الجمعة، 27 أبريل 2012

تنذكر ما تنعاد

13 نيسان 1975 ،كنت في العشرين من عمري في صيدا عاصمة الجنوب اخوض معارك ضد اليسار اللبناني والمنظمات الفلسطينية وعلى راسها منظمة الصاعقة السورية على اثر مقتل النائب معروف سعد ، كنت آنذاك جنديا في الجيش اللبناني بصفة طالب احتياطي لفترة سنة في خدمة الوطن .
13 نيسان 1975 ، وعلى بعد اربعين كيلومترا من معارك الجنوب نشبت معركة اخرى (معركة البوسطة ) في بيروت – عين الرمانة – هذه المعركة او الحادثة التي اشعلت الحرب اللبنانية كما اتفق عليها ، ولكنها كانت مشتعلة في الجنوب منذ ست سنوات تقريبا اي منذ ما قبل التوقيع على اتفاق القاهرة . فأي تاريخ نعتمد فعلا لبدء الحرب اللبنانية ؟
عزيزي القارئ
بالنسبة الينا نحن الجنوبيون ،لقد بدأت الحرب منذ ان تخلت الدولة عنا ووقعت اتفاق الذل والشؤم (القاهرة عام 1969 ) . منذ ذلك الوقت ونحن نخوض حرب البقاء على ارضنا وفي قرانا ومدننا ، ومنذ ذلك التاريخ ونحن نخوض حرب التواصل مع الوطن وعدم سلخنا عنه ، منذ ذلك الوقت ونحن في صراع مستميت مع محتلين تعاقبوا على احتلال هذه الارض وعاثوا فيها فسادا ودمارا وتشريدا ، والدولة الكريمة غائبة نائمة متسترة بورقة لا تستر عيبا ولا تغض نظرا .
نعم ، لقد كتب علينا القهر والعوز ، التهجير والهجرة ، الحزن والكآبة ،ولكننا بقينا على كرامتنا وعلى ايماننا بوطننا ، على حريتنا ، بقينا على ارضنا ندافع عنها ونقدم لها كل غال ونفيس من دماء شاباتنا وشبابنا . كنا في حربنا الخاصة قبل حربكم العامة، كنا قبل الثالث عشر من نيسان واتيتم لتكملة ما بدأنا به بعد ان وصل "الموس لذقنكم " كما يقول المثل ، وليكن هذا التاريخ تاريخ بدايتكم ونقول معكم " تنذكر ما تنعاد " .
اخي اللبناني
" تنذكر ما تنعاد " ، نعم لنتذكر الحرب حتى نعلم ما جنت ايادينا ، لنتذكر الحرب حتى يعي اولادنا ويلاتها ومآسيها . نتذكر الحرب حتى نتعلم ويتعلم كل من يأتي بعدنا ان لا حلولا نتيجة حرب ولا مستقبلا نتيجة حرب ، فالحرب نهاية الحوار وبداية التباعد ، هي تقصير بالأداء وسوء تعبير عن الآراء ، انها النقمة والكره والانحلال .
" تنذكر ما تنعاد " تلك الحرب اللعينة التي قضت على كل قيم تربى عليها اللبناني الكريم الحر ، تلك الحرب التي ابعدت الاخ عن اخيه ، واقصت الصديق عن الصديق ، هجّرت الفرد من العائلة ، وابعدت العائلة عن جذورها . حرب ، خضناها بعد ان عشقها البعض واحبها البعض الآخر ، خاضها من كرهها مرغما لأنه يعرفها وناسبت من يجهلها ، هذه الحرب الخطأ بل الخطيئة اوقعتنا جميعا بالخطأ والخطيئة.
" تنذكر ما تنعاد " ايتها الحرب اللبنانية ، من الشمال الى الجنوب ومن الشرق الى الغرب ، من الجبل الى السهل الى الساحل ، وكلنا امل ان لا تعاد المتاريس للفصل بين الاحياء ، ولا اكياس الرمل لتسكير النوافذ والابواب ، ولا الحواجز لفصل المناطق عن بعضها البعض .
اخي القارئ
تعود اللبناني على جملة " تنذكر ما تنعاد " وخصّ فيها الحرب وقصد تلك السنوات المريرة والصعبة ، وتعودت عليها السن العامة : الحرب ، الرصاص والقذائف ، القتل والتشريد والتدمير ، ولكن ايها اللبنانيون لدينا " تنذكر ما تنعاد " لأمور اشد مرارة من طلقة النار وانفجار لغم او قذيفة ، واشد وقعا من سيارة ملغومة او فقدان صديق او عزيز. " تنذكر ما تنعاد " لكل ما وصلنا اليه بعد اكثر من عشرين سنة على انتهاء حرب النار والدخان .
عزيزي اللبناني
اقول "تنذكر ما تنعاد " عندما ارى ما نحن فيه ،وما اصبحنا عليه من تقسيم وشرذمة بالنفوس ، من احقاد وضغائن .
عندما ارى السياسيين واسمعهم يتكلمون باسم الشعب ، واي شعب بقي لينطقوا باسمه .
عندما ارى فئة من اللبنانيين تغمرها نشوة الغلبة والسيطرة بفضل سلاح اصبح مشبوها وعليه الف علامة استفهام .
" تنذكر ما تنعاد " للتقسيم الجغرافي والفرز المناطقي ، للبؤر الامنية والمربعات الحزبية ، للتجمعات الاستيطانية الجديدة ( ويا ليتهم تعلموا الديمقراطية الاسرائيلية بدل ذلك ).
"تنذكر ما تنعاد " للاغتيالات السياسية بعد ما تعذر الاقناع والاقتناع .
لمجلس نيابي خذل الامة واصبح دون مستوى طموحات هذا الشعب الجبار.
" تنذكر ما تنعاد " لحكومات تبدأ وطنية وتنتهي عميلة ،ومنتوجا مستوردا .
لفساد مستشرٍ ، ولهدر مالٍ ، وسرقة خيرات هذا الوطن .
"تنذكر ما تنعاد " على ولاء طغى على الهوية اللبنانية وعلى انتماء ضاع ما بين  نظام وولاية .
" تنذكر ما تنعاد " على اجهزة حكم مسيّرة وعلى المصالح المعتبرة فوق كل اعتبار، على القضاء ، على الاصلاح وحقوق الانسان وحق الوطن وواجب المواطن.
تنذكر ما تنعاد على هذا الوطن ، على لبنان .
ايها اللبناني
لندع العاطفة جانبا ولنتكلم بالعقل وبالمصلحة الوطنية العليا ،كل فرد يختبئ خلف "تنذكر ما تنعاد " ولا احد يجرؤ على قول الحقيقة . كل من زاوية مختلفة يشعر بقرارة نفسه بانه الخاسر الوحيد من هذه الحرب وبالتالي يتمنى ان يصحح هذه النتيجة ، انه شعور الغالب والمغلوب الذي بات واضحا الان اكثر من اي وقت مضى .
لا اريد التطرق الى التفاصيل حتى لا يقال عني اني من دعاة الحرب ، ولكن الوقائع لا تكذب وشحن النفوس لا يُستّر، وانتهاك حرمات الناس وحريتهم السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية وحتى الحرية الشخصية كلها تتجه نحو ما نخشاه كلنا ، ونعود "نتخبى بخيال اصبعنا " ونقول " تنذكر ما تنعاد " .
ايها اللبنانيون
كلكم اسستم لحرب اهلية الا نحن في الجنوب ، كل احزابكم استعدت لها الا نحن ،كلكم شاركتم بها على اساس طائفي ومذهبي الا نحن ، تعددت عندكم الولاءات وتنقلتم بين الاعداء الا نحن ، ربحتم وتنازلتم وقبلتم وختمتم اتفاقات " الطائف ، والدوحة ، والاخوة ، الى آخر ما بصمت ابهامكم اليسرى واليمنى الا نحن، نحن من دُفع اليها واُجبر على خوضها ، ونحن في مهب الريح  ، كلكم رضيتم بالذي اصابنا وتساهلتم مع ضمائركم حتى نسيتم وقع صراخها ،آلاف المهجرين والمهاجرين ، واللاجئين ،والمحتجزين ، والمغيبين والمفقودين ، وبعد كل هذا تأتوا الينا وتقولوا "تنذكر ما تنعاد "؟ .
اخي اللبناني
لست من هواة الحرب، ولا من هواة العنف، ولا الصمود والتصدي ولا الاستسلام والتخاذل. انا من هواة بل من عبدة لبنان والارز ، انا واحد من الذين سقوا التربة دماءً وحملوا راية الوطن عالية حرة ، انا واحد من الذين قاتلوا سنوات طويلة   دفاعا عن قيم لبنان واحلام لبنان وصيغة لبنان ،لا احد يستطيع ان يثني عزيمتي ، ولن اقبل الا بالحق لكل صاحب حق وبالهوية لكل من يستحقها .
بالله عليكم كفى " تنذكر ما تنعاد " .


السبت، 14 أبريل 2012

مرْ ما منو مفرْ

لا ادري اذا كان المجتمع الدولي يشكك في قدرة الشعب السوري على الاستمرار بثورته ، ولا ادري اذا كان هذا المجتمع يظن ان الرئيس السوري غير جدي بقمع هذه الثورة بأية وسيلة وبأي ثمن . لكن الذي يعرفه الجميع ان ما بين الشك والجد ، يلعب اللاعب الروسي بكل حرية ، ويضع النقاط حيثما يريد ويحذف احرفا كيفما يريد دون رادع او حسيب ودون اية مواجهات تذكر من قبل الاعضاء الدائمين في مجلس الامن الدولي . والذي نعرفه أيضا ان الرئيس السوري عرف كيف يلعب على تناقضات المواقف العربية والاقليمية وحتى الدولية وها هو يسعى جاهدا لكسب الوقت اللازم للقضاء على هذه الثورة .
لقد علمتنا الاحداث وبدون شك ان ما من ثورة شعبية الا ووصلت الى اهدافها ،وما من شعب انتفض الا وحقق ما يريد . ان ارادة الشعوب لا تقهرها آلة ولا يثنيها بطش مهما طال الزمن ، وهذا ما اوضحه التاريخ منذ فراعنة مصر وقياصرة روما مرورا بأشد الأنظمة قساوة من الخمير الحمر "كمبوديا" الى مجازر الابادة الجماعية في القارة السوداء ، وتبقى النتيجة ذاتها مهما تغير اللون وتقلب السلاح ، فالنصر للشعب دائما .
اخي القارئ
لا يمكن الادعاء بان ما يحصل في سوريا هو شأن داخلي ولا يمت بصلة الى دول الجوار وخاصة لبنان ، ونقول لبنان خاصة ، لأن في لبنان حلفاءً لسوريا واتباعا للنظام بعثيين اكثر من "ميشال عفلق "نفسه . هنا تكمن خطورة نتائج ما يحدث في سوريا على الساحة اللبنانية في الوقت الذي نرى فيه سياسة الحكومة اللبنانية سياسة ترقيع لا اكثر ولا اقل وهي سياسة " مسح اللحى وتبويس الشوارب "، سياسة ارضاء لهذا وترضية لذاك ، ولا احد يعي الاخطر وهو نتيجة الثورة السورية وما ستؤول اليه الاحداث ، فكلاهما مرٌ على لبنان : نجاح الثورة مرْ ، وبقاء الاسد امرْ ، وللأسف يتحلى اللبنانيون ما بين هذه المرارات بقانون انتخابي لا يعرفون اليه سبيلا ولن يفيدهم بشيء على الاطلاق ، حتى ولو جاؤوا بأفلاطون وسقراط والفارابي ، سيبقى النائب نائبا والمحدلة محدلة والنتائج معروفة سلفا . فلماذا لا يتركون هذا المشروع الفاشل جانبا وتوأمه مشروع الكهرباء ايضا . لن ينعم لبنان بالكهرباء سواء اتت من بواخر او معامل طالما ان المستفيد منها لا يدفع وطالما انها لأشخاص ومناطق ومحسوبيات ، وطالما ان الحاكم لا يعنيه المواطن وما يعانيه . ليعوا هذا الفالج الوطني وليتجهوا الى دراسة النتائج التي ستُفرض عليهم بعد الثورة السورية .
اولا : اذا انتصرت الثورة في سوريا – وهذا ما يتمناه كل حر في العالم – ستنتقل مباشرة الى لبنان ولكنها ليست ضد النظام ولا الدولة ، لان لا وجود لنظام ولا لدولة ، بل ضد نظام الدويلة "دويلة حزب الله " . ان الشعب اللبناني باعتقادي لن يترك ثانية تمر بعد انتهاء الثورة في سوريا لينزل الى الشارع مطالبا بأنهاء سيطرة السلاح وتسليمه للدولة وبانضمام الجميع تحت رايتها بالحوار او بالقوة ،  بالمظاهرات او بتبويس اللحى، بكسر الاذرع او برص الاكتاف. ان الهدف هو وضع لبنان فوق كل اعتبار والعبرة لمن يعتبر من الشعوب اذا نزلت الى الشارع .
ان انتصار الثورة السورية هو انتصار ذو وجهين :
- الوجه السياسي ويعني انتصار الحرية والديمقراطية على انظمة الرأس الواحد – الانظمة العقائدية والديكتاتورية ، وهو آخر عنقود الربيع العربي بإسقاط الانظمة التي حكمت شعوبها لأكثر من نصف قرن تقريبا دون ان تقدم لها شيئا سوى القمع والفقر وحضارة القرون الوسطى . ان هذا الانتصار السياسي هو انتصار على كل من يدور في فلك النظام وبالتالي فان الرسالة واضحة : سيأتيكم الدور فانتم اللاحقون .
- الوجه الديني "المذهبي " فيتمثل بانتصار السنّة في سوريا وانهاء سيطرة اقلية حكمت بيد من حديد وبالتالي انتصار على كل توجه غير سني ضمن الاسلام عامة، وهو موجه الى طهران والى حزب الله في لبنان . ان السنّة في لبنان سيتلقفون هذا الانتصار ليعدوا العدة لانتصار خاصٍ بهم وبنفس المعايير السورية ، انتصار ضد حزب الله وحلفائه "سياسي" وانتصار على الشيعة "مذهبي" . ان الساحة اللبنانية ستكون مفتوحة على جميع الاحتمالات ومن ضمنها الحرب الاهلية لان حزب الله لن يسلم بالأمر ببساطة بل سيدافع عن موقفه وعن مكتسباته ولا اعتقد بانه سيلجأ الى فتح الجبهة الجنوبية ضد اسرائيل لأنه يعلم ان لا احدا سيسانده وان مقولة الجيش والشعب والمقاومة ستكون قد سقطت فعلا. اذا سيكون توجه حزب الله الى الداخل اللبناني بفرض وجوده المطلق بقوة السلاح ومن ثمّ استثمار هذا السلاح وجعله خشبة العبور تجاه الدولة المدنية لعلمه ان الوقت لديه نافذ والمتسع ضيق جدا .
اما اذا بقي نظام الاسد " بقوة قادر" فهنا ستقع الكارثة الكبرى في سوريا نفسها وفي لبنان وبالتالي منطقة الشرق الاوسط ، باستثناء اسرائيل طبعا التي ما زالت على موقفها من نظام عائلة الاسد وهو الرضا وعدم البحث عن بديل تاركة الامور تأخذ مجراها بنفسها .ان اولى نتائج هذا البقاء على الصعيد الاقليمي هو وداع القضية الفلسطينية كلها ووداع الدولة الفلسطينية بشكل خاص لان بقاء النظام وان حصل سيكون نتيجة صفقة لاعبها الاساسي اسرائيل وروسيا ضمن الموافقة الاميركية الضمنية . هذا بالإضافة الى ازدياد نفوذ ايران بالمنطقة وستكون الشريك المحتمل لروسيا في اي محور عالمي جديد ضمن الحرب الباردة الجديدة انطلاقا من محور سوريا – العراق - ايران ، ولبنان (تحصيل حاصل ).
اما على الصعيد المحلي وفيما يخص سوريا نفسها فبعد استباب الوضع للنظام سيعمد حتما على الغاء كل ما عدّله في الدستور ويعود الحكم كما كان " القديم على قدمو" كما يقول المثل اللبناني العامي ، وسيشهد الشارع السوري عملية تطهير لا مثيل لها بين صفوف الجيش والامن والشعب اشد قساوة من الحرب نفسها .
اما بالنسبة الى لبنان فان بقاء الاسد يعني ثلاثة انتصارات :
الاول : سياسي وهذا يعطي الافضلية لحزب الله وحلفائه ويطلق يده في قلب المعادلة اللبنانية من المناصفة الى المثالثة ، وهذا انقلاب على الطائف بالوقت المناسب ودون اي رادع او مُراجِع . ايضا سنشهد بزوغ بعثين جدد وسيتكاثرون الى حد سنخال انفسنا في حضرة "الحوراني وعفلق " . ان هذا الانتصار السياسي سيوجه مباشرة الى تيار المستقبل  وسائر مكونات 14 آذار .
الثاني : وهو عسكري وسيطبق في الاحتلال الكامل للبنان من قبل الحزب والسيطرة المطلقة على الجيش والامن الداخلي وسائر الاجهزة الامنية ، وستشهد الساحة اللبنانية عمليات تخويف وترهيب اقلها الاغتيالات السياسية على غرار ما حصل للدكتور جعجع ، وسيصل لبنان الى معادلة المقاومة فقط وهي صاحبة الكلمة الفصل في السياسة والامن والاقتصاد وقرار السلم والحرب .ان بقاء نظام الاسد في سوريا يعني زوال لبنان الدولة والكيان ، وما على القوى الاخرى فيه الا حزم امرها اما بحزم امتعتها والرحيل والتفتيش عن وطن بديل واما المقاومة وهذه المرة بمقاومة مسلحة بكل معنى الكلمة حتى وان ادت الى حرب اهلية او الى تقسيم البلاد .
الثالث : وهو انتصار ديني ، اي انتصار الطائفة العلوية خاصة ومعها الشيعة عامة على السنة في سوريا ولبنان وبالتالي توجيه رسالة واضحة وقاسية الى الدول العربية وخاصة الخليجية بان هذا المذهب قادم اليكم وهو يتسع للجميع سواء بالعصا او بالجزرة وانه سيكون مصدر قوة الامة العربية كما كان ولا يزال مصدر فخر وقوة الامة الفارسية . هذا الانتصار سيؤجج الخواطر وسيوقظ كل تنظيم سني متطرف من القاعدة الى السلفية وحتى الاخوان المسلمين في الدول العربية والذين هم الآن بموقع شك من الثورة السورية ، وصولا الى "طالبان ،وبوكو حرام " كلهم سيتقاطرون الى اعلان حالة الطوارئ الدينية والمذهبية للوقوف في وجه هذه الهجمة الشرسة . اذا ان بقاء نظام الاسد سيكون كارثيا وسيجعل الشرق الاوسط بركانا وساحة حرب محتملة في كل لحظة ولكنها لن تكون اسرائيلية ابدا .
عزيزي القارئ
ان الكيل بمكيالين في التعامل مع الازمة السورية شأن خطير جدا ، ربما لن تظهر نتائجه في المدى المنظور ولكنه يؤسس لفتنة فكرية واجتماعية وسياسية ، وربما تتطور الى فتنة مسلحة اذا استحالت معها التفاهمات والحوارات وعمليات الاقناع والاقتناع .لقد حاولتُ ان الفت النظر مرارا الى خطورة هذا الموضوع ولكن العامة كما يبدو لا تعيره الاهمية ولا تعتبره ذا شان لأنه خارج اطار التداول الجدي . لذلك ارى ان تبسيط الامور يمكن ان يساعد في تسليط الضوء اكثر .
ان التساهل مع الانتهاكات السورية للحدود اللبنانية هو امر مريب ويصب في خانة الخيانة الوطنية ويدعو الى التوقف والتعمق بالأمر :
هل اطلاق النار من الجانب السوري "الاخوي" علينا نحن اللبنانيين مسموحا ويعتبر طبيعيا ، في حين ان مجرد تحليق للطيران الحربي الاسرائيلي يعتبر اعلان حرب ؟
هل انتهاك الجيش السوري لحرمة الاراضي اللبنانية في وادي خالد وفي القاع وعدة اماكن اخرى هو امر طبيعي جدا ويأتي من ضمن معاهدة الاخوة بين البلدين ، في حين ان اقامة جدار على الحدود الشمالية الاسرائيلية يعتبر عملا عدوانيا ؟
هل انتهاك ايران للسيادة اللبنانية بالتدخل المباشر بدعم وتسليح فئة ضد فئة اخرى وعلى حساب الوطن والقوى الشرعية فيه يعتبر عملا بطوليا تشكر عليه ، في حين ان تدخل مجلس الامن او الدول الغربية يعتبر عملا منافٍ للأعراف الدولية و تدخلا مباشرا بالشؤون الداخلية للبنان ؟
هل مسموحا لهم ان يدمروا نصف لبنان من اجل اطلاق المعتقلين من السجون الاسرائيلية ، ولا يتكرمون على امهات اللبنانيين المفقودين في السجون السورية بإعطائهم ولو بارقة امل صغيرة بانهم سيدرسون الامر مع السلطات السورية حتى ولو بأوقات فراغهم ؟
هل الاستعانة بالأنظمة الديكتاتورية والعقائدية امر مشروع لطرد الاستكبار العالمي الاميركي ، في حين يُسمح لهؤلاء المتنمرين بتلقي العلاج في ربوع اميركا اذا ما تعرضوا لعارض صحي ؟ او الهرب اليها في حال وقوع خطأ ما في حسابات بلدانهم مستغلين الديمقراطية الغربية التي يحاربونها ومستغلين شرعة حقوق الانسان التي غابت من قاموسهم . واني اسأل الجميع : لماذا لا يسحب هؤلاء المعادين لأميركا عائلاتهم واولادهم وارصدتهم وتجاراتهم من اميركا ووضعها  في طهران للتصدي والمقاومة ومقارعة الاستكبار ؟
لماذا لا يستبدلون الدواء الاميركي بالدواء الايراني والسوري والروسي ؟ كما استبدلوا ربطة العنق الغربية بالقبة الفارسية ؟
اخي القارئ
انا لا اعطي الحق لإسرائيل ابدا باستباحة المجال الجوي اللبناني ، ولا اعطي الحق لأي كان باستباحة الارض وانتهاك حرمة الحدود ، بل رغبت بإعطاء صورة الواقع الذي نعيشه في ظل هذه المعادلة غير المنصفة .
هذا التعامل اللامنطقي اوصل البلاد والعباد والمنطق الى ما هم عليه الآن ، ونرى صورة المستقبل واضحة بالأحداث التي نشهدها في الشمال اللبناني وآخرها استشهاد مصور تلفزيون الجديد علي شعبان على يد الجيش السوري .
اما الكيل بمكيالين داخليا فهو في منحى اخطر واشد قسوة اجتماعيا وسياسيا وتفرقة حزبية حتى دينية .ان محاولة اغتيال الدكتور سمير جعجع اظهرت مدى تواطئ بعض اصحاب السلطة وخاصة في مجلس الوزراء . اننا ندين بشدة هذه المحاولة  ولكننا ندين اكثر محاولات طمس الحقيقة وعرقلة مسار التحقيق باختلاق الحجج حول قانونية تسليم "داتا" الاتصالات . اقول لكم ايها السادة : لماذا لدينا داتا اتصالات ؟ولماذا نتعب ونجد في استيراد مثل هذه التقنية ؟ اليست لحماية السلم الاهلي في لبنان ؟ ام انها رهن فئة من الناس دون اخرى ؟ واقول بكل صراحة ، لو ان المستهدف من 8 آذار ،فهل تأخذ داتا الاتصالات وقتا لتصل الى آخر شاويش في التحقيق ؟ ان اظهار الحقيقة امام الرأي العام اللبناني صعب في هذا الوطن المعقد  والذي اصبحت فيه الحقيقة مسيسة ومجزأة .
اما في ملف التعامل مع اسرائيل الذي اضحى اضحوكة اللبنانيين على مختلف انتماءاتهم ، فلا اريد الغوص اكثر بل اناشد كل عملاء اسرائيل في لبنان ان يلتحقوا الآن بالتيار العوني – ولا اريد ان اقول التيار الوطني الحر  لأنه فعلا فقد شرعيته الوطنية ، واصبح حرا في الولاء والتبعية – ليلتحقوا الآن قبل الغد ليضمنوا محاكمة سريعة وسهلة ، وخروجا مشرفا من السجن في حال وقعوا في شرك الدولة ، وانا على يقين بأنهم ربما سيصلون الى الندوة النيابية اذا كانوا على تعامل رفيع المستوى مع اسرائيل .
اما ملف تسليم السوريين النازحين الى السلطات السورية ، فأقل ما يمكن عمله هو احالة المسؤولين على القضاء المختص ، لأن من يسلم لاجئا هاربا من النظام السوري ، كأنه اشترك في عملية اعدامه ، ومن يروج للنظام ويسهر على بقائه كمن يسهل عملية اعدام الشعب بكامله وعلى الشعب السوري الكريم ان يقول كلمته بهم لاحقا .
اخي القارئ
ازاء هذه المعطيات وهذه التقلبات فان بقاء الوطن يبقى رهن قياداته وخياراتهم ورهن ضميرهم ومسؤوليتهم التاريخية . فإما ان يبادروا الى تحصين الساحة الداخلية فعلا لا قولا لمنع امتداد نتائج الثورة السورية الى لبنان ، وذلك بإعلان مشترك باسم الجميع بان لبنان وطن نهائي لكل ابنائه وهو يتسع للجميع على حد سواء ضمن اللعبة الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان ، واما ان يعدّوا العدة لأزمة حقيقية تفوق الحرب الأهلية تأكل "الطائف "، وتعيد التماس محليا واقليميا .


السبت، 7 أبريل 2012

القمة العربية "نقمة ام نعمة "

ومرة اخرى يفشل القادة العرب في اتخاذ موقف موحد تجاه القضية السورية ، ومرة اخرى يفشل القادة العرب في الظهور بمظهر القادة المسؤولين تجاه شعوبهم . ومرة اخرى تذكرنا القمم العربية الحالية بتلك التي كانت تعقد بعد كل نكسة وكل هزيمة ، تلك القمم ولآتها المشهورة تتكرر اليوم بآهاتها :
آه من التضامن العربي                                                                   
آه من الشعب العربي
آه من المجتمع الدولي
اخي القارئ
آه من التضامن العربي الذي اصبح تضامنا استنسابيا وفق مصلحة كل دولة ، بل وفق مصلحة الطوائف وفي بعض الاحيان مصلحة القبائل ، ولعل هذا التضامن كان السبب الرئيسي في تداعي قوة الوحدة العربية ، من حيث استعماله في ضرب  بعض الدول ، وفي ابعاد اخرى ، وفي دعم ما تبقى اذا بقي ما يلزم .
ان التضامن العربي الحقيقي يجب الاّ يتوقف على الدعم المعنوي او المادي كما جرت العادة ، بل يجب ان يتخطى كل هذه القرارات التي اصبحت شكليات معروفة محليا ودوليا ليقفز الى نوعية التضامن الفكري والحضاري بترجمة استراتيجية ضمن خطط مدروسة جيدا، لتصبح تضامنا في فهم العقول العربية وفهم الجماهير في تطلعاتها وابراز ثقافة التنوع الاجتماعي وثقافة الديمقراطية وتداور السلطات .هذا هو التضامن المطلوب الذي يهيئ لأرضية صالحة للحرية والمساواة وحقوق الانسان والاتجاه لأنهاء دور الانظمة العقائدية ذات الراس الواحد بطرق سلمية لا ترتكز على الثورات ولا الحروب ولا الاستعانة بالخارج . للأسف ان التضامن العربي حاليا اصبح داء الوطن العربي كله ، ونراه في القمم كأنشودة الوقوف على الاطلال في استذكار قادة وترحم على انظمة والخوف من الآتي :
قفا نبكي من ذكرى حبيب ومــــنزلِ       ما بين القاهرة وصنعاء حتى الموصلِ
ذرفنا الدمع على القدس واليوم على        انظمة هـوت واخـرى بالدور سترحـلِ

الم يحن الوقت لتغيير ما بأنماط القمم العربية ؟
الم يحن الوقت لوضع مبادئ واسس تقوم عليها القمة علّها تحاكي التطور الفكري والحضاري للشباب العربي ؟
الم يحن الوقت لجعل الجامعة العربية مؤسسة لها قانونها وشروطها ؟
لا اتكلم عن مدينة فاضلة ولا عن ملائكة معصومين ، بل اتكلم بكل بساطة ووضوح: لما لا نجعل بعض الشروط في القمة كما ولو كانت دستورا او قانونا يُطبق في كل بلد منتمي الى الجامعة؟ اي بمعنى آخر لتضع الجامعة العربية شروط انتساب عصرية :
احترام اختيار الشعوب لأنظمة حكمها بالطرق الديمقراطية
لا وجود لأنظمة عقائدية ديكتاتورية في الجامعة العربية
لا وجود لأنظمة وراثية او وليدة الانقلابات العسكرية او ممدد لها تحت اية ظروف
السير بالأنظمة الملكية والاميرية باتجاه النظام الملكي الديمقراطي ضمن استفتاءات تُنظم تحت اشراف الجامعة العربية وبحضور مراقبين امميين .
تعدل القوانين المعمول بها بالدول الاعضاء لتتلاءم مع شروط الجامعة
يشكل مجلس جامعة عربية على مستوى قادة ورؤساء سابقين ممن نقلوا السلطة سلميا او ممن انتهت مدة ولايتهم بالطرق القانونية والدستورية ، ويتمتع هذا المجلس بصفة مراقب عام للقمم العربية واعطائه صلاحيات يقرها القادة العرب.
عزيزي القارئ
هذه بعض النماذج التي يمكننا البناء عليها بعد دراستها وتنقيحها بالطبع مع اهل الخبرة والعلم والقانون ، وما جئت بهذه الافكار البسيطة الا من باب الحث على التغيير ووضع اللمسة عليها ، علّها تسلك الطريق وتصل الى القاهرة .
اننا لا نقل شأنا ابدا عن اوروبا ولا عن انظمة ديمقراطية في العالم ، بل تنقصنا الجرأة لاتخاذ القرارات الشجاعة ،بل تنقصنا بحق جرأة احد القادة او اكثر وذلك للإعلان على الملأ عن نية الجامعة العربية ان تسير في معادلة الديمقراطية والحرية وكرامة الانسان العربي والسهر على حقوقه وتطلعاته وطموحاته .
ان الفيتو الروسي في مجلس الامن الدولي ضد قرار اممي يدين العنف في سوريا هو اذلال للعرب وقادتهم بالقدر الذي اراد منه الروس تذكير الاميركيين بانهم اي الروس لا يزالون قوة عظمى ، وانهم قادرون على اتخاذ قرارات من شأنها ان تضع حدا للسيطرة الغربية على مجلس الامن حسب الرأي الروسي .ولكن الاهم من ذلك ان هذا الفيتو جاء ردا على محاولات القادة العرب وقف حمام الدم في بلاد الشام وايجاد الطريقة المناسبة لأنهاء حكم الاسد ، وقد جاء أيضا ضد الاجماع الشعبي العربي وضد تطلعات شعوب المنطقة باختتام الربيع العربي بإنهاء آخر معقل عقائدي وحكم ديكتاتوري وراثي .ان روسيا اذلّت العرب كلهم قبل ان تضرب بعرض الحائط مصالح الشعب السوري وتطلعاته نحو الديمقراطية والحرية ، وان نجاحها في ذلك جاء نتيجة السكوت الاميركي للدلالة على الرضا من هذا الموقف لأن سوريا ونظامها لا يمثلان الآن اي بعد استراتيجي او قومي لأميركا ولا اي بعد اقتصادي لها او للأوروبيين كما كان الوضع في العراق او ليبيا او اليمن .من هنا رأينا ان الفيتو الروسي "والصيني تحصيل حاصل " لم يجابه بهجمة اميركية شرسة لأبطاله او لثني روسيا على تغييره ، وذلك نزولا عند الرغبة الاسرائيلية بإبطاء عملية الضغط على النظام حتى تنجلي صورة البديل المحتمل له، وبعد اجراء بعض الحسابات حول ايجابيات بقاء النظام الحالي بالمحافظة على هدوء الجبهة الشمالية مع بعض التحفظات عليه بسبب دعمه لحزب الله في لبنان .
ازاء هذه المواقف كان لا بد للقادة العرب من اتخاذ موقف صارم وحاد تجاه روسيا ،وان رد الملك السعودي على الرئيس الروسي ومطالبته بالتحدث مع العرب قبل الفيتو وليس بعده لم يكن كافيا ، بل كان يجب قطع العلاقات الديبلوماسية ووضع روسيا في مواجهة العرب وجها لوجه ، اما القبول بما يراه العرب ومجمعون عليه واما القطيعة الشاملة والكاملة . واني اتساءل : ماذا يخسر العرب من قطع العلاقات مع روسيا ؟ أسيخسرون الاستثمارات الروسية في البلدان العربية ؟ ام شريكا تجاريا مهما ؟ ام ،،ام ،،
ان الوضع الحالي شبيه جدا بالوضع الذي ساد ابّان حرب 1973 حين قرر الملك فيصل " رحمه الله " قطع امدادات النفط عن الغرب وخاصة اميركا نتيجة موقفها الداعم لإسرائيل . فلماذا لا يتخذ القادة العرب موقفا مشابها بموقف السعودية السالف الذكر ووقف كل اتصال مع روسيا حتى تغيّر موقفها؟
اما بالنسبة الى لبنان وسياسة النأي بالنفس ، هذه البدعة المضحكة والتي تدعو الى السخرية اكثر منها الى التعجب ، هذا النأي بالنفس الذي يفرضه الفريق الحاكم في لبنان " حزب الله واعوانه" على فريق 14 آذار وعلى كل مناوئ للنظام السوري ، في حين يُسمح لفريق 8 آذار بل يُطلب منه ابداء التأييد والتطبيل لصالح النظام السوري . ان كل ملاحظة او كل موقف يصدر عن قوى 14 آذار يعتبر تدخلا في الشؤون السورية وخروجا عن سياسة النأي بالنفس ، بينما المواقف الاخرى المؤيدة لسوريا توضع في خانة المصالح القومية العليا للبنان وبالتالي لكلا البلدين حتى ولو جاءت من اسرائيل.
نعم ، وبين الفينة والاخرى يُتحفنا بعض الساسة اللبنانيين بمواقف اقلّ ما يقال فيها " لله العجب "وآخرها تلك التي علت مؤخرا معلنة انتهاء المؤامرة على سوريا وان معركة تدميرها قد انتهت وان سوريا في طريق العودة الى مسارها القومي في قيادة الصمود والتصدي والعودة للممارسة دورها الريادي للأمة العربية .
اخي القاريء
لا بد من سؤال بكل بساطة: ما هو الدور الذي لعبه النظام السوري على مدى خمسة عقود من الزمن ؟ وما هو الفارق الذي احدثه هذا النظام على الصعيد الاقليمي والدولي ؟
اولا : لقد جاء النظام السوري بعد هزيمة 1967 مدعيا بانه الوحيد الذي يمكنه اعادة الكرامة العربية ومحو آثار العدوان .
ثانيا :حرب 1973 " حرب تشرين المجيدة " كما يدعي النظام ، ولولا العناية الاهية والتدخل السوفياتي لدى واشنطن لدخلت القوات الاسرائيلية دمشق .
ثالثا :دخلت القوات السورية الى لبنان تحت غطاء المساعدة وما لبثت ان انقلبت الى قوة احتلال ووضعت لبنان تحت الحكم العسكري المباشر من غازي كنعان والكنعانيين الى رستم غزالي والغزاليين حتى انهاء هذا الاحتلال وخروجه مرغما تحت الضغط الدولي وعلى دم الرئيس الحريري عام 2005 .
رابعا :اجتاحت اسرائيل لبنان عام 1982 ودخلت العاصمة بيروت لتكون بذلك اول عاصمة عربية يدخلها الجيش الاسرائيلي . ماذا فعلت القوات السورية لصد هذا الهجوم ؟ لا اريد اجابة من احد ولا يتكبدنّ احد الغوص لفبركة معارك ومقاومة وانتصارات ، فقد اشتركتُ شخصيا في هذا الهجوم وخاصة على محور وادي التيم ولا اريد العودة الى سرد الاحداث وما شاهدتُ بأم العين ، ولولا تدخل الحبيب "فيليب حبيب " لوصلت القوات الى مشارف دمشق من باب "المصنع " اي الجبهة الغربية . بعد ذلك طُرِدتْ منظمة التحرير من بيرت الغربية وخرج السيد ياسر عرفات ورجاله منها على مرأى من عيون الجيش السوري الذي سرعان ما اكمل المهمة الاسرائيلية واجهز على عرفات والمنظمة بطردهم ثانية من طرابلس في شمالي لبنان الى تونس .
خامسا :لقد دعم النظام السوري حزب الله في لبنان تحت شعار دعم المقاومة على حساب الجيش اللبناني الشرعي ومن ثمّ دعم الحزب بعد عام 2000 على حساب الدولة ومؤسساتها ، والهدف هو السيطرة على لبنان وترسيخ النفوذ السوري الايراني المشترك على هذا البلد ولجعله ساحة حرب "غب الطلب" للضغط على اسرائيل ولابتزاز اميركا . فاين هو الدور السوري الحامي للبنان ؟ .
اخي القارئ
 عدة مواقف للنظام السوري طبعت سياسته العامة في الشرق الاوسط  :
أ – لقد حافظ على هدوء الجبهة الشمالية لإسرائيل بشكل اذهل الإسرائيليين انفسهم
ب- احتل لبنان لثلاثة عقود كاملة، باستعمار جديد تحت اسم "الوصاية "
ت-اجهز عسكريا وبشكل كامل على منظمة التحرير الفلسطينية واخرجها من نطاق الجغرافيا الاسرائيلية .
ج – عمل ولا زال يعمل على تثبيت انقسام البيت الفلسطيني.
ح- عمل جاهدا على زعزعة الاستقرار العربي الشامل ولا سيما بعد اتفاقات كامب  ديفيد تحت شعار الصمود والتصدي .
د- قمع الحريات في الداخل والضرب بيد من حديد على كل محاولة للتطلع الى الحرية والديمقراطية ( أحداث حماه عام 1982 والاحداث الجارية الآن ) .
موقف واحد فقط يمكن ان نقول فيه انه من ضمن التضامن العربي والغيرة على المصلحة العربية وهو وقوف النظام السوري الى جانب تحرير الكويت من الاحتلال العراقي ( وبالطبع كان لبنان الثمن ).
اخي القارئ
منذ عام 1970 وحتى الآن لم يستطع النظام السوري استرجاع شبر واحد من هضبة الجولان لا في الحرب ولا في السلم. فلماذا الاصرار على بقائه ؟ الم يأخذ وقته كاملا في الحكم وادارة البلاد والعباد ؟ الم تكفيه اربعون سنة للاستعداد للمعركة المصيرية ضد العدو ؟ لماذا لا نترك المجال لنظام آخر يختاره الشعب السوري بحرية ؟
نعم ، آن الاوان للساسة اللبنانيين ان يُهدئوا السنتهم قليلا ويريحوا مسامع الشعب اللبناني من هذه النغمة التي اكلها الصدأ ولم تعد تُقنع الا ذوي العقول الصغيرة .وآن الاوان لأتباع النظام السوري في لبنان ان يدركوا بأن الانظمة العقائدية والديكتاتورية آيلة للزوال لا محالة .

                                

الثلاثاء، 27 مارس 2012

لعنة الزعامة


رجلان حكيمان تعبا من الحكمة وثِقَل الوعي ، وسئما من رؤية صفاء الحقيقة وعدالة الاقدار . قررا الخروج الى عالم اكثر مغامرة واقل مداراة ، عالم لا ينقصه كمال ولا يحدّه خيال ، عالم يئسَ منه الملل وأمِلَ ان لا يجده اليأس . خرجا الى طبيعةٍ لا طبع فيها ولا تطبُّع , الى مجتمعٍ لا جماعات فيه ولا افرادا ، وتجولا في ربوع جنة الخلد آملين بموت يخلدهما .
جلسا على رابية مطلة على بلدة كانا قد مرّا بها منذ فترة ، وقد تركت في نفسيهما اثرا عميقا من الألم والحسرة لما لقيا فيها من تباعد وتخاصم ونفور بين مختلف فئات سكانها ، ولِمَا ابدوه من لامبالاة ليس فقط حيال مستقبلهم ومستقبل اجيالهم بل اكثر من ذلك على ما ابدوه من سوء تقدير وتدبير لوجودهم بالذات .
قال احد الحكماء : ليلعن الله هذه البلدة ويصيبها بمرض عضال ليلقى اهلها حتفهم لأنهم غير جديرين بالحياة كما يجب ، فان المجتمعات التي لا تحترم الحياة ولا تحميها ولا تقدس حقوق الانسان كشرع الهي ، لا مجال لها بالحياة ولا تستحق عناء البقاء. ضحك رفيقه وقال : لا ،، لا تقل ذلك ربما يوجد بين اهلها من يستحق الحياة والبقاء وحسن الطالع فلا تخلط الحابل بالنابل ، ولكني انصحك بان تطلب من الله ان ينعم عليهم بأكثر من زعيم . التفت اليه صاحبه متعجبا : أترى ذلك ؟ وهل في ذلك ما يفي الغرض ؟ قال له اسمع يا رفيقي : ان اشد سوءاً تطلبه لأمة هو تعدد الزعامات فيها ، فلا امة عظيمة تستطيع السير قدما وفيها زعماء خاصة ان كانت غالبيتهم عجزة لا يستطيعون الحراك ويكثرون الكلام وفعلهم ما قل وأثمر . ضحكا معا وقالا: اللهم ابعد عن بلدتنا الزعماء واتقنا شر خلافهم بل اتقنا شر تعاونهم. آمين .
اخي القارئ
لقد لعنت الآلهة لبنان وكفرت به واهدته زعماءً وزعماء حتى امتلأت بهم الارض احياء وامواتا . ولكنها بئر لا تنضب ولا تجف ، انه استنساخ ، وصدق من قال " كل مين حد المير مير " ، فالزعيم عندنا زعيم ، وابنه زعيم ، واخوه زعيم ، وسائقه ومدبر منزله ، وحارسه الشخصي وحارس مزرعته وكل من يقربه ويمت اليه بصلة ، كلهم زعماء بزعماء ، ولا مجال لمقارعة من اخرج الأمثال من بطون السنين ومتاحف الأقدار .
ان الزعماء يأتون من عصارة التضحيات ومن آلام المحتاجين ، يأتون من مدرسة الوطن لأنماء الوطن ، يأتون من بقايا المجتمع لبعثه من جديد ، يحتضنهم الشعب ويتشعب حولهم لينمون ويزدهرون ، يأتون من باطن الامة ، تفرزهم وتُكبِّرهم وتدعمهم ليدعموا بدورهم تلك الامة او ذلك المجتمع الذي تبناهم واتخذهم قدوة . للأسف ، صديقي القارئ ، لقد اصبحنا في زعامة تلد زعيما وتُخرِج له من بطن الامة الكبيرة امة خاصة به تدعمه بدورها وتُكبّره ليكبر من جديد وليفرز لاحقا منه زعيما آخر وجسما آخرا من باطن الامة الام . وهكذا دواليك ، تمر السنين وتعدو ونجد انفسنا في حضرة زعماء كثر وامم اكثر تناسلت من امة واحدة وتنازعت وكبرت فيما بينها النزاعات والخصومات والتحالفات والتفاهمات  وكلها على حساب الحضن الاساس الذي انجب الجميع وهو الوطن .
ايها اللبنانيون ، ايتها الامة المشرذمة المهشمة المفعمة بالفساد والانحطاط السياسي والوطني . ايتها الامة التي عقرت ( اي امة عاقر ) بعد فخر الدين وبشير وجبران ونعيمة ، بعد ، وبعد ،،اسماء لا تحصى بقلم ولا بورقة بل بتاريخ كامل وطويل اللهم اذا لم يأتِ احدهم ، زعيما من هنا وزعيما من هناك ليكتب تاريخا على هواه وحسب نهجه السياسي واصله المذهبي .
ايها اللبنانيون، ايها المجتمع المفكك المتناحر السائر نحو الهاوية ونحو النهاية بل انتم سائرون الى اللانهاية ، فلا نهاية لمن لا وجود له وانتم الآن سرابا من حقيقة وخبرا من كان .
لقد آلمتني كثيرا قصة كتاب التاريخ ، وآلمني اكثر تصرف السياسيين الزعماء وكأنهم من صَنع هذا التاريخ وبكل وقاحة يناظرون ويفقهون ويأمرون بإضافة هذا وحذف ذاك ، وغالبيتهم لا يفقه بالقراءة شيئا وان قرأ لا يفهم ولا يُفهِم وان فهِمَ يفهم حسْبَ ما يُرادُ له ان يفهم ، وكأنّ التاريخ عندهم فن من فنون الطبخ ونسوا ان التاريخ يُصنع ولا يُطبخ ، يُدرّس ويُحفظ ولا يعلّب ويجفّف .لكن ما آلمني اكثر من كل ذلك هو الشباب اللبناني الذي حمل راية التصدي للّعبِ بالتاريخ وهو بنفسه يركب اغلاطَ من يريد اللعب بالتاريخ .
ايها الطلاب ، اتوجه اليكم لأنكم انتم من سيدرس وسيدرّس هذا التاريخ ، اتوجه اليكم حزينا كئيبا بعد ما سمعت منكم عبر الشاشات والصحف وتأكدت بان آفة الزعامة ما زالت حية فيكم وترزق ولمست انجراركم نحو العصبية وعدم المرونة .
نحن لا ننكر على احد ما انجزَ ، ولسنا بصدد نكران الحقيقة ونحن لا نخاف الحقيقة ابدا بل نخاف عليها من الضياع . لا ننكر مقاومتكم في تل الزعتر ولا الكرنتينا ولا ننسى ابدا مقاومتكم في زحلة وشرق صيدا . لا ننكر عليكم ايضا انتم شركاؤنا في الوطن مقاومتكم للتدخل السوري في صوفر وبحمدون ولا ننسى تفانيكم بالدفاع عن جبلكم . لا ننكر عليكم انتم ايضا اخوتنا في الوطن تضحياتكم ومقاومتكم ضد الوصاية ودفع ثورة الارز الى الامام حتى خروج المحتل السوري. لا ننكر ابدا مقاومتكم انتم ايضا رفاقنا واخوتنا وشركائنا في الوطن ضد الاحتلال الاسرائيلي في الجنوب حتى خروجه نهائيا . لا احد ينكر مقاومة اللبنانيين على مختلف ميولهم  وفي مختلف المناطق اللبنانية . لا احد ينكر ولا احد يتنكر فإننا نحترم الخيارات والمسارات سواء كانت سلبية ام ايجابية فكل جهة آمنت بشيء وسارت فيه وهذا هو لبنان التعددية والحرية واحترام الخصوصية. ان الذي اجبرني على التوقف هو ما ادمى ضميري وضمير الجنوبين كافة ، هو نكران الحقيقة تجاه مواطنين شركاء لكم ايضا في الوطن . كم حزنت حين سمعت شبابا كنا بالأمس القريب نعتبرهم من اركان البيت . شباب ، طلاب يطالبون بتاريخ خاص بهم شأنهم شأن الآخرين الذين يعتبرون انفسهم اعداء لنا واننا لسنا بشركاء معهم . جميعكم تطالبون بتاريخكم دون التطرق الى الجنوب بكلمة واحدة . اقول لكم ايها الاعزاء : اذا كنتم تريدون تاريخا حقيقيا فعليكم البدء من عندنا لأن التاريخ المعاصر بدأ من الجنوب .
نحن اول مقاومة عرفها لبنان ضد الوجود الفلسطيني المسلح .نحن اول من ابتكر ونفذ " انصار الجيش " لحماية الدولة ومؤسساتها . نحن من بدأ في محاربة من تدركون جيدا انكم في طريق محاربته عاجلا ام آجلا . نحن اول من تصدى لكل من كان يريد المس بالدولة . نحن من ينشر غسيلكم ليجف ويلبسه ثانية بدلا عنكم وانتم تتلهون في فبركة تاريخ بعيدون كل البعد عنه ومشاركتكم فيه شبه معدومة . ان من يريد كتابة تاريخ اصيل عليه ان يعرفه قبل ان يكتبه . عتبي على جيل ظنّ انه قادر على أحداث تغيير واذ به بحاجة الى تصليح وتصحيح ومعرفة تاريخه القريب والبعيد . اقول لكم بصراحة ، اذا كنا نحن الجنوبيين وخاصة الجيش الجنوبي اصدقاءً لكم ، فلماذا تنكرون علينا وعلى الاجيال الصاعدة تاريخا حافلا بالأحداث التي غيرت مجرى التاريخ اللبناني ، واذا كنا اعداءً لكم فعليكم دراسة تاريخنا " تاريخ عدوكم " لمعرفة كل خباياه وكل ثغراته لكسب المعركة ضده ، فبكلا الحالتين وجب عليكم دراسة تاريخنا الذي هو بكل فخر تاريخ من تاريخ لبنان العظيم .
اسمحوا لي ان اعود قليلا بالذاكرة لأذكّر من نسي ، انني مواطن جنوبي حاربت منذ اتفاق القاهرة الى جانب الدولة والجيش ضد المد الفلسطيني المسلح الذي احتل ارضي وصادر قراري ، فاين كنتم ؟
بعد فرط عقد الدولة تحالفت مع الاقرب اليّ جغرافيّا اسوة بمن في الشمال والشرق ، تحالفت مع اسرائيل لمصلحة مشتركة وهي الحفاظ على الارض والعرض لحين عودة الدولة ، وانخرطت بالجيش الجنوبي وحاربت كل من كان يعتبرني عدوا له ، حاربت حزب الله من باب الرفض لاستراتيجيته وخططه ضمن افق ولاية الفقيه التي احترمها في ديارها والدولة الاسلامية التي لا تناسب تطلعاتي في الديمقراطية والحرية والمساواة ، وليس من باب عدم قبوله كشريك في الوطن ، فاين كنتم ؟
والسؤال:
هل هذا تاريخ ام لا ؟ وهل اربع وعشرون سنة من الحرب في الجنوب لا تمثل تاريخا ؟ هل تريدون حذف هذا التاريخ من التداول بسبب تحالفنا مع اسرائيل ومحو سيرة شعب وجيش اتحدا معا طيلة هذه الفترة ؟ وهل نكران هذا التاريخ بسبب احتلال إسرائيل للجنوب ؟ لماذا ندرس تاريخنا مع فرنسا ؟ الم تكن محتلة لأرضنا ؟ ماذا تطلقون على علاقاتكم وتحالفاتكم وتفاهماتكم وولاءكم لسوريا او ايران او السعودية ام مصر ، هل هي تاريخ ام تعامل ؟  وهل علاقتنا مع اسرائيل هي من باب علم الاجتماع ؟ ام الجغرافيا والعلوم عند العرب ؟ انه تاريخ يا ابناء وطني ، تاريخ مجيد ومشرف بُنيَ على اسس وطنية لحماية الشعب والجيش والدولة ، في الوقت الذي كان فيه حكم الوصاية وما بعده بالعاً الدولة والجيش والشعب .
 توحدوا على رؤية واحدة ولا تدعوا لعنة الزعماء والزعامة تلاحقكم لا في مدارسكم و معاهدكم ولا في تاريخكم. ان هذا التاريخ هو ملك لكل واحد منكم فأحفظوه جيدا ولا تنكروه .
اعزائي ابناء وطني
اينما ذهبتم واينما كنتم فانتم لبنانيون ،ولا شيء في الدنيا يمكنه ان يغير ذلك .انت لبناني في كندا وفي البرازيل حتى ولو ازيلت بعض المقاطع من تاريخك . انت لبناني في افريقيا واوروبا حتى ولو اضيفت بعض المقاطع على تاريخك ، ولكنك لن تكون لبنانيا ابدا بدون تاريخ ، تاريخ حقيقي تتسلح به لتعلن عن هويتك بالفخر والاعتزاز ، ولن تكون لبنانيا صالحا على قدر المسؤولية في المجتمع الذي تعيش فيه حين تنكر تاريخك الاصلي او تحرِّفه .اقول لكم وانتم في شتى انحاء العالم اشهروا تاريخكم ولا تتنكروا له ، افتخروا بما عملتم وعمل آباؤكم من قبلكم ، وانتم ايها اللبنانيون في اسرائيل : لا تدعوا لعنة السياسة اللبنانية تتبعكم فيكفي ما تحملتموه من ظلم وجور بحقكم وحق اولادكم . لا تدعوا السياسة اللبنانية تفرقكم عن بعضكم ، لا تسمحوا لأنفسكم او لأولادكم بالانجرار وراء سراب الزعماء اللبنانيين ، اشرحوا لهم وافهموهم من انتم واخبروهم الحقيقة بانكم كبش المحرقة للجميع ، فلا هذا افضل من ذاك لنا ،فنحن واحد بالنسبة لهم : همٌّ وزال ، حمل وازيح عنهم وكل ما يقولوه هو ملح الرجال . استغلّوا كل فرصة ممكنة لتعليمهم وارشادهم واشباعهم ديمقراطية حقيقية غير مزورة وموجهة . ان الذي بين أيديكم في اسرائيل غير متوفر لغيركم في اي مكان في العالم ، حتى ان الذين في لبنان يحسدونكم على ما انتم عليه وفيه . ارحموا انفسكم واهتموا بعائلاتكم فهذه رسالة من ضحوا تجاهكم وهذه رسالتي لكم : لن نكون ابدا نسخة عن سياسيينا ولن نسير في ركب من خاننا وانكر علينا حقنا ، سنكون دائما كما كنا ابناء الجنوب الحبيب المعطاء ، ابناء الجنوب المخلصين ، ابناء الجيش الجنوبي ، ابناء آلاف الشهداء والجرحى سنكون كما عرفنا العالم " اللبنانيون الحقيقيون " .

الخميس، 8 مارس 2012

حقيقة بلا تاريخ

التاريخ ، ذاكرة الشعوب ومرآة الامم ، حكمة الماضي وصلابة الحاضر وامل المستقبل . التاريخ ، صفحات من مواقف ومواقف غيرت صفحات ، التاريخ تحقيق وتدقيق وتوثيق ، انه سيرة ابطال وشجاعة رجال . التاريخ حماية الحقيقة واعتراف بالخطأ ، انه مدرسة الاجيال ومؤسس الآمال ، فالتاريخ وطن لمن اضاع وطنا ، ولا وطن لمن اضاع التاريخ .
ما من شك ابدا بان التاريخ الحقيقي والشفاف يقف من ورائه مؤرخ صادق وموثق حكيم يعرف الحق من الباطل ويميز الصدق من الكذب ، والاستقامة من الخداع، ولنا نعم المؤرخين في هذا المجال برعوا في كتابة تاريخ مشرّف لهذا الوطن الصغير الذي ملأ التاريخ بل ان التاريخ قد فاض من أحداثه ووقائعه . نعم لقد منّ الله علينا بسبعة عشرة طائفة و بسبعة عشرة تاريخا ، فكل واحد منهم مميزا وله نكهته الخاصة له رجاله وله اخصامه ، له كتبه ومدارسه ، له مؤرخوه وله قراؤه .
عزيزي القاريء
كلنا قبلنا بالتاريخ وكلنا درسْناه ودرّسْناه في مدارسنا وفي كلياتنا وجامعاتنا ، وكنا ولم نزل على توافق تام بان هذا التاريخ هو تاريخ لبنان، هو تاريخنا بكل ما تخلله من ثغرات ومن تحفظات هنا وهناك ، ولنا الفخر كل الفخر بهذا التاريخ على مختلف طوائفنا ومذاهبنا، فيه عرفنا الصديق من العدو ، والغريب من القريب ،منه استقينا الاندفاع نحو المستقبل واليه نعود لنأخذ العبر والحكم ، ولكننا الآن لا نرضى ابدا بأية تحويلات في مساره ولم نقبل بمزايدة احد على الآخر طائفة كانت ام مذهبا ام جماعة او اشخاصا . واذا كان احدهم اليوم في موقع القوة والسيطرة فهذا لا يعني انه يمكنه تغيير التاريخ الى ما يريد ويرغب ، ولا يمكنه ان ينسُب اليه ما يريده وينكر على الغير ما كان حقا له . ان تربية الاجيال الصاعدة هي مسؤولية الجميع وليست حكرا على حزب او جماعة وليس ما يراه (الحاكم بأمر الواقع) هو بالضرورة صحيحا ويمكن فرضه وان ادخال " المقاومة " في كتب التاريخ واستفرادها وحدها في هذا الباب لهو ضرب من التعسف والعنصرية والمذهبية والغاء الآخر. لا يمكن ذكر مقاومة ونكران اخرى ولا يمكن ذكر رجال دافعوا عن لبنان خاصتهم دون ذكر من سبقهم في الدفاع عن لبنان خاصتهم ايضا ولا يمكن توثيق مرحلة من عمر الوطن ونسيان اخرى ، فالتاريخ كامل وشامل ولا مجال للتجزئة فيه .
لن اعود الى الوراء كثيرا ، وسأبدأ من اتفاق القاهرة المشؤوم عام 1969 تاريخ بدء المقاومة اللبنانية الجنوبية الاولى ضد الوجود الفلسطيني المسلح هذه المقاومة التي انطلقت قبل اية مقاومة اخرى على الارض اللبنانية. نعم لقد كنا السباقين نحن الجنوبيون وكنا الاوائل في انتهاج نهج المقاومة المدنية السلمية اولا ثم المسلحة ثانيا بعد فشل الدولة في تحمل مسؤولياتها والدفاع عن ابنائها وحمايتهم ، ومن ثم جاءت مقاومة الامام المغيب موسى الصدر بوجه الفقر والذل والحرمان والسيطرة والتهميج فكانت حركة المحرومين ثورة في وجه الطغيان والاستبداد (الحكومي والفلسطيني على حد سواء ) .نعم صديقي القارئ ، كنا في الجنوب الاوائل وطلائع المقاومة الحقيقية التي اضاءت شموع المقاومات من بعدنا على كامل الاراضي اللبنانية . لقد كنا الشرارة الاولى والناقوس الاول الذي ايقظ اللبنانيين على واقعهم الحقيقي وبث فيهم روح الانتفاضة والمقاومة ضد من كان يريد ابتلاع الوطن وازالته .من ثورة علاقة في صور الى ثورة طانيوس شاهين في الشمال الى دولة فخر الدين وثورته على الحكم العثماني ، الى انطلياس وعاميتها ، الى بشامون وراشيا الوادي ، الى الاستقلال ، الى ثورة عام 1958، الى الحرب اللبنانية الفلسطينية ، الى الحرب الأهلية اللبنانية ، الى المقاومة الاسلامية ضد اسرائيل الى ثورة الأرز ضد الاحتلال السوري للبنان ، الى والى ... كلها تاريخ من تاريخ هذا الوطن وإلغاءها هو الغاء للوطن .
ان مسؤولية كتابة التاريخ "كتاب التاريخ " لا تقع على عاتق الحكومة اللبنانية او المجلس النيابي او وزارة التربية فقط ، بل تقع على عاتق كل مفكر وكل مؤرخ ومثقف محب للحقيقة  ومخلص لإنجاح مسيرة السلم الاهلي والتقدم والازدهار والبعد عن النزعة الطائفية والمذهبية ، فان اية كتابة غير منطقية وغير واقعية لتاريخ لبنان ،ما هي الا سببا مبيتا وشرارة مستترة غب الطلب للإشعال نار فتنة جديدة في هذا الاتون الجاهز .
اخي القاريء
لا الرابع عشر من آذار ولا الثامن من آذار ، ولا حزب ولا طائفة ولا اي تجمع سياسي او مذهبي له الحق في كتابة تاريخ مفصل على قياسه او على أيديولوجيته او على مبادئه وتطلعاته ، بل الحق لنا ، نحن اللبنانيون في قراءة تاريخ صادق حقيقي وشفاف بعيد كل البعد عن التحريف والتزييف . لذلك اتوجه باسم الكثير من اللبنانيين وخاصة الطلاب وجمعيات المجتمع المدني ، اتوجه بكل امل ورجاء الى كل من يعنيه الامر وخاصة الاساتذة الكبار " الدكتور خليفة ، والدكتور حكيّم ، والدكتور سنّو ، والدكتور حسن ، هؤلاء الذين اؤتمنوا على اغلى ما يجب ان يُحتفظ به ويحفظه ويعلمه وينقله كل لبناني الى الاجيال اللاحقة "التاريخ " ، اتوجه الى كل من له صلة او علاقة او تواصل في كتابة تاريخ لبنان ، اتوجه اليهم بكل احترام واقول :نريد منكم الحقيقية ، والحقيقة فقط ، نريد تاريخا اصيلا نريد الوقائع كما وقعت ، والاحداث كما حدثت ، نريد سرد الاسباب والنتائج كما كانت وكما اتت ، نريد الاحاطة بكل جوانب الحدث مهما كانت ذيوله ومهما ترتب عنه ، نريد الحدث كما هو مهما كثر المعجبون به او المنتقدون له نريد هذا التاريخ ليكون الذاكرة الجيدة التي نعتز بها ، نأخذ منها الجيد ونفخر به ، وندرس السيئ لنبتعد عنه ونتجنبه . نريد ان يقرأ اولادنا تاريخا منقطا ومنونا ومدونا لا يستثني احدا ولا يتجاهل احدا ولا يحط من قدر هذا ويرفع من قدر ذاك ،ولا يميز فردا ولا جماعة ولا حزبا ولا طائفة على حساب بعضها البعض . ان التاريخ يتسع للجميع ، لمن له الحق في دخوله ولمن كان له العلامة الفارقة في صنع القرار الايجابي والمهم ، ولمن كان له الفضل في التغيير الى الافضل ، كما ان التاريخ يتسع لمن عارض وسلك دربا مغايرا واقتنع بما كان يراه صحيحا فالأحداث لا تحدث الا اذا توفر لها طرفان على الاقل ، والتاريخ لا يُكتب باتجاه واحد ابدا ،نريد المشاركة من الجميع ولا نريد تاريخا الا للجميع .
واذا تعذر ....
واذا اصبح كل طرف يريد الاضاءات الملائمة له ، واذا اصبح كل طرف يريد اضافة ما يراه مناسبا له ، واذا اصبح الطرف القوي يريد الغاء الطرف الآخر بحكم السلطة الحاكمة ، واذا اصبح التاريخ يُطبع بطابع من يريد طبعه ، ارى ان نقف لحظة ونقرر الأقل سوءا ، والأقل كلفة وطنية ونقول : لا نريد كتاب تاريخ ولتذهب الحروف الى الجحيم ،نحن من صنع هذا التاريخ ولا نريد كتابته ، نحن تربينا على ذلك منذ القدم ، نحن من اخترع الابجدية وغيرنا حصد جائزة "نوبل" ، نحن من علّم الطب وغيرنا يداوينا ، فلماذا لا نترك الامور تسير على عادتها ، ربما عزيزي القاريء اذا كتب تاريخنا اجنبي وترجمناه نكون قد رضينا بما كتب هذا "الفيلسوف عن حمقنا " نقبل به ونرضى كما نحن عليه الآن راضون بكل ما يأتي من الخارج . نعم نقول هذا هو تاريخنا وانتبهوا نحن لم نكتبه فاذا عارضه معارض سيعارض من في الخارج واذا ايده مقتنع سيكون ايد من في الخارج ربما نكون في هذه الحالة قد تجنبنا حدثا او احداثا مؤلمة وهذه المرة من الداخل.
اخي القاريء
كما كنا نقول ايام الحرب عندما نريد الهرب من شيء ما نقول: هناك طابورا خامسا يلعب لعبته وبالتالي لعبنا كلنا تلك اللعبة . لنقول الآن ان هناك طابورا خامسا قد كتب التاريخ ولنلعب نفس اللعبة ونقبل به ونتبناه ، ولنجعل هذه الكوكبة من المؤرخين " طابورا خامسا" واقصد هنا طابورا جيدا وللصالح العام ، ونقبل ما سيكتبونه من تاريخ للتاريخ وبما اخرجوه من ذاكرة ضميرهم ووجدانهم وذمتهم وصدقهم واخلاقهم .
والا .....
لندع كل طائفة تكتب تاريخها كيفما تريد وكيفما ترتأي وتدرّسه لأبنائها بمدارسها الخاصة كما هو الحال الآن وليكون كتاب التاريخ اللبناني ،( تاريخ الطوائف اللبنانية )، ولنترك حرية اختيار اكثر من تاريخ للطالب نفسه  ، ولنترك طلابنا يفتشون عن الحقيقة بين كتب فاضت بما جادت علينا طوائفنا الكريمة .
اذا سُئل احد التلاميذ : ما هي اسباب الحرب اللبنانية ؟ اشرح وناقش .
ماذا سيكتب هذا الطالب ؟ اليس من البديهي ان يتوجه توجها طائفيا ؟ سيكتب ما تعلمه عن طائفته وعن مواقفها وعن معاركها وعن بطولاتها ، سيكتب عما سمعه من الواعظ او النائب او الوزير الممثل لطائفته ، سيكتب الماروني عن السني وسيكتب الشيعي عن المسيحي والدرزي عن الارمني وسيحمل المسؤولية للآخرين وهكذا يدور الكل في دوامة التهمة والتهمة المضادة ، والسؤال الاهم : اذا كتب الطالب كتابة موضوعية وحقيقية ولكن الجواب لم يلائم الاستاذ المصحح ولم يأت على هواه السياسي او الطائفي ، فعلى اية علامة سيحصل هذا الطالب ؟
ان من قام بصنع الاحداث السابقة وشارك فيها ولم يكن مباليا بنتائجها وغير خائف منها او من تداعياتها ، فلماذا يخاف الآن مما صنعت يداه ؟ أيخاف من لعنة التاريخ ؟ ام يخاف من كشف الحقيقة ؟
ان التاريخ لم ولن يغير شيئا في الحقيقة بل هو يوثقها ويثبتها لينقلها لأجيال لاحقة ، هذا التاريخ سواء كان مكتوبا او غير مكتوب لن يغير شيئا فالمواطن الصالح سيبقى صالحا ولو كُتب عنه انه عكس ذلك والسيئ سيبقى سيئا وغير مخلصا مهما حاول من كتابة تاريخ ولو بأحرف من ذهب . ان الحقيقة تبقى بتاريخ او بدون تاريخ ، ولكن لا تاريخ يبقى بدون حقيقة .