السبت، 30 يونيو 2012

خالدون

الاول من تموز ، يوم وقف فيه الزمن ليلقي القدر كلمته ، ويذكّر من عنده الذاكرة لا تعي تاريخا ولا حدثا .
الاول من تموز، عيد تأسيس الكتيبة الثلاثون في الجيش الجنوبي عام 1983 ،والتي كان لي الفخر بان اكون احد جنودها الاوائل . وكان القرار بان يكون الاول من تموز من كل عام هو يوم الشهيد الجنوبي بعد افتتاح النصب التذكاري لشهداء الجيش الجنوبي على تلة 608 قرب مقر اللواء الشرقي في السابع من نيسان عام 2000 ، على ان تصدر مذكرة خدمة رسمية بذلك ولكنها لم تصدر لأسباب تقنية وبالتالي اخّر سفر قائد الجيش صدورها وانتهت بانسحاب الجيش الاسرائيلي وحل الجيش الجنوبي ، مع العلم بان الافتتاح تم قبل الموعد المتفق عليه بسبب نية اللواء لحد المغادرة الى الخارج .والجدير بالذكر ان الاحتفال الاول كان قد اقيم في بلدة القليعة في الاول من تموز عام 1994 واقتصرت بعدها الاحتفالات ضمن الافواج والقطع بناء على طلبها. ولذلك فأنّ الاول من تموز هو " يوم الشهيد الجنوبي " الذي لم يتسنى لنا الاحتفال فيه ثانية ، ولكنه سيبقى  يوم الشهيد الجنوبي الى الابد .
اعزائي
اي حياة اكثر فخرا من تلك التي يعيشها الانسان وسط اسماء عبرت التاريخ لتصنع تاريخا ، وها نحن اليوم نعيش هذا الفخرَ والاعتزاز بهؤلاء الذين رسموا لنا بدمائهم اسُس البقاء والاستمرار .
اكتب اليوم اجلالا واحتراما لأحيي ذكرى شهدائنا الابرار الذين سقطوا دفاعا عن ما آمنا به وارتضيناه قدرا . انحني اليوم امام حقيقة لا يلغيها تاريخ ولا تحدها حدود ، فالذكرى مرآة الاجيال وحافز البقاء .
اخوتي رفاق الدرب الطويل ، رفاق السلاح الشرفاء تعجز الكلمات عن اعطاء اصحاب الحق حقهم وعن ايفاء من قدم اغلى ما اُعطيَ له في هذه الحياة الا وهي الحياة بعينها . آمنا بدرب الجلجلة والهجرة لنصبح مثلا في التضحية والصبر والعطاء ، آمنا بما نحب ونقدس ، آمنا بلبنان الوطن فأهديناه اجسادنا كفنا وارواحنا مشعل نور يهدي ابناءه في ظلمة الاقدار. اكتب هنا ، وتعود بي الذاكرة الى سبعمائة واثنين وسبعين شهيدا سقطوا دفاعا عن حلم كل لبناني شريف آمن بوطن الرسالة والحرية والكيان ، لقد كُتب علينا النضال ورُسمت لنا درب الآلام ما بين الحرب والهجرة والتهجير ليبقى لنا شرف الانتماء وفخر الاصول .
احبائي
علمتنا القيم اللبنانية  ان نحترم كلَّ نصب اينما كان ولأي كان ، فجاء جهلُ ابا جهلٍ وهدم ما بنيناه .
علمتنا قيَمَنا ان لا طائفة الا لبنان ولا مذهب الا لبنان ، فنرى اليوم لبنان المذاهب والطوائف والاحقاد .
علمتنا ان الشهادة شرف ، فاذ بنا نرى القتل شرفا .
لقد تعودنا على شقائق النعمان الاصيلة تنمو على سفوح جبالنا وسهولنا ، فكيف لنا ان نرضى بشقائق مستوردة ولأهداف مستعارة .
هكذا كان الجيش ومن اجل ذلك استشهد شبابنا وشاباتنا من اجل الارض والعرض والكرامة من اجل بناء دولة السلام والديمقراطية والحرية .
 لبنان ،  لو أخطأنا بحقك فنحن نعتذر منك ، ولو أخطأتَ بحقنا فإننا نعتذرُ عنك  ، فوا لله ما ادخرنا جهدا لنبقيك حرا ، كريما ، سليما ، معافى ، والله ما بخلنا بدماء لترويك ، ولا بدموع لأجلك ،ما تردّدنا يوما بإخلاصنا لك ، وصدق محبتا ووطنيتنا ، فهيهات منا ... من الذين يتشدقون بالوطنية ويحرقون العَلمَ والأرز والرمز ، ويدينون بالولاء لدين أو لحزب أو لمذهب ويدفنون الوطن تحت أقدام من ليس لهم أقدام في وطنهم ، فوا لله لم نرفع علما غير علمنا ولم ننشد نشيدا إلا النشيد الوطني ، ولم نقبل بمؤسسات إلا اللبنانية واللبنانية فقط ....
 اخوتي الاحباء
هكذا كان الجيش الجنوبي ، اقصر من حلم واكبر من حقيقة ، رسالة وعقد بين جميع الطوائف والمذاهب حضن الجميع من الشمال والجبل ومن البقاع ومن بيروت كلهم اتوا للانضمام الى رحلة الحرية والكرامة والسلام ، فكان الامل للعبور الى الديمقراطية الصحيحة ولكنه انتهى من اجل اثبات الديمقراطية في مكان وترسيخ العقائدية في مكان آخر ، وهكذا استمرت اللعبة وبقي الصراعُ المحرّكَ الوحيد لشعوبٍ لم تعرف السلام يوما ، واستشهد رفاقنا على امل هذا السلام .
 نحن الوحيدون الاوائل في هذا الشرق الذين آمنوا بالسلام هدفا وحسن الجوار طريقا ، فاندفعنا الى مصافحة يد جارنا الاسرائيلي وركوب حصان طروادة لنكون السباقين في قيادة سفينة الخلاص الى بر الامان ، فدفعنا ثمن حبنا للعيش الحر الكريم ، وامتزجت دماء المذاهب والطوائف لتخلق دينا جديدا تخطى المألوف في الانجيل والتوراة والقرآن ليصبح دين الحياة وما الحياة الا حق من صاحبها وما صاحبها الا الحق بعينه .
شكرا لك يا لبنان على كل شيء، وستبقى شرفنا، وكرامتنا، ومسقط رأسنا.
شكرا لكم أيها الجنوبيون لتحملكم  كل تلك الصعاب والمحن ، شكرا لكم على كل ما قدمتموه من تضحيات وصبر وجلد .
شكرا لكم جنود الجيش الجنوبي وضباطه ،على خدمتكم المتفانية في سبيل ما آمنتم به وتفتخرون فيه .
شكرا لكم شهداؤنا ، ويعجز الشكر عن إيفائكم حقكم ، لقد قدمتم أغلى ما عندكم ، فلا ندم على ذلك فسيأتي يوم تتضح فيه الحقائق لتحيوا من جديد في قلوب ومشاعر اللبنانيين جميعا ولتعودوا معززين مكرمين شهداء الوطن كل الوطن ، حتى يوم القيامة .
شكرا لكم جرحانا ومشوهي الحرب على كل ما بذلتموه وسعيتم من اجله.
شكرا لكم شهداء وجرحى ومعاقي الحرب من المدنيين في المنطقة من رجال ونساء وأطفال وها انتم تنضمون إلى قافلة الكرامة اللبنانية.
ان وصية شهدائنا باقية ومستمرة وهي الايمان بلبنان الحق والعدالة ، لبنان الواسع المتسع للجميع ، لبنان الشراكة والمساواة ، لبنان المنتصر الوحيد الشامخ فوق الجميع .
 اخوتي اللبنانيين
احكوا قصصكم لأطفالكم وأولادكم وللأجيال من بعدكم ولا تدعوا قصة الجنوب ولا ملحمة الجنوب تموت مع الزمن لأنكم كنتم على حق وما زلتم على هذا الحق وسيبقى مُلكا لكم ووصمة عار على دولتكم حتى يوم القيامة.
هذه هي رسالة الشهيد الجنوبي علموا اولادكم المحبة والسلام علموهم حب الوطن وحسن الجوار، علموهم الديمقراطية واحترام حقوق الغير ، علموهم التضامن والتواصل والتكاتف وقولوا لهم : لا تنسوا ابدا انكم من لبنان ، رحم الله شهداءنا واعاد عزة لبنان .

الجمعة، 15 يونيو 2012

ديمقراطية اسرائيل بين الولاء والانتماء

 
التقيت بأحد الاصدقاء في  مناسبة عامة ، وبادر فورا الى تهنئتي على بعض الكتابات ووضع الاصبع على الجرح كما يقولون ،ولكنه سرعان ما اشتكى قائلا : لماذا لا تكتب يا اخي عن السياسة الاسرائيلية ؟ اليس ما يوجد في هذه الدولة ما يستوجب الكتابة عنه ؟
اجبته : نعم يوجد الكثير لأكتب عنه ، ولكنني لا اجد سببا سياسيا للكتابة وبمعنى آخر لا توجد سياسة في اسرائيل بالمعنى الذي تعرفه ويعرفه العالم من حولنا .استغرب كلامي وقال : لا سياسة في اسرائيل ؟ ماذا يوجد اذا ؟ قلت يا صديقي في هذه الدولة توجد الاهداف على راس القائمة ولهذه الاهداف سياسة لتحقيقها ، على عكس دول الشرق الاوسط التي وضعت السياسة هدفا بحد ذاتها اي العمل السياسي من اجل السياسة .
قال لي : بالله عليك اتطلع الى قراءة ما لم يقرأه الآخرون في السياسة الاسرائيلية ووعدته بذلك في اقرب فرصة .
عزيزي القارئ
كتبتُ في مقالة سابقة عن الديمقراطية التوافقية في لبنان وما تتمتع به هذه الديمقراطية الفريدة من نوعها، ولكننا نجد ان في اسرائيل أيضا ديمقراطية توافقية ولكن من نوع آخر ، تحاول السلطات جاهدة ان تجعلها مرادفة للديمقراطية الحقيقية المتبعة لدى معظم الدول الاوروبية ، وهي " ديمقراطية الاقليات " وهذا يعني ان كل اقلية تتمتع بديمقراطية تناسب تطلعاتها الاجتماعية والسياسية والدينية ، ويمكنني القول ان هذه الديمقراطية تشبه الى حد بعيد الاستقلال الذاتي داخل الكيان الطائفي المصغر ، دون الخروج الى ملامسة خصوصيات الطوائف الاخرى او الاقليات الموالية للخط الاستراتيجي للدولة ( دروز- وبدو- وشركس ) او غير الموالية ( مسلمين ومسيحيين ) .
مما لا شك فيه ان وجود اسرائيل في منطقة تتحكم فيها انظمة ديكتاتورية وقومية وعقائدية (وقريبا ربما دينية )، جعل هذه الدولة ( اسرائيل )تتمسك بالديمقراطية بقوة وحزم رغم كل الصعوبات التي تواجهها ، من حروب مع العرب ومن تناقض بالمواقف الاستراتيجية والقومية في الداخل ومسألة الولاء للدولة او الولاء للقومية . بالرغم من كل هذا اثبتت اسرائيل ان ديمقراطيتها انتجت قوة عسكرية قوية جدا ، وبيئة اجتماعية وتربوية وثقافية واقتصادية ارضت كل الفرقاء رغم ابتعادهم عن كل اندماج حقيقي في المجتمع الاسرائيلي بشكل عام .
ان تمسك اسرائيل بالديمقراطية جاء لثلاثة اهداف رئيسية :
الاول : كسب التأييد والتعاطف من المجتمع الدولي الديمقراطي وخاصة الاميركي والاوروبي على ان هذه الديمقراطية هي الوحيدة والفعالة في الشرق الاوسط .
ثانيا :جعل اسرائيل علامة فارقة في الشرق الاوسط المليء بالأنظمة الديكتاتورية والوراثية .
ثالثا : كسب ثقة اليهود من جميع اقطار العالم وحثهم على القدوم والسكن في اسرائيل على اساس انها دولة ديمقراطية تصون الحريات والخصوصيات .
ازاء هذه الاهداف الثلاث كانت  سياسة الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة ولا تزال تنكب على تثبيت هذه الاهداف والعمل على دمج الجميع في خط واحد وهو الولاء الكامل للديمقراطية لا للدولة ، بحيث ان الولاء للدولة يتناقض مع مواقف العرب فيها ، مع العلم بان الولاء للديمقراطية لا يقل اهمية عن الولاء للدولة . لذلك فقد ميزت السلطات ما بين الولاء المطلق للديمقراطية  والولاء الجزئي للدولة ، فنتجت عنها ديمقراطية الاقليات التي تعطي كل ذي حق حقه مع الاحتفاظ بالحق العام للدولة وهو الحق الاستراتيجي لها .
عزيزي القارئ
في هذا الجو المزدحم بالهدوء وحرية التعبير نجد الصراع المرير بين اربعة فئات قسمت الحياة السياسية الاسرائيلية :
اولا : فئة الانتماء والولاء ، وتتمثل باليهود والدروز
ثانيا :فئة الولاء ،لا الانتماء وهي تتمثل بالبدو والشركس وببعض الاقليات الاثنية كالأحمدية والاقباط والبهائيين .
ثالثا: فئة الانتماء لا الولاء، وهي تتمثل بالعرب ( مسيحيين ومسلمين )
رابعا : فئة لا ولاء ولا انتماء ، وهي مزيج من الطوائف كافة في الدولة يهودا وعربا وهي اقلية لا تعترف بالدولة لا كيانا ولا شرعية ، مستفيدة من حرية التعبير وحماية القانون  وديمقراطية الاقليات .
اذا هذه الفئات الاربعة تعيش وتمارس حقوقها تحت سقف القانون الذي تغطيه الديمقراطية وترعاه وتحفظه . لا شك ان الديمقراطية الاسرائيلية قد اثبتت مرة اخرى ان الملعب يتسع للجميع والكل مدعو الى ممارسة حقه وواجبه في لعبة تنصف وتراعي لاعبيها .
اخي القارئ
بنظرة سريعة حول السياسة الاسرائيلية والمواقف الرسمية نجد ان مواقف الحكومات المتعاقبة كلها جاءت كردة فعل على مواقف الدول الاخرى ، اي ان اسرائيل لم تضع خطا سياسيا واضحا بتعاطيها مع الازمة الرئيسية وهي ازمة البقاء والاستمرار وسط التهديد لها بالزوال تارة وبالتحجيم تارة اخرى ، بل كانت ولا تزال تتعاطى مع كل معطى وكل مستجد ضمن الخطوط الخاصة لهذا الناتج او الموقف . نعم لقد نجحت منذ مؤتمر مدريد بالفصل ما بين التضامن العربي بالانفراد مع كل طرف حسب الخصوصية والضرورة والنتيجة ،وقد نجحت بذلك وخرجت باتفاقية سلام مع مصر والاردن وبمواقف اخرى غير معلنة من الهدوء وعدم الاعتداء مع سائر الاقطار العربية وخاصة الخليجية منها .
رغم بعض العيوب في النهج الديمقراطي الاسرائيلي ، ورغم بعض الخروقات العامة للديمقراطية بالقوانين والقرارات البرلمانية ، حبذا لو تعلم العرب من هذه الظاهرة ولو قليلا بإدخال بعض فتات الديمقراطية الى مائدة الانظمة العربية ، حبذا وبعد هذا الربيع العربي ان نرى قادة عربا يمتصون رحيق الديمقراطية ولا يهم من اية زهرة او حديقة ، علّهم يخرجون عسلا ولو مرّا يفي بعض شروط الحياة الكريمة للجماهير المتعطشة للحرية والكرامة .
اخي القارئ
ان الدول التي تسهر على نفسها وتحافظ على كيانها هي الدول التي تمارس سياسة الاهداف الواضحة ، وبتكتيك دقيق للوصول الى الهدف الاستراتيجي المنشود .فاذا كان الهدف عسكريا ، ستمارس سياسة تقوية الجيش وكافة الاجهزة الامنية ، واذا كان الهدف اقتصاديا ستكون حتما سياسة اقتصادية وهكذا تخضع السياسة لشروط الهدف ، في حين ان معظم الدول العربية تضع السياسة هدفا لها واللعبة السياسية هي لعبة الاحتفاظ بالمناصب والامتيازات .
لا اقول ان لا عيبا في سياسة اسرائيل ولا اقول انها الديمقراطية الكاملة ولكنها تبقى رغم كل شيء افضل من انظمة مهترئة ومن سياسات كاذبة وهدامة لا ولاء فيها ولا انتماء الا للحاكم فقط .

الأربعاء، 30 مايو 2012

تحرير ام بداية التعثير

                       
ما اتعس الناس التي تدّعي ما ليست عليه ، وما اسعد الناس التي ترضى بما هي عليه ، فما بين الادعاء والرضى تكمن جوهرة النفس ونقاء الروح وحسن السريرة . ان القناعة كنز كما يقال ولكن القلة القليلة التي تعرف اين يكمن سر هذا الكنز فعلا . ان الكنز الحقيقي عند الشعوب هو في وحدتها وصون ارضها ومجتمعها وحماية افرادها ، وبالتالي يكمن كنز الارض بشعبها وبساكنها ولا قيمة لأرض خالية من الحياة ولا قيمة لشعب خال من الولاء . اننا وعلّنا نهتدي ، وعلّنا نقتنع ، ونصغي ونفهم باننا ابناء الوطن الذي سيصبح شبه وطن اذا شح فينا الولاء لهذا الوطن.
نفض ابو علي عنه غبار السنين ، ومسح ذاكرة الايام علّه يرى بوضوح تلك الاوقات التي كان للإنسان فيها قيمة واحتراما ووجودا . تدحرجت دمعة مثقلة بالصبر والايمان بين تجاعيد عبث بها التعب ولونها القهر وقال :سقى الله ايام زمان عندما كان للمرء رأيا وللمشورة صاحبا ، وكانت الكلمة اقوى من السيف والخاطر اقوى من الكثرة ، سقى الله يا بني ايام كان العز والفخر لحملة الاقلام واحرف الطباشير، وتابع قائلا :
اسمع يا بني ، نحن الجنوبيون تعودنا على التضحيات ودفع الاثمان وسداد ديون الوطن منذ فجر الاستقلال . نحن الجنوبيون لطالما كنا الحلقة الدائمة والجاهزة لربط اواصر الالفة والمحبة ، حلقة امتداد التواصل والتلاقي والتعاون ، نحن الجنوبيون لطالما كنا السباقين الى صون الارض والعرض والكرامة ، ندفع للكل عن الكل ودائما بغنى عن الكل .
شدني حديث الحاج ابو علي وشعرت بأن رباطا قويا جذبني الى ذلك الكهل المليء بالعبر والحكم ، واردت في قرارة نفسي ان يفرغ ما يحتويه ذلك الكنز من الذاكرة علّنا نستطيع ان نُخرج منه طريقا صحيحا لنا ولأولادنا من بعدنا ، هذا التاريخ المليء بالتجربة بل بالتجارب علّه يهدي من يفتش عن تجربة .
يا بني ،،لقد ضقنا ذرعا بالذين يحاولون ان يصوروننا وكأننا الفئة غير المكتملة عقلا وتفكيرا واجتماعا . لقد عفنا الناس الذين يحاولون اجبارنا على التصديق  بأننا ما زلنا اطفال الغابة الاولين الذين يتكلمون ولا يفهمون ، يأكلون ولا يشبعون ، يتعلمون ولا يفقهون .
ناولت الحاج لفافة تبغ بعد جهد جهيد في تحضيرها حسب التقليد " العربي " وقلت له : يا حاج ،،لماذا هذا التشاؤم ؟ الحمد لله انت في ارضك وفي قريتك وبقربك اولادك واحفادك ، ما الذي يزعجك ولا يرضيك ؟
قال : لقد قيل ان الولد هو اغلى ما في الدنيا ، وقيل ايضا ان ما اغلى من الولد الا ولد الولد ، ولكن يا بني ان اغلى من كل هذا هو الوطن ،فما نفع الاولاد اذا كانوا من دون وطن ، وما نفع الاحفاد اذا فقدوا الولاء والانتماء ، صحيح انني في قريتي وبين اولادي ولكنني غريب وما اصعب غربة الداخل يا بني ،،،
رفع راسه قليلا وتابع :منذ الاستقلال ونحن غرباء في الجنوب لا نمت بصلة الى الوطن ولا الى شركائنا في بقية المناطق ، ولا نمت بصلة الى الدولة ولا هي بالمثل ايضا وبالتالي اصبحنا مواطنين مع وقف التنفيذ ، ثم جاء الفلسطينيون وشرّعوا عملهم المسلح ضدنا وضد اسرائيل حسب اتفاق القاهرة عام 1969  واصبحنا اكثر واكثر اسرى المزاج الفلسطيني واللبناني الثوري الثائر المنتفض ، وبتنا ورقة لعب سياسية ومذهبية اكثر منها وطنية وقومية لبنانية .انتهت منظمة التحرير وجاءت اسرائيل، نعم يا بني لقد استقبلناها بالأرز والورد على امل انقاذنا مما نحن فيه طمعا بالأمن والامان والهدوء وربما طمعا بقليل من الديمقراطية الحقيقية وبعض من حقوق الانسان . فوجئنا بان مصالح الدول اهم بكثير من وجود الامم والمجتمعات وهكذا هُجّرنا من جديد وبيعت نفوسنا في سوق الولاء الرخيص واُضطهدنا تارة من الخارج المحتل  وتارة من الداخل المعتل ، وانتهى بنا المطاف في عام 2000  حين انسحبت اسرائيل وازيح عنا ذلك الكابوس والحمد لله يا بني لقد اراحنا الله من كوابيس عديدة وها نحن تحت كابوس جديد غير كل الذي سبقه ، انه كابوس الكيد والنار كابوس الظلم والعبودية باسم الدين وباسم الوكالة الالهية ، كابوس يا بني لا تستطيع رفضه لأنك ان فعلت فبذلك ترفض الوصاية الالهية ، والبعثة المقدسة ، وان حصل وتصديت له اصبحت عميلا وجاسوسا وكافرا وناكرا للدين والمذهب والجماعة . هل اتضحت لك الصورة الآن يا بني ؟ وهل فهمت لماذا الشكوى مما نحن فيه ؟
لقد ظننا ان زوال الاحتلال سيفتح لنا صفحة جديدة مشرقة في حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وفي كافة المجالات ، ولكن فوجئنا باننا اصبحنا تحت احتلال آخر داخلي ، وهذا اصعب بكثير من احتلال اسرائيل او سوريا او منظمة التحرير الفلسطينية ، انه احتلال داخل البيت اللبناني نفسه احتلال الاخ لأخيه والاب لابنه ، سيطرة حارة على اخرى وبالتالي فئة على اخرى وهكذا تأتي غلبة طائفة وسيطرة مذهب وهذا ما نعانيه اليوم في لبنان . يقولون انه انقسام وانا اقول انه احتلال ، فالانقسام يحصل سياسيا وحزبيا وعقائديا وهو مسموح بين الفرقاء والشركاء ولكن بنفس الشروط والمعايير والمعطيات . لن يكون انقساما اذا وجد السلاح في يد واحدة ولن يكون سباقا للإصلاح السياسي والاجتماعي اذا كان السلاح نقطة الارتكاز ، انه الاحتلال بعينه فالقوي يحتل الضعيف ويسطر على خياراته كافة ، ولا دورا لمن يجري وراء الديمقراطية والحرية وبناء المؤسسات الحديثة العصرية ، في حين ان الذي يقبع وراء السلاح يشدنا كلنا بقوة هذا السلاح الى اتجاه واحد والى طريق واحدة رسمها هو وخطّ مفاصلها ومحطاتها دون الرجوع الى احد . انه واقعنا الحالي في هذا البلد وتراني اشكو واشكو واقول سقى الله الماضي حين كنا نشعر فعلا بالكرامة والفخر والولاء الوطني  .
اخي القارئ
اثنا عشرة عاما مضت على الانسحاب الاسرائيلي وكما يدعون في لبنان "العيد الثاني عشر للتحرير " حسب قاموس من يؤمن ويعتقد بانه فعلا حرر لبنان . سنوات مرت وانا اسأل اللبناني وخاصة الجنوبي هل هو حقا تحرير ؟ وهل انت ايها المواطن الجنوبي سيد نفسك ؟ وهل انت حرا مستقلا تستطيع عمل وقول ما تريد حسب ما يضمن لك القانون والحق العام ؟ام انك انتقلت من احتلال الى آخر والشكوى لغير الله مذلة ؟
ان احداث ما بعد عام 2000 ، بدءا بالمحاكمات غير العادلة وغير المنطقية مرورا بحرب العام 2006 وصولا الى "القمصان السود" واتفاق الدوحة ، كل ذلك كرّس احتلالا لا لبس فيه ، احتلالا مذهبيا وطائفيا وكل من يدعي غير ذلك فهو منافق وكاذب ومخادع ، وبكل اسف وصلنا الى ما وصلنا اليه ويأتي احدهم من خلف وهْمٍ وسراب ويقول انه " عيد التحرير " . اضف الى ذلك بأن كل لبناني يعلم بقرارة نفسه بأن تحرير لبنان يبدأ من الداخل ، من البيت من العائلة وبالتالي من الطائفة ، عندئذ لا خوف علينا من الخارج ابدا .
اخي اللبناني
انت يا حامل السلاح بالذات ، اقول لك من بعد تجربة مريرة وبكل مسؤولية : لقد حملت السلاح مرغما ومكرها ، والله لقد اطلقت الطلقة الاولى دفاعا عن النفس اولا وعن الوطن ثانيا ، لا انكر عظمة السلاح وتأثيره على الشباب ولكنه سرعان ما يتحول الى عبء يصعب حمله والى عادة سيئة يصعب التخلص منها ، نعم لقد كان اتعس يوم في حياتي ذاك اليوم الذي رفعت السلاح فيه بوجه اخي اللبناني وشريكي في الوطن ، وان اسعد يوم اتذكره هو اليوم الذي القيت بهذا السلاح جانبا وبغض النظر عن النتيجة .
صدقا اقول لك ، لا حلا مع السلاح ولا حلا من السلاح ، ولا انتصارا مع الهيمنة والكل خاسر ، فلا تجربوا ما جربناه سابقا ولا تعيدوا الكرة فالوطن لا يحتمل اكثر، حرروا انفسكم من قيود انتم وضعتموها ، حرروا انفسكم من التبعية ، من الولاء الاعمى ، من سياسات القرون الوسطى ، من العبث بالمصير، وانطلقوا نحو المستقبل بخطى ثابتة من الحرية والكرامة والاحترام المتبادل ولا ضير بالقليل من الديمقراطية ، هذا هو العيد الحقيقي وهذا هو التحرير المنشود .

الجمعة، 18 مايو 2012

الله يستر

                                  
عبارة يرددها الناس كلما فاقت الاوضاع التوقعات ، وكلما ضاقت السبل في الانقاذ والتغيير لتحاشي المآسي والويلات . التاريخ يعيد نفسه و" الله يستر"، نعم ونحن في لبنان اصبحنا اخصائيين في ترجمة وتحليل وتفسير هذه العبارة . ان التاريخ اللبناني مليء بالأحداث المتشابهة والمتكررة ، واللبناني لا يتعلم من التكرار ولا من التشابه ، فقط التاريخ يعيد نفسه ، يردد هذه الكلمة ويتمنى الرحمة والرأفة والعناية الالهية " والله يستر " .
اخي القارئ
امام المشهد اللبناني الاخير وامام الاحداث الدامية التي شهدتها عاصمة الشمال ، ومواقف الحكام اللبنانيين كافة ، وامام مواقف الناس المتعطشة للأمن والامان ، نرى ان التاريخ اللبناني قد استيقظ من جديد وفي طرابلس بالذات والتاريخ فعلا يعيد نفسه و"الله يستر " .
نعم صديقي القارئ ، لنعد الى الوراء وبالتحديد الى العام 1974 اي عام واحد قبل اندلاع الحرب اللبنانية المتعددة الاتجاهات ، الى عام التحضير والتعبئة لتلك الحرب العبثية في طرابلس الفيحاء عندما بدأت شرارة النار مع " قدورة " ودخول الجيش في مجابهة مع انصاره ولأول مرة يتدخل في صدامات زواريب وازقة ، فكانت آنذاك تعبئة فئوية ومذهبية ضد الجيش والدولة  ، من الفلسطينيين المدعومين من سوريا ، الى الاسلاميين من سلفيين وحركة التوحيد الاسلامي  بزعامة الشيخ " شعبان " في ذلك الوقت ، وها نحن اليوم امام نفس المشهد تقريبا وتحت عنوان " شادي المولوي " والسلفيين الطرابلسيين ، والعلويين المدعومين من سوريا ، واحزاب اخرى داعمة لهذا واخرى داعمة لذاك . اذا انه نفس المشهد يتكرر بعد نحو اربعة عقود تقريبا واللبناني يراقب ولا يتعظ ولا ينسى ولا حول له ولا قوة و"الله يستر " .
بدأت حكومة الرئيس الراحل رشيد كرامي بعد استقالة الرئيس الراحل تقي الدين الصلح بالتهيئة غير المباشرة للحرب عبر التصاريح الملغومة التي كان يطلقها الرئيس كرامي نفسه خاصة فيما يتعلق بالموقف العروبي للبنان وبالجيش اللبناني من خلال تخوفه من انقسام هذا الجيش اذا ما طُلب منه القيام بواجبه الوطني بردع المتطرفين والخارجين عن القانون والوقوف سدا منيعا بوجه كل من يريد الفتنة .تماما كما هو الحال اليوم في نهج حكومة الرئيس نجيب ميقاتي ( الطرابلسي أيضا )، وعبر تصريحاته ومواقفه وبالتالي عبر النأي بالنفس عما يجري في سوريا وكأن ما يجري هناك هو وراء البحار ولا يمت بصلة الى الواقع اللبناني . تماما كما كان الحال عام 1974 -1975 عندما كانت المنطقة لا تزال تعيش ذيول حرب الاستنزاف السورية – الاسرائيلية واتفاقية فصل القوات في الجولان وها نحن اليوم نعيش الثورة السورية وعملية فصل النظام عن الشعب وفصل الحدود المشتركة عن كل اهتمام او رعاية  واتفاقية فصل اللبنانيين عن بعضهم البعض. نعم ان التاريخ يعيد نفسه وبتصريحات رئيس الحكومة بان عملية اعتقال الموسوي غير لائقة وغير قانونية وهي ربما تعتمد على اصول دينية او مواقف سياسية معينة ونتيجة لمواقف سابقة من الاسلاميين خاصة في الشمال وبعد معارك نهر البارد ذات الصلة المباشرة بالوجود الفلسطيني في لبنان ، وهنا تستوقفني الذاكرة بالرجوع الى تصريحات مشابهة تماما للرئيس رشيد كرامي عندما اعلن ان الفلسطينيين في لبنان مغبونين ويجب اطلاق سراحهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وبالتالي الامني واعطائهم حرية العمل الوطني .هكذا ان التاريخ يعيد نفسه من نفس المكان ومن نفس المسؤولين (رؤساء حكومة ) والله يستر .
عزيزي القارئ
الى متى سيستمر استغباء الانسان اللبناني عبر اطلاق مواقف سياسية اقرب الى الجنون منها الى مواقف ؟ الى متى سيبقى دولة الرئيس ميقاتي سائرا في هذا الخط ؟ خط المواربة والمراوغة والالهاء عن الحقيقة؟ اكاد لا اصدق ان احدا في لبنان يقبل ان يتقبل بعضا من تلك التصاريح التي تدل على تجاهل صاحبها لحكمة السامع ولحسه الوطني . آخر ما اتحفنا به الرئيس ميقاتي هو قلقه الدائم والشديد من استمرار الخروقات الاسرائيلية في الجنوب في حين ان الشقيقة في الشرق والشمال تجتاح الارض وتطلق النار وتقتل المواطنين اللبنانيين دون ان يبدي دولته القلق والارق وسهر الليالي والشجب والاستنكار، وتجتاح عصابات حلفائها بيوت المواطنين الامنين وتعتقلهم دون اي وجه حق فقط لانهم ضد النظام او يساعدون الثورة ، ودولة الرئيس وحكومته الموقرة لا تحرك ساكنا واذا ما تجرأ احد المظلومين على رفع سقف التنديد او المطالبة بالحق فالويل له  ومن عمالته للعدو الاسرائيلي او لأسياده الأمريكان والغرب .فأي عاقل يا دولة الرئيس يقبل او يؤمن بسياستك ويأخذها على محمل الجد ؟ واقول لك بكل احترام ومسؤولية : من يأبه الان بخروقات الطائرات الاسرائيلية لأجوائنا في حين عشرات القرى اللبنانية تعيش حالة الحرب الحقيقية والفعلية عبر الحدود الشمالية مع سوريا ؟ من يأبه بالخروقات الاسرائيلية والشعب اللبناني يُخرق يوميا بلقمة عيشه وبأمنه الشخصي والاجتماعي وبعمله واقتصاده وبسمعته وحتى بأخلاقه ؟ ان آلاف اللبنانيين يعيشون حالة الهلع والخوف من خروقات الداخل من حزب الله واعوانه وحكومتك الموقرة تلتهي بكيفية شرعنة السرقة واغتصاب الحق العام . من يأبه الآن بالخروقات الاسرائيلية ودولة الرئيس ميشال عون يبشرنا بان سوريا سائرة الى الديمقراطية بقيادة البعث والاسد وستكون منارة الشرق في حرية التعبير وحقوق الانسان ، وان لبنان يتطلع الى التحالف التاريخي مع الهند والبرازيل وجنوب افريقيا فلا مشكلة عنصرية تنتظرنا بعد الان ولا مشكلة القهوة والاستهلاك المفرط لها ، ولا مشكلة مع السيخ والهندوس بإذن الله . اي عاقل يا دولة الرئيس يقبل بعد الان بمقولة النأي بالنفس عن الاحداث في سوريا وانتم وحكومتكم من راسكم حتى اخمس قدميكم متورطون في قلب اللعبة القذرة التي تدور على حساب الشعب السوري المسكين وبالتالي على حساب الشعب اللبناني؟
اي عاقل في لبنان يا دولة الرئيس يقبل بعد الآن بسماع ابواق حكومتك وتفاهات نواب الامة والكيل بمكيالين فيما يتعلق بالحياة السياسة في لبنان وخاصة الزيارات الرسمية . فيلتمان جاء لتهيئة الحرب ضد المقاومة والنظام السوري وكل من قابل فيلتمان هو عميل ، و14 آذار تعد العدة حسب خطة معلمها لضرب عصب الممانعة والتصدي ، وان زيارة الديبلوماسي الاميركي للحدود الشمالية هو تدخل سافر بالشؤون اللبنانية ، في حين ان زيارة نائب الرئيس الايراني " رحيمي " هي زيارة رعوية رحيمية للرعية ولإقامة الصلوات في بيروت ومارون الراس علّ السلام يحل فوق رؤوس الجميع او يحلّ رؤوس الجميع . بالله عليكم يا اصحاب الدولة والمعالي والسعادة الى ما هناك من صفات ونعوت ، بالله عليكم لقد اصبحنا نصدق ان الشعب اللبناني هو فعلا شعب غبي وجاهل ليسمع هذه التفاهات . الحقيقة نقولها : تبا لكم ولفيلتمان ولرحيمي ولحكومتكم ولمجلسيكم ، وتبا لكل من يحاول غرس نباته في تربة غيره وتبا لسياسة الفراغ الاخلاقي والمسؤولية المجازة .
ايها اللبنانيون
اقول لكم ان التاريخ يعيد نفسه وان ما تخشونه ونخشاه جميعا اصبح قاب طلقتين او اقل ، فكونوا حذيرين ولا تدعوا السياسيين يرسمون لكم المصير، اقول لكم من باب التجربة المريرة التي مررت بها : هبوا لملاقاة بعضكم البعض ، تنازلوا عن بعض ما تريدون لتلاقوا البعض الآخر كما تريدون  " والله يستر " .

الأربعاء، 2 مايو 2012

زيارة مقبولة

افاقت المدينة على هدوء لم تشهد له مثيلا منذ مدة طويلة ، افاقت هذه المدينة المنكوبة على حلة جديدة وكأن شيئا لم يكن . افاقت لتنفض عنها غبار الحرب والدمار والخوف ولتلبس ثوب الحياة ولتتفتح زهورها ورياحينها .
دبت الحياة بكل احيائها ما ان لامست خيوط الشمس شوارعها وازقتها ، وعلت صرخات الباعة واصحاب البسطات وتهافت الناس الى اعمالهم بعد رشفة شاي او فنجان قهوة وبعد كلمات الصباح وتمنيات النجاح بيوم جميل وهادئ . اختفت المظاهر المسلحة وغاب الجنود عن الانظار ، واقفلت الدبابات والاليات العسكرية عائدة الى ثكناتها ، لا حرائق ولا بيوت مهدمة ، كل شيء طبيعي ولا يخرق هذا الهدوء الا بعض المراقبين الدوليين يطلبون بل يترجون احدا ان يطلق ولو بضع طلقات حتى لا يفقدوا وظائفهم . نعم لقد اصبح الوقت متأخرا بعض الشيء فعودوا الى بلادكم لقد انتهى كل شيء واخبروا من ارسلكم باننا انتهينا وعدنا الى رشدنا وعقلنا ولا حاجة لنا بكم ولا بمساعدتكم ولا بمراقبتكم لوقف اطلاق النار لان لا نارا بعد الآن .
فوجئت واكاد لا اصدق ما ترى عيناي ، اهو حلم ام سراب ؟ اهي نكتة من نكات اهل حمص ( مع احترامي لكل اهلنا هناك ) ؟ ام هي حقيقة فعلا ؟ استوقفت احد المارة وقلت له : بالله عليك ماذا يجري في حمص ؟ فرد مستغربا ،الم تسمع يا هذا ؟ ان السيد وئام وهاب في مدينتنا في حمص يتجول ويتفقد  والله انعم علينا بهذه الزيارة بوقت نحن بأمس الحاجة اليها .
مبروك عليكم يا اهل حمص ، مبروك عليكم يا ثوار حمص على هذه الزيارة التي اعتقتكم من نير النظام وعلاته ، مبروك عليكم يا ثوار حمص على هذه الزيارة التي جعلت النظام يعيد التفكير مرة بعد مرة قبل ان يقدم على نحر شعبه  وتشريده. مبروك عليكم ايها الموالون للنظام على هذه الزيارة التي اجبرت الثوار على التراجع والانكفاء ، مبروك عليكم هذه الزيارة التي اعادت ترتيب البيت السوري وخاصة في حمص . مبروك عليكم ايها الشعب السوري على هذه الزيارة المُنزلة المُباركة . مبروك عليكم هذا العيد الوطني ، فعيدوه قبل ان تفقدوه لان الاعمار بيد الله ، والله يطول بعمر الاستاذ وئام وهاب ليستمر في حقن الدماء .
لم اتفاجأ ابدا بزيارة السيد وهاب الى سوريا ، فقد عودنا على زياراته المتكررة اليها واصبحنا نحتفل به لدى وجوده عندنا في لبنان . لقد عودنا على زيارة دمشق ولقاء الرئيس وكبار المسؤولين لتقديم واجب الولاء والطاعة ، كذلك عودنا بين الحين والآخر على زيارة جبل الدروز والسعي لدى رجال الدين والوجهاء لحثهم على تأييد النظام ، ولكن الذي فاجأني هو زيارته لمدينة حمص المحترقة . ترى الى اين ذهب ؟ وبمن التقى ؟ وما الهدف من هذه الزيارة ؟ كلها أسئلة برسم الرد من قبله تجاه مناصريه على الاقل اولا ،هل الهدف هو الشد على ايدي الصامدين من البعثيين فيها ؟ ام شد ازر جيش النظام الذي بدأ يتهاوى شيئا فشيئا ؟ترى هل تجول السيد وهاب بشوارع حمص والتقى الناس المشردين المعدومين ؟ ام انه التقى وجهاء النظام القابعين نحت حماية الشبيحة والاشقاء؟ واني اسأل السيد وهاب :هل تناول طعام الغداء الى مائدة المحافظ ؟ ام الحاكم العسكري ؟ ام الحاكم البعثي في حين ان جياع المدينة من اطفال ونساء يجوبون الشوارع علهم يجدون من يعطيهم فرصة تناول الطعام كبقية اطفال العالم ؟
هنيئا للنظام وازلامه ، وهنيئا للثورة السورية والكل يغني على ليلاه وليكثر السيد وهاب من زيارته وتجواله في المدن السورية ، فكل جمع بحاجة الى الحقنة التي تناسبه .
اخي القارئ
اني اتوجه بكل احترام الى الاستاذ وئام وهاب لأسأله :لماذا ذهبت الى حمص ؟واتمنى ان يجيبني احد المطلعين على اسرار سياسته رأفة بمناصريه ومحازبيه ، عليه فعلا ان يجيب وان يشرح لهم الاسباب التي دفعته الى هذه الزيارة المشبوهة . اذا كان من الواجب زيارة الشقيقة فاعتقد ان هناك عدة اماكن يمكن زيارتها ضمن الاطر السياسية والحزبية وتنسيق العلاقات بين الدول .  واريد ان الفت نظر الاستاذ وهاب بان في لبنان امكنة بحاجة الى زيارات اكثر من اي مكان في العالم .
لماذا يا حضرة الوزير السابق لم تزر القاع ووادي خالد والحدود الشمالية لترى بأم العين معاناة الشعب السوري النازح ومعاناة الشعب اللبناني الفاتح له قلبه وداره. لماذا لم تزر حاصيبا مثلا او القليعة او بنت جبيل لتقف عن قرب على حقيقة معاناة الناس هناك من غياب الدولة الحقيقية ، ولتقف عن كثب على معاناة اهل الجنوب بعد تشريد الالاف من ابنائهم الى اسرائيل والخارج ؟ ام انها "وقفت عليهم " ؟
لماذا لم تزر المناطق التي يجتاحها الاستيطان الشيعي الجديد ، في الجبل وجبيل وكسروان والجنوب  ( واقصد الهجمة الشيعية المبرمجة لشراء الاراضي التي يقودها حزب الله بدعم من ايران ، ولا اقصد الطائفة الشيعية الكريمة ككل )، لتقف على التغيير " الكياني" الذي سيحل بلبنان عامة .
لماذا لم تزر المناطق التي يجتاحها التطرف السني الجديد بدءا من مدينة صيدا مرورا بالعرقوب حتى الشمال وطرابلس ، لترى ايضا ان النار عندنا تطلب اكثر من دولة واكثر من نظام .
لماذا لم تزر المناطق المسيحية المهددة بالاقتلاع الفعلي ، وبوجودها " قيد الدرس" في كافة الاراضي اللبنانية .
حضرة الاستاذ وهاب
لك الحق بالزيارة التي تريدها ، ولك الحق بالمكان الذي ترتئيه ، ولك الحق بمن تريد او تطلب مقابلته ، وهذا ما تضمنه لك الحرية اللبنانية التي تحاولون انتم ومن معكم ان تقتلوها ، ولكنك لا تملك حق اذلال الانسان اللبناني وخداعه، ولا تملك حق التكلم باسم فئة من الشعب اعطتك ثقتها ، لا لتزرعها في دمشق وطهران ، بل لتزرعها بالمكان الذي يمكنهم الحصاد فيه ،  والذي يمكنك رؤيتهم فيه يزدهرون وينعمون .ازرع في لبنان ، ازرع في الوطن في شماله وجنوبه ، في سهله وجبله . ازرع في لبنانيته وليس في عروبته ، ازرع في امته وليس في قوميته ، ازرع في توحيد ابنائه لا في تفرقتهم ، يا ابن التوحيد .
كنت اتمنى لو عدت من الشام وبصحبتك بعضا من السجناء اللبنانيين المعذبين .
كنت اتمنى لو عدت من الشام وتحت ابطك بعض خرائط ترسيم الحدود ولو لبضعة امتار.
كنت اتمنى ان تعود ومعك تفسيرا عن مصير شبلي العيسمي ، وعن التحقيق في مقتل مصور تلفزيون الجديد وعن اطلاق النار على القرى اللبنانية والسكان العزل ، وعن انتهاك حرمة الاراضي اللبنانية.
كنت اتمنى ان تعود مقتنعا لتقول لأصدقائك : ما النا الا لبنان يا اخوان .
كنت اتمنى منك الكثير والكثير ، وربما في بالوقت مهلة وعلى كل حال الحمد لله على عودتك سالما ، وانشاء الله تكون " زيارة مقبولة " .

الجمعة، 27 أبريل 2012

تنذكر ما تنعاد

13 نيسان 1975 ،كنت في العشرين من عمري في صيدا عاصمة الجنوب اخوض معارك ضد اليسار اللبناني والمنظمات الفلسطينية وعلى راسها منظمة الصاعقة السورية على اثر مقتل النائب معروف سعد ، كنت آنذاك جنديا في الجيش اللبناني بصفة طالب احتياطي لفترة سنة في خدمة الوطن .
13 نيسان 1975 ، وعلى بعد اربعين كيلومترا من معارك الجنوب نشبت معركة اخرى (معركة البوسطة ) في بيروت – عين الرمانة – هذه المعركة او الحادثة التي اشعلت الحرب اللبنانية كما اتفق عليها ، ولكنها كانت مشتعلة في الجنوب منذ ست سنوات تقريبا اي منذ ما قبل التوقيع على اتفاق القاهرة . فأي تاريخ نعتمد فعلا لبدء الحرب اللبنانية ؟
عزيزي القارئ
بالنسبة الينا نحن الجنوبيون ،لقد بدأت الحرب منذ ان تخلت الدولة عنا ووقعت اتفاق الذل والشؤم (القاهرة عام 1969 ) . منذ ذلك الوقت ونحن نخوض حرب البقاء على ارضنا وفي قرانا ومدننا ، ومنذ ذلك التاريخ ونحن نخوض حرب التواصل مع الوطن وعدم سلخنا عنه ، منذ ذلك الوقت ونحن في صراع مستميت مع محتلين تعاقبوا على احتلال هذه الارض وعاثوا فيها فسادا ودمارا وتشريدا ، والدولة الكريمة غائبة نائمة متسترة بورقة لا تستر عيبا ولا تغض نظرا .
نعم ، لقد كتب علينا القهر والعوز ، التهجير والهجرة ، الحزن والكآبة ،ولكننا بقينا على كرامتنا وعلى ايماننا بوطننا ، على حريتنا ، بقينا على ارضنا ندافع عنها ونقدم لها كل غال ونفيس من دماء شاباتنا وشبابنا . كنا في حربنا الخاصة قبل حربكم العامة، كنا قبل الثالث عشر من نيسان واتيتم لتكملة ما بدأنا به بعد ان وصل "الموس لذقنكم " كما يقول المثل ، وليكن هذا التاريخ تاريخ بدايتكم ونقول معكم " تنذكر ما تنعاد " .
اخي اللبناني
" تنذكر ما تنعاد " ، نعم لنتذكر الحرب حتى نعلم ما جنت ايادينا ، لنتذكر الحرب حتى يعي اولادنا ويلاتها ومآسيها . نتذكر الحرب حتى نتعلم ويتعلم كل من يأتي بعدنا ان لا حلولا نتيجة حرب ولا مستقبلا نتيجة حرب ، فالحرب نهاية الحوار وبداية التباعد ، هي تقصير بالأداء وسوء تعبير عن الآراء ، انها النقمة والكره والانحلال .
" تنذكر ما تنعاد " تلك الحرب اللعينة التي قضت على كل قيم تربى عليها اللبناني الكريم الحر ، تلك الحرب التي ابعدت الاخ عن اخيه ، واقصت الصديق عن الصديق ، هجّرت الفرد من العائلة ، وابعدت العائلة عن جذورها . حرب ، خضناها بعد ان عشقها البعض واحبها البعض الآخر ، خاضها من كرهها مرغما لأنه يعرفها وناسبت من يجهلها ، هذه الحرب الخطأ بل الخطيئة اوقعتنا جميعا بالخطأ والخطيئة.
" تنذكر ما تنعاد " ايتها الحرب اللبنانية ، من الشمال الى الجنوب ومن الشرق الى الغرب ، من الجبل الى السهل الى الساحل ، وكلنا امل ان لا تعاد المتاريس للفصل بين الاحياء ، ولا اكياس الرمل لتسكير النوافذ والابواب ، ولا الحواجز لفصل المناطق عن بعضها البعض .
اخي القارئ
تعود اللبناني على جملة " تنذكر ما تنعاد " وخصّ فيها الحرب وقصد تلك السنوات المريرة والصعبة ، وتعودت عليها السن العامة : الحرب ، الرصاص والقذائف ، القتل والتشريد والتدمير ، ولكن ايها اللبنانيون لدينا " تنذكر ما تنعاد " لأمور اشد مرارة من طلقة النار وانفجار لغم او قذيفة ، واشد وقعا من سيارة ملغومة او فقدان صديق او عزيز. " تنذكر ما تنعاد " لكل ما وصلنا اليه بعد اكثر من عشرين سنة على انتهاء حرب النار والدخان .
عزيزي اللبناني
اقول "تنذكر ما تنعاد " عندما ارى ما نحن فيه ،وما اصبحنا عليه من تقسيم وشرذمة بالنفوس ، من احقاد وضغائن .
عندما ارى السياسيين واسمعهم يتكلمون باسم الشعب ، واي شعب بقي لينطقوا باسمه .
عندما ارى فئة من اللبنانيين تغمرها نشوة الغلبة والسيطرة بفضل سلاح اصبح مشبوها وعليه الف علامة استفهام .
" تنذكر ما تنعاد " للتقسيم الجغرافي والفرز المناطقي ، للبؤر الامنية والمربعات الحزبية ، للتجمعات الاستيطانية الجديدة ( ويا ليتهم تعلموا الديمقراطية الاسرائيلية بدل ذلك ).
"تنذكر ما تنعاد " للاغتيالات السياسية بعد ما تعذر الاقناع والاقتناع .
لمجلس نيابي خذل الامة واصبح دون مستوى طموحات هذا الشعب الجبار.
" تنذكر ما تنعاد " لحكومات تبدأ وطنية وتنتهي عميلة ،ومنتوجا مستوردا .
لفساد مستشرٍ ، ولهدر مالٍ ، وسرقة خيرات هذا الوطن .
"تنذكر ما تنعاد " على ولاء طغى على الهوية اللبنانية وعلى انتماء ضاع ما بين  نظام وولاية .
" تنذكر ما تنعاد " على اجهزة حكم مسيّرة وعلى المصالح المعتبرة فوق كل اعتبار، على القضاء ، على الاصلاح وحقوق الانسان وحق الوطن وواجب المواطن.
تنذكر ما تنعاد على هذا الوطن ، على لبنان .
ايها اللبناني
لندع العاطفة جانبا ولنتكلم بالعقل وبالمصلحة الوطنية العليا ،كل فرد يختبئ خلف "تنذكر ما تنعاد " ولا احد يجرؤ على قول الحقيقة . كل من زاوية مختلفة يشعر بقرارة نفسه بانه الخاسر الوحيد من هذه الحرب وبالتالي يتمنى ان يصحح هذه النتيجة ، انه شعور الغالب والمغلوب الذي بات واضحا الان اكثر من اي وقت مضى .
لا اريد التطرق الى التفاصيل حتى لا يقال عني اني من دعاة الحرب ، ولكن الوقائع لا تكذب وشحن النفوس لا يُستّر، وانتهاك حرمات الناس وحريتهم السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية وحتى الحرية الشخصية كلها تتجه نحو ما نخشاه كلنا ، ونعود "نتخبى بخيال اصبعنا " ونقول " تنذكر ما تنعاد " .
ايها اللبنانيون
كلكم اسستم لحرب اهلية الا نحن في الجنوب ، كل احزابكم استعدت لها الا نحن ،كلكم شاركتم بها على اساس طائفي ومذهبي الا نحن ، تعددت عندكم الولاءات وتنقلتم بين الاعداء الا نحن ، ربحتم وتنازلتم وقبلتم وختمتم اتفاقات " الطائف ، والدوحة ، والاخوة ، الى آخر ما بصمت ابهامكم اليسرى واليمنى الا نحن، نحن من دُفع اليها واُجبر على خوضها ، ونحن في مهب الريح  ، كلكم رضيتم بالذي اصابنا وتساهلتم مع ضمائركم حتى نسيتم وقع صراخها ،آلاف المهجرين والمهاجرين ، واللاجئين ،والمحتجزين ، والمغيبين والمفقودين ، وبعد كل هذا تأتوا الينا وتقولوا "تنذكر ما تنعاد "؟ .
اخي اللبناني
لست من هواة الحرب، ولا من هواة العنف، ولا الصمود والتصدي ولا الاستسلام والتخاذل. انا من هواة بل من عبدة لبنان والارز ، انا واحد من الذين سقوا التربة دماءً وحملوا راية الوطن عالية حرة ، انا واحد من الذين قاتلوا سنوات طويلة   دفاعا عن قيم لبنان واحلام لبنان وصيغة لبنان ،لا احد يستطيع ان يثني عزيمتي ، ولن اقبل الا بالحق لكل صاحب حق وبالهوية لكل من يستحقها .
بالله عليكم كفى " تنذكر ما تنعاد " .


السبت، 14 أبريل 2012

مرْ ما منو مفرْ

لا ادري اذا كان المجتمع الدولي يشكك في قدرة الشعب السوري على الاستمرار بثورته ، ولا ادري اذا كان هذا المجتمع يظن ان الرئيس السوري غير جدي بقمع هذه الثورة بأية وسيلة وبأي ثمن . لكن الذي يعرفه الجميع ان ما بين الشك والجد ، يلعب اللاعب الروسي بكل حرية ، ويضع النقاط حيثما يريد ويحذف احرفا كيفما يريد دون رادع او حسيب ودون اية مواجهات تذكر من قبل الاعضاء الدائمين في مجلس الامن الدولي . والذي نعرفه أيضا ان الرئيس السوري عرف كيف يلعب على تناقضات المواقف العربية والاقليمية وحتى الدولية وها هو يسعى جاهدا لكسب الوقت اللازم للقضاء على هذه الثورة .
لقد علمتنا الاحداث وبدون شك ان ما من ثورة شعبية الا ووصلت الى اهدافها ،وما من شعب انتفض الا وحقق ما يريد . ان ارادة الشعوب لا تقهرها آلة ولا يثنيها بطش مهما طال الزمن ، وهذا ما اوضحه التاريخ منذ فراعنة مصر وقياصرة روما مرورا بأشد الأنظمة قساوة من الخمير الحمر "كمبوديا" الى مجازر الابادة الجماعية في القارة السوداء ، وتبقى النتيجة ذاتها مهما تغير اللون وتقلب السلاح ، فالنصر للشعب دائما .
اخي القارئ
لا يمكن الادعاء بان ما يحصل في سوريا هو شأن داخلي ولا يمت بصلة الى دول الجوار وخاصة لبنان ، ونقول لبنان خاصة ، لأن في لبنان حلفاءً لسوريا واتباعا للنظام بعثيين اكثر من "ميشال عفلق "نفسه . هنا تكمن خطورة نتائج ما يحدث في سوريا على الساحة اللبنانية في الوقت الذي نرى فيه سياسة الحكومة اللبنانية سياسة ترقيع لا اكثر ولا اقل وهي سياسة " مسح اللحى وتبويس الشوارب "، سياسة ارضاء لهذا وترضية لذاك ، ولا احد يعي الاخطر وهو نتيجة الثورة السورية وما ستؤول اليه الاحداث ، فكلاهما مرٌ على لبنان : نجاح الثورة مرْ ، وبقاء الاسد امرْ ، وللأسف يتحلى اللبنانيون ما بين هذه المرارات بقانون انتخابي لا يعرفون اليه سبيلا ولن يفيدهم بشيء على الاطلاق ، حتى ولو جاؤوا بأفلاطون وسقراط والفارابي ، سيبقى النائب نائبا والمحدلة محدلة والنتائج معروفة سلفا . فلماذا لا يتركون هذا المشروع الفاشل جانبا وتوأمه مشروع الكهرباء ايضا . لن ينعم لبنان بالكهرباء سواء اتت من بواخر او معامل طالما ان المستفيد منها لا يدفع وطالما انها لأشخاص ومناطق ومحسوبيات ، وطالما ان الحاكم لا يعنيه المواطن وما يعانيه . ليعوا هذا الفالج الوطني وليتجهوا الى دراسة النتائج التي ستُفرض عليهم بعد الثورة السورية .
اولا : اذا انتصرت الثورة في سوريا – وهذا ما يتمناه كل حر في العالم – ستنتقل مباشرة الى لبنان ولكنها ليست ضد النظام ولا الدولة ، لان لا وجود لنظام ولا لدولة ، بل ضد نظام الدويلة "دويلة حزب الله " . ان الشعب اللبناني باعتقادي لن يترك ثانية تمر بعد انتهاء الثورة في سوريا لينزل الى الشارع مطالبا بأنهاء سيطرة السلاح وتسليمه للدولة وبانضمام الجميع تحت رايتها بالحوار او بالقوة ،  بالمظاهرات او بتبويس اللحى، بكسر الاذرع او برص الاكتاف. ان الهدف هو وضع لبنان فوق كل اعتبار والعبرة لمن يعتبر من الشعوب اذا نزلت الى الشارع .
ان انتصار الثورة السورية هو انتصار ذو وجهين :
- الوجه السياسي ويعني انتصار الحرية والديمقراطية على انظمة الرأس الواحد – الانظمة العقائدية والديكتاتورية ، وهو آخر عنقود الربيع العربي بإسقاط الانظمة التي حكمت شعوبها لأكثر من نصف قرن تقريبا دون ان تقدم لها شيئا سوى القمع والفقر وحضارة القرون الوسطى . ان هذا الانتصار السياسي هو انتصار على كل من يدور في فلك النظام وبالتالي فان الرسالة واضحة : سيأتيكم الدور فانتم اللاحقون .
- الوجه الديني "المذهبي " فيتمثل بانتصار السنّة في سوريا وانهاء سيطرة اقلية حكمت بيد من حديد وبالتالي انتصار على كل توجه غير سني ضمن الاسلام عامة، وهو موجه الى طهران والى حزب الله في لبنان . ان السنّة في لبنان سيتلقفون هذا الانتصار ليعدوا العدة لانتصار خاصٍ بهم وبنفس المعايير السورية ، انتصار ضد حزب الله وحلفائه "سياسي" وانتصار على الشيعة "مذهبي" . ان الساحة اللبنانية ستكون مفتوحة على جميع الاحتمالات ومن ضمنها الحرب الاهلية لان حزب الله لن يسلم بالأمر ببساطة بل سيدافع عن موقفه وعن مكتسباته ولا اعتقد بانه سيلجأ الى فتح الجبهة الجنوبية ضد اسرائيل لأنه يعلم ان لا احدا سيسانده وان مقولة الجيش والشعب والمقاومة ستكون قد سقطت فعلا. اذا سيكون توجه حزب الله الى الداخل اللبناني بفرض وجوده المطلق بقوة السلاح ومن ثمّ استثمار هذا السلاح وجعله خشبة العبور تجاه الدولة المدنية لعلمه ان الوقت لديه نافذ والمتسع ضيق جدا .
اما اذا بقي نظام الاسد " بقوة قادر" فهنا ستقع الكارثة الكبرى في سوريا نفسها وفي لبنان وبالتالي منطقة الشرق الاوسط ، باستثناء اسرائيل طبعا التي ما زالت على موقفها من نظام عائلة الاسد وهو الرضا وعدم البحث عن بديل تاركة الامور تأخذ مجراها بنفسها .ان اولى نتائج هذا البقاء على الصعيد الاقليمي هو وداع القضية الفلسطينية كلها ووداع الدولة الفلسطينية بشكل خاص لان بقاء النظام وان حصل سيكون نتيجة صفقة لاعبها الاساسي اسرائيل وروسيا ضمن الموافقة الاميركية الضمنية . هذا بالإضافة الى ازدياد نفوذ ايران بالمنطقة وستكون الشريك المحتمل لروسيا في اي محور عالمي جديد ضمن الحرب الباردة الجديدة انطلاقا من محور سوريا – العراق - ايران ، ولبنان (تحصيل حاصل ).
اما على الصعيد المحلي وفيما يخص سوريا نفسها فبعد استباب الوضع للنظام سيعمد حتما على الغاء كل ما عدّله في الدستور ويعود الحكم كما كان " القديم على قدمو" كما يقول المثل اللبناني العامي ، وسيشهد الشارع السوري عملية تطهير لا مثيل لها بين صفوف الجيش والامن والشعب اشد قساوة من الحرب نفسها .
اما بالنسبة الى لبنان فان بقاء الاسد يعني ثلاثة انتصارات :
الاول : سياسي وهذا يعطي الافضلية لحزب الله وحلفائه ويطلق يده في قلب المعادلة اللبنانية من المناصفة الى المثالثة ، وهذا انقلاب على الطائف بالوقت المناسب ودون اي رادع او مُراجِع . ايضا سنشهد بزوغ بعثين جدد وسيتكاثرون الى حد سنخال انفسنا في حضرة "الحوراني وعفلق " . ان هذا الانتصار السياسي سيوجه مباشرة الى تيار المستقبل  وسائر مكونات 14 آذار .
الثاني : وهو عسكري وسيطبق في الاحتلال الكامل للبنان من قبل الحزب والسيطرة المطلقة على الجيش والامن الداخلي وسائر الاجهزة الامنية ، وستشهد الساحة اللبنانية عمليات تخويف وترهيب اقلها الاغتيالات السياسية على غرار ما حصل للدكتور جعجع ، وسيصل لبنان الى معادلة المقاومة فقط وهي صاحبة الكلمة الفصل في السياسة والامن والاقتصاد وقرار السلم والحرب .ان بقاء نظام الاسد في سوريا يعني زوال لبنان الدولة والكيان ، وما على القوى الاخرى فيه الا حزم امرها اما بحزم امتعتها والرحيل والتفتيش عن وطن بديل واما المقاومة وهذه المرة بمقاومة مسلحة بكل معنى الكلمة حتى وان ادت الى حرب اهلية او الى تقسيم البلاد .
الثالث : وهو انتصار ديني ، اي انتصار الطائفة العلوية خاصة ومعها الشيعة عامة على السنة في سوريا ولبنان وبالتالي توجيه رسالة واضحة وقاسية الى الدول العربية وخاصة الخليجية بان هذا المذهب قادم اليكم وهو يتسع للجميع سواء بالعصا او بالجزرة وانه سيكون مصدر قوة الامة العربية كما كان ولا يزال مصدر فخر وقوة الامة الفارسية . هذا الانتصار سيؤجج الخواطر وسيوقظ كل تنظيم سني متطرف من القاعدة الى السلفية وحتى الاخوان المسلمين في الدول العربية والذين هم الآن بموقع شك من الثورة السورية ، وصولا الى "طالبان ،وبوكو حرام " كلهم سيتقاطرون الى اعلان حالة الطوارئ الدينية والمذهبية للوقوف في وجه هذه الهجمة الشرسة . اذا ان بقاء نظام الاسد سيكون كارثيا وسيجعل الشرق الاوسط بركانا وساحة حرب محتملة في كل لحظة ولكنها لن تكون اسرائيلية ابدا .
عزيزي القارئ
ان الكيل بمكيالين في التعامل مع الازمة السورية شأن خطير جدا ، ربما لن تظهر نتائجه في المدى المنظور ولكنه يؤسس لفتنة فكرية واجتماعية وسياسية ، وربما تتطور الى فتنة مسلحة اذا استحالت معها التفاهمات والحوارات وعمليات الاقناع والاقتناع .لقد حاولتُ ان الفت النظر مرارا الى خطورة هذا الموضوع ولكن العامة كما يبدو لا تعيره الاهمية ولا تعتبره ذا شان لأنه خارج اطار التداول الجدي . لذلك ارى ان تبسيط الامور يمكن ان يساعد في تسليط الضوء اكثر .
ان التساهل مع الانتهاكات السورية للحدود اللبنانية هو امر مريب ويصب في خانة الخيانة الوطنية ويدعو الى التوقف والتعمق بالأمر :
هل اطلاق النار من الجانب السوري "الاخوي" علينا نحن اللبنانيين مسموحا ويعتبر طبيعيا ، في حين ان مجرد تحليق للطيران الحربي الاسرائيلي يعتبر اعلان حرب ؟
هل انتهاك الجيش السوري لحرمة الاراضي اللبنانية في وادي خالد وفي القاع وعدة اماكن اخرى هو امر طبيعي جدا ويأتي من ضمن معاهدة الاخوة بين البلدين ، في حين ان اقامة جدار على الحدود الشمالية الاسرائيلية يعتبر عملا عدوانيا ؟
هل انتهاك ايران للسيادة اللبنانية بالتدخل المباشر بدعم وتسليح فئة ضد فئة اخرى وعلى حساب الوطن والقوى الشرعية فيه يعتبر عملا بطوليا تشكر عليه ، في حين ان تدخل مجلس الامن او الدول الغربية يعتبر عملا منافٍ للأعراف الدولية و تدخلا مباشرا بالشؤون الداخلية للبنان ؟
هل مسموحا لهم ان يدمروا نصف لبنان من اجل اطلاق المعتقلين من السجون الاسرائيلية ، ولا يتكرمون على امهات اللبنانيين المفقودين في السجون السورية بإعطائهم ولو بارقة امل صغيرة بانهم سيدرسون الامر مع السلطات السورية حتى ولو بأوقات فراغهم ؟
هل الاستعانة بالأنظمة الديكتاتورية والعقائدية امر مشروع لطرد الاستكبار العالمي الاميركي ، في حين يُسمح لهؤلاء المتنمرين بتلقي العلاج في ربوع اميركا اذا ما تعرضوا لعارض صحي ؟ او الهرب اليها في حال وقوع خطأ ما في حسابات بلدانهم مستغلين الديمقراطية الغربية التي يحاربونها ومستغلين شرعة حقوق الانسان التي غابت من قاموسهم . واني اسأل الجميع : لماذا لا يسحب هؤلاء المعادين لأميركا عائلاتهم واولادهم وارصدتهم وتجاراتهم من اميركا ووضعها  في طهران للتصدي والمقاومة ومقارعة الاستكبار ؟
لماذا لا يستبدلون الدواء الاميركي بالدواء الايراني والسوري والروسي ؟ كما استبدلوا ربطة العنق الغربية بالقبة الفارسية ؟
اخي القارئ
انا لا اعطي الحق لإسرائيل ابدا باستباحة المجال الجوي اللبناني ، ولا اعطي الحق لأي كان باستباحة الارض وانتهاك حرمة الحدود ، بل رغبت بإعطاء صورة الواقع الذي نعيشه في ظل هذه المعادلة غير المنصفة .
هذا التعامل اللامنطقي اوصل البلاد والعباد والمنطق الى ما هم عليه الآن ، ونرى صورة المستقبل واضحة بالأحداث التي نشهدها في الشمال اللبناني وآخرها استشهاد مصور تلفزيون الجديد علي شعبان على يد الجيش السوري .
اما الكيل بمكيالين داخليا فهو في منحى اخطر واشد قسوة اجتماعيا وسياسيا وتفرقة حزبية حتى دينية .ان محاولة اغتيال الدكتور سمير جعجع اظهرت مدى تواطئ بعض اصحاب السلطة وخاصة في مجلس الوزراء . اننا ندين بشدة هذه المحاولة  ولكننا ندين اكثر محاولات طمس الحقيقة وعرقلة مسار التحقيق باختلاق الحجج حول قانونية تسليم "داتا" الاتصالات . اقول لكم ايها السادة : لماذا لدينا داتا اتصالات ؟ولماذا نتعب ونجد في استيراد مثل هذه التقنية ؟ اليست لحماية السلم الاهلي في لبنان ؟ ام انها رهن فئة من الناس دون اخرى ؟ واقول بكل صراحة ، لو ان المستهدف من 8 آذار ،فهل تأخذ داتا الاتصالات وقتا لتصل الى آخر شاويش في التحقيق ؟ ان اظهار الحقيقة امام الرأي العام اللبناني صعب في هذا الوطن المعقد  والذي اصبحت فيه الحقيقة مسيسة ومجزأة .
اما في ملف التعامل مع اسرائيل الذي اضحى اضحوكة اللبنانيين على مختلف انتماءاتهم ، فلا اريد الغوص اكثر بل اناشد كل عملاء اسرائيل في لبنان ان يلتحقوا الآن بالتيار العوني – ولا اريد ان اقول التيار الوطني الحر  لأنه فعلا فقد شرعيته الوطنية ، واصبح حرا في الولاء والتبعية – ليلتحقوا الآن قبل الغد ليضمنوا محاكمة سريعة وسهلة ، وخروجا مشرفا من السجن في حال وقعوا في شرك الدولة ، وانا على يقين بأنهم ربما سيصلون الى الندوة النيابية اذا كانوا على تعامل رفيع المستوى مع اسرائيل .
اما ملف تسليم السوريين النازحين الى السلطات السورية ، فأقل ما يمكن عمله هو احالة المسؤولين على القضاء المختص ، لأن من يسلم لاجئا هاربا من النظام السوري ، كأنه اشترك في عملية اعدامه ، ومن يروج للنظام ويسهر على بقائه كمن يسهل عملية اعدام الشعب بكامله وعلى الشعب السوري الكريم ان يقول كلمته بهم لاحقا .
اخي القارئ
ازاء هذه المعطيات وهذه التقلبات فان بقاء الوطن يبقى رهن قياداته وخياراتهم ورهن ضميرهم ومسؤوليتهم التاريخية . فإما ان يبادروا الى تحصين الساحة الداخلية فعلا لا قولا لمنع امتداد نتائج الثورة السورية الى لبنان ، وذلك بإعلان مشترك باسم الجميع بان لبنان وطن نهائي لكل ابنائه وهو يتسع للجميع على حد سواء ضمن اللعبة الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان ، واما ان يعدّوا العدة لأزمة حقيقية تفوق الحرب الأهلية تأكل "الطائف "، وتعيد التماس محليا واقليميا .