحبها وما صاحبها الا الحق بعينه .
شكرا لك يا لبنان على كل شيء، وستبقى شرفنا، وكرامتنا، ومسقط رأسنا.
شكرا لكم أيها الجنوبيون لتحملكم  كل تلك الصعاب والمحن ، شكرا لكم على كل ما قدمتموه من تضحيات وصبر وجلد .
شكرا لكم جنود الجيش الجنوبي وضباطه ،على خدمتكم المتفانية في سبيل ما آمنتم به وتفتخرون فيه .
شكرا لكم شهداؤنا ، ويعجز الشكر عن إيفائكم حقكم ، لقد قدمتم أغلى ما عندكم ، فلا ندم على ذلك فسيأتي يوم تتضح فيه الحقائق لتحيوا من جديد في قلوب ومشاعر اللبنانيين جميعا ولتعودوا معززين مكرمين شهداء الوطن كل الوطن ، حتى يوم القيامة .
شكرا لكم جرحانا ومشوهي الحرب على كل ما بذلتموه وسعيتم من اجله.
شكرا لكم شهداء وجرحى ومعاقي الحرب من المدنيين في المنطقة من رجال ونساء وأطفال وها انتم تنضمون إلى قافلة الكرامة اللبنانية.
ان وصية شهدائنا باقية ومستمرة وهي الايمان بلبنان الحق والعدالة ، لبنان الواسع المتسع للجميع ، لبنان الشراكة والمساواة ، لبنان المنتصر الوحيد الشامخ فوق الجميع .
 اخوتي اللبنانيين
احكوا قصصكم لأطفالكم وأولادكم وللأجيال من بعدكم ولا تدعوا قصة الجنوب ولا ملحمة الجنوب تموت مع الزمن لأنكم كنتم على حق وما زلتم على هذا الحق وسيبقى مُلكا لكم ووصمة عار على دولتكم حتى يوم القيامة.
هذه هي رسالة الشهيد الجنوبي علموا اولادكم المحبة والسلام علموهم حب الوطن وحسن الجوار، علموهم الديمقراطية واحترام حقوق الغير ، علموهم التضامن والتواصل والتكاتف وقولوا لهم : لا تنسوا ابدا انكم من لبنان ، رحم الله شهداءنا واعاد عزة لبنان .

الجمعة، 15 يونيو 2012

ديمقراطية اسرائيل بين الولاء والانتماء

 
التقيت بأحد الاصدقاء في  مناسبة عامة ، وبادر فورا الى تهنئتي على بعض الكتابات ووضع الاصبع على الجرح كما يقولون ،ولكنه سرعان ما اشتكى قائلا : لماذا لا تكتب يا اخي عن السياسة الاسرائيلية ؟ اليس ما يوجد في هذه الدولة ما يستوجب الكتابة عنه ؟
اجبته : نعم يوجد الكثير لأكتب عنه ، ولكنني لا اجد سببا سياسيا للكتابة وبمعنى آخر لا توجد سياسة في اسرائيل بالمعنى الذي تعرفه ويعرفه العالم من حولنا .استغرب كلامي وقال : لا سياسة في اسرائيل ؟ ماذا يوجد اذا ؟ قلت يا صديقي في هذه الدولة توجد الاهداف على راس القائمة ولهذه الاهداف سياسة لتحقيقها ، على عكس دول الشرق الاوسط التي وضعت السياسة هدفا بحد ذاتها اي العمل السياسي من اجل السياسة .
قال لي : بالله عليك اتطلع الى قراءة ما لم يقرأه الآخرون في السياسة الاسرائيلية ووعدته بذلك في اقرب فرصة .
عزيزي القارئ
كتبتُ في مقالة سابقة عن الديمقراطية التوافقية في لبنان وما تتمتع به هذه الديمقراطية الفريدة من نوعها، ولكننا نجد ان في اسرائيل أيضا ديمقراطية توافقية ولكن من نوع آخر ، تحاول السلطات جاهدة ان تجعلها مرادفة للديمقراطية الحقيقية المتبعة لدى معظم الدول الاوروبية ، وهي " ديمقراطية الاقليات " وهذا يعني ان كل اقلية تتمتع بديمقراطية تناسب تطلعاتها الاجتماعية والسياسية والدينية ، ويمكنني القول ان هذه الديمقراطية تشبه الى حد بعيد الاستقلال الذاتي داخل الكيان الطائفي المصغر ، دون الخروج الى ملامسة خصوصيات الطوائف الاخرى او الاقليات الموالية للخط الاستراتيجي للدولة ( دروز- وبدو- وشركس ) او غير الموالية ( مسلمين ومسيحيين ) .
مما لا شك فيه ان وجود اسرائيل في منطقة تتحكم فيها انظمة ديكتاتورية وقومية وعقائدية (وقريبا ربما دينية )، جعل هذه الدولة ( اسرائيل )تتمسك بالديمقراطية بقوة وحزم رغم كل الصعوبات التي تواجهها ، من حروب مع العرب ومن تناقض بالمواقف الاستراتيجية والقومية في الداخل ومسألة الولاء للدولة او الولاء للقومية . بالرغم من كل هذا اثبتت اسرائيل ان ديمقراطيتها انتجت قوة عسكرية قوية جدا ، وبيئة اجتماعية وتربوية وثقافية واقتصادية ارضت كل الفرقاء رغم ابتعادهم عن كل اندماج حقيقي في المجتمع الاسرائيلي بشكل عام .
ان تمسك اسرائيل بالديمقراطية جاء لثلاثة اهداف رئيسية :
الاول : كسب التأييد والتعاطف من المجتمع الدولي الديمقراطي وخاصة الاميركي والاوروبي على ان هذه الديمقراطية هي الوحيدة والفعالة في الشرق الاوسط .
ثانيا :جعل اسرائيل علامة فارقة في الشرق الاوسط المليء بالأنظمة الديكتاتورية والوراثية .
ثالثا : كسب ثقة اليهود من جميع اقطار العالم وحثهم على القدوم والسكن في اسرائيل على اساس انها دولة ديمقراطية تصون الحريات والخصوصيات .
ازاء هذه الاهداف الثلاث كانت  سياسة الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة ولا تزال تنكب على تثبيت هذه الاهداف والعمل على دمج الجميع في خط واحد وهو الولاء الكامل للديمقراطية لا للدولة ، بحيث ان الولاء للدولة يتناقض مع مواقف العرب فيها ، مع العلم بان الولاء للديمقراطية لا يقل اهمية عن الولاء للدولة . لذلك فقد ميزت السلطات ما بين الولاء المطلق للديمقراطية  والولاء الجزئي للدولة ، فنتجت عنها ديمقراطية الاقليات التي تعطي كل ذي حق حقه مع الاحتفاظ بالحق العام للدولة وهو الحق الاستراتيجي لها .
عزيزي القارئ
في هذا الجو المزدحم بالهدوء وحرية التعبير نجد الصراع المرير بين اربعة فئات قسمت الحياة السياسية الاسرائيلية :
اولا : فئة الانتماء والولاء ، وتتمثل باليهود والدروز
ثانيا :فئة الولاء ،لا الانتماء وهي تتمثل بالبدو والشركس وببعض الاقليات الاثنية كالأحمدية والاقباط والبهائيين .
ثالثا: فئة الانتماء لا الولاء، وهي تتمثل بالعرب ( مسيحيين ومسلمين )
رابعا : فئة لا ولاء ولا انتماء ، وهي مزيج من الطوائف كافة في الدولة يهودا وعربا وهي اقلية لا تعترف بالدولة لا كيانا ولا شرعية ، مستفيدة من حرية التعبير وحماية القانون  وديمقراطية الاقليات .
اذا هذه الفئات الاربعة تعيش وتمارس حقوقها تحت سقف القانون الذي تغطيه الديمقراطية وترعاه وتحفظه . لا شك ان الديمقراطية الاسرائيلية قد اثبتت مرة اخرى ان الملعب يتسع للجميع والكل مدعو الى ممارسة حقه وواجبه في لعبة تنصف وتراعي لاعبيها .
اخي القارئ
بنظرة سريعة حول السياسة الاسرائيلية والمواقف الرسمية نجد ان مواقف الحكومات المتعاقبة كلها جاءت كردة فعل على مواقف الدول الاخرى ، اي ان اسرائيل لم تضع خطا سياسيا واضحا بتعاطيها مع الازمة الرئيسية وهي ازمة البقاء والاستمرار وسط التهديد لها بالزوال تارة وبالتحجيم تارة اخرى ، بل كانت ولا تزال تتعاطى مع كل معطى وكل مستجد ضمن الخطوط الخاصة لهذا الناتج او الموقف . نعم لقد نجحت منذ مؤتمر مدريد بالفصل ما بين التضامن العربي بالانفراد مع كل طرف حسب الخصوصية والضرورة والنتيجة ،وقد نجحت بذلك وخرجت باتفاقية سلام مع مصر والاردن وبمواقف اخرى غير معلنة من الهدوء وعدم الاعتداء مع سائر الاقطار العربية وخاصة الخليجية منها .
رغم بعض العيوب في النهج الديمقراطي الاسرائيلي ، ورغم بعض الخروقات العامة للديمقراطية بالقوانين والقرارات البرلمانية ، حبذا لو تعلم العرب من هذه الظاهرة ولو قليلا بإدخال بعض فتات الديمقراطية الى مائدة الانظمة العربية ، حبذا وبعد هذا الربيع العربي ان نرى قادة عربا يمتصون رحيق الديمقراطية ولا يهم من اية زهرة او حديقة ، علّهم يخرجون عسلا ولو مرّا يفي بعض شروط الحياة الكريمة للجماهير المتعطشة للحرية والكرامة .
اخي القارئ
ان الدول التي تسهر على نفسها وتحافظ على كيانها هي الدول التي تمارس سياسة الاهداف الواضحة ، وبتكتيك دقيق للوصول الى الهدف الاستراتيجي المنشود .فاذا كان الهدف عسكريا ، ستمارس سياسة تقوية الجيش وكافة الاجهزة الامنية ، واذا كان الهدف اقتصاديا ستكون حتما سياسة اقتصادية وهكذا تخضع السياسة لشروط الهدف ، في حين ان معظم الدول العربية تضع السياسة هدفا لها واللعبة السياسية هي لعبة الاحتفاظ بالمناصب والامتيازات .
لا اقول ان لا عيبا في سياسة اسرائيل ولا اقول انها الديمقراطية الكاملة ولكنها تبقى رغم كل شيء افضل من انظمة مهترئة ومن سياسات كاذبة وهدامة لا ولاء فيها ولا انتماء الا للحاكم فقط .

الأربعاء، 30 مايو 2012

تحرير ام بداية التعثير

                       
ما اتعس الناس التي تدّعي ما ليست عليه ، وما اسعد الناس التي ترضى بما هي عليه ، فما بين الادعاء والرضى تكمن جوهرة النفس ونقاء الروح وحسن السريرة . ان القناعة كنز كما يقال ولكن القلة القليلة التي تعرف اين يكمن سر هذا الكنز فعلا . ان الكنز الحقيقي عند الشعوب هو في وحدتها وصون ارضها ومجتمعها وحماية افرادها ، وبالتالي يكمن كنز الارض بشعبها وبساكنها ولا قيمة لأرض خالية من الحياة ولا قيمة لشعب خال من الولاء . اننا وعلّنا نهتدي ، وعلّنا نقتنع ، ونصغي ونفهم باننا ابناء الوطن الذي سيصبح شبه وطن اذا شح فينا الولاء لهذا الوطن.
نفض ابو علي عنه غبار السنين ، ومسح ذاكرة الايام علّه يرى بوضوح تلك الاوقات التي كان للإنسان فيها قيمة واحتراما ووجودا . تدحرجت دمعة مثقلة بالصبر والايمان بين تجاعيد عبث بها التعب ولونها القهر وقال :سقى الله ايام زمان عندما كان للمرء رأيا وللمشورة صاحبا ، وكانت الكلمة اقوى من السيف والخاطر اقوى من الكثرة ، سقى الله يا بني ايام كان العز والفخر لحملة الاقلام واحرف الطباشير، وتابع قائلا :
اسمع يا بني ، نحن الجنوبيون تعودنا على التضحيات ودفع الاثمان وسداد ديون الوطن منذ فجر الاستقلال . نحن الجنوبيون لطالما كنا الحلقة الدائمة والجاهزة لربط اواصر الالفة والمحبة ، حلقة امتداد التواصل والتلاقي والتعاون ، نحن الجنوبيون لطالما كنا السباقين الى صون الارض والعرض والكرامة ، ندفع للكل عن الكل ودائما بغنى عن الكل .
شدني حديث الحاج ابو علي وشعرت بأن رباطا قويا جذبني الى ذلك الكهل المليء بالعبر والحكم ، واردت في قرارة نفسي ان يفرغ ما يحتويه ذلك الكنز من الذاكرة علّنا نستطيع ان نُخرج منه طريقا صحيحا لنا ولأولادنا من بعدنا ، هذا التاريخ المليء بالتجربة بل بالتجارب علّه يهدي من يفتش عن تجربة .
يا بني ،،لقد ضقنا ذرعا بالذين يحاولون ان يصوروننا وكأننا الفئة غير المكتملة عقلا وتفكيرا واجتماعا . لقد عفنا الناس الذين يحاولون اجبارنا على التصديق  بأننا ما زلنا اطفال الغابة الاولين الذين يتكلمون ولا يفهمون ، يأكلون ولا يشبعون ، يتعلمون ولا يفقهون .
ناولت الحاج لفافة تبغ بعد جهد جهيد في تحضيرها حسب التقليد " العربي " وقلت له : يا حاج ،،لماذا هذا التشاؤم ؟ الحمد لله انت في ارضك وفي قريتك وبقربك اولادك واحفادك ، ما الذي يزعجك ولا يرضيك ؟
قال : لقد قيل ان الولد هو اغلى ما في الدنيا ، وقيل ايضا ان ما اغلى من الولد الا ولد الولد ، ولكن يا بني ان اغلى من كل هذا هو الوطن ،فما نفع الاولاد اذا كانوا من دون وطن ، وما نفع الاحفاد اذا فقدوا الولاء والانتماء ، صحيح انني في قريتي وبين اولادي ولكنني غريب وما اصعب غربة الداخل يا بني ،،،
رفع راسه قليلا وتابع :منذ الاستقلال ونحن غرباء في الجنوب لا نمت بصلة الى الوطن ولا الى شركائنا في بقية المناطق ، ولا نمت بصلة الى الدولة ولا هي بالمثل ايضا وبالتالي اصبحنا مواطنين مع وقف التنفيذ ، ثم جاء الفلسطينيون وشرّعوا عملهم المسلح ضدنا وضد اسرائيل حسب اتفاق القاهرة عام 1969  واصبحنا اكثر واكثر اسرى المزاج الفلسطيني واللبناني الثوري الثائر المنتفض ، وبتنا ورقة لعب سياسية ومذهبية اكثر منها وطنية وقومية لبنانية .انتهت منظمة التحرير وجاءت اسرائيل، نعم يا بني لقد استقبلناها بالأرز والورد على امل انقاذنا مما نحن فيه طمعا بالأمن والامان والهدوء وربما طمعا بقليل من الديمقراطية الحقيقية وبعض من حقوق الانسان . فوجئنا بان مصالح الدول اهم بكثير من وجود الامم والمجتمعات وهكذا هُجّرنا من جديد وبيعت نفوسنا في سوق الولاء الرخيص واُضطهدنا تارة من الخارج المحتل  وتارة من الداخل المعتل ، وانتهى بنا المطاف في عام 2000  حين انسحبت اسرائيل وازيح عنا ذلك الكابوس والحمد لله يا بني لقد اراحنا الله من كوابيس عديدة وها نحن تحت كابوس جديد غير كل الذي سبقه ، انه كابوس الكيد والنار كابوس الظلم والعبودية باسم الدين وباسم الوكالة الالهية ، كابوس يا بني لا تستطيع رفضه لأنك ان فعلت فبذلك ترفض الوصاية الالهية ، والبعثة المقدسة ، وان حصل وتصديت له اصبحت عميلا وجاسوسا وكافرا وناكرا للدين والمذهب والجماعة . هل اتضحت لك الصورة الآن يا بني ؟ وهل فهمت لماذا الشكوى مما نحن فيه ؟
لقد ظننا ان زوال الاحتلال سيفتح لنا صفحة جديدة مشرقة في حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وفي كافة المجالات ، ولكن فوجئنا باننا اصبحنا تحت احتلال آخر داخلي ، وهذا اصعب بكثير من احتلال اسرائيل او سوريا او منظمة التحرير الفلسطينية ، انه احتلال داخل البيت اللبناني نفسه احتلال الاخ لأخيه والاب لابنه ، سيطرة حارة على اخرى وبالتالي فئة على اخرى وهكذا تأتي غلبة طائفة وسيطرة مذهب وهذا ما نعانيه اليوم في لبنان . يقولون انه انقسام وانا اقول انه احتلال ، فالانقسام يحصل سياسيا وحزبيا وعقائديا وهو مسموح بين الفرقاء والشركاء ولكن بنفس الشروط والمعايير والمعطيات . لن يكون انقساما اذا وجد السلاح في يد واحدة ولن يكون سباقا للإصلاح السياسي والاجتماعي اذا كان السلاح نقطة الارتكاز ، انه الاحتلال بعينه فالقوي يحتل الضعيف ويسطر على خياراته كافة ، ولا دورا لمن يجري وراء الديمقراطية والحرية وبناء المؤسسات الحديثة العصرية ، في حين ان الذي يقبع وراء السلاح يشدنا كلنا بقوة هذا السلاح الى اتجاه واحد والى طريق واحدة رسمها هو وخطّ مفاصلها ومحطاتها دون الرجوع الى احد . انه واقعنا الحالي في هذا البلد وتراني اشكو واشكو واقول سقى الله الماضي حين كنا نشعر فعلا بالكرامة والفخر والولاء الوطني  .
اخي القارئ
اثنا عشرة عاما مضت على الانسحاب الاسرائيلي وكما يدعون في لبنان "العيد الثاني عشر للتحرير " حسب قاموس من يؤمن ويعتقد بانه فعلا حرر لبنان . سنوات مرت وانا اسأل اللبناني وخاصة الجنوبي هل هو حقا تحرير ؟ وهل انت ايها المواطن الجنوبي سيد نفسك ؟ وهل انت حرا مستقلا تستطيع عمل وقول ما تريد حسب ما يضمن لك القانون والحق العام ؟ام انك انتقلت من احتلال الى آخر والشكوى لغير الله مذلة ؟
ان احداث ما بعد عام 2000 ، بدءا بالمحاكمات غير العادلة وغير المنطقية مرورا بحرب العام 2006 وصولا الى "القمصان السود" واتفاق الدوحة ، كل ذلك كرّس احتلالا لا لبس فيه ، احتلالا مذهبيا وطائفيا وكل من يدعي غير ذلك فهو منافق وكاذب ومخادع ، وبكل اسف وصلنا الى ما وصلنا اليه ويأتي احدهم من خلف وهْمٍ وسراب ويقول انه " عيد التحرير " . اضف الى ذلك بأن كل لبناني يعلم بقرارة نفسه بأن تحرير لبنان يبدأ من الداخل ، من البيت من العائلة وبالتالي من الطائفة ، عندئذ لا خوف علينا من الخارج ابدا .
اخي اللبناني
انت يا حامل السلاح بالذات ، اقول لك من بعد تجربة مريرة وبكل مسؤولية : لقد حملت السلاح مرغما ومكرها ، والله لقد اطلقت الطلقة الاولى دفاعا عن النفس اولا وعن الوطن ثانيا ، لا انكر عظمة السلاح وتأثيره على الشباب ولكنه سرعان ما يتحول الى عبء يصعب حمله والى عادة سيئة يصعب التخلص منها ، نعم لقد كان اتعس يوم في حياتي ذاك اليوم الذي رفعت السلاح فيه بوجه اخي اللبناني وشريكي في الوطن ، وان اسعد يوم اتذكره هو اليوم الذي القيت بهذا السلاح جانبا وبغض النظر عن النتيجة .
صدقا اقول لك ، لا حلا مع السلاح ولا حلا من السلاح ، ولا انتصارا مع الهيمنة والكل خاسر ، فلا تجربوا ما جربناه سابقا ولا تعيدوا الكرة فالوطن لا يحتمل اكثر، حرروا انفسكم من قيود انتم وضعتموها ، حرروا انفسكم من التبعية ، من الولاء الاعمى ، من سياسات القرون الوسطى ، من العبث بالمصير، وانطلقوا نحو المستقبل بخطى ثابتة من الحرية والكرامة والاحترام المتبادل ولا ضير بالقليل من الديمقراطية ، هذا هو العيد الحقيقي وهذا هو التحرير المنشود .