الاثنين، 21 أكتوبر 2019

غطاء ام حذاء


  وأخيرا اطل الحق من حناجر عطشى لقول الحق،
أطلت الحقيقة لتقول لنا ها أنا فانطقوا بي ولا تخافوا،
أخيرا بزغت شمس الحرية وأطلت جموع الناس لاستعادتها
أخيرا نزل أبطال بلادي الى الميادين من دون سؤال من أنت؟ ولمن أنت؟
وأخيرا تشابكت الآية مع الإصحاح، وهتف الجرس للمئذنة معلنين بدء ثورة لبنان الحقيقي، لبنان الفينيقي، لبنان قدموس وجبران، لبنان فخر الدين والأمير الشهابي، لبنان سعيد عقل ونعيمة، لبنان التاريخ من كمال جنبلاط الى رفيق الحريري مع تحيات قافلة الشهداء الأبرار الذين سقطوا دفاعا عن الوطن النهائي لبنان، أخيرا بزغ نور لبنان الإمام موسى الصدر والبطريرك صفير، نعم هذا هو لبنان وهذا هو شعب لبنان العظيم الحقيقي.
إخوتنا من في الساحات تحت الشمس والمطر ، أهلنا من في الطرقات والمفارق ، يا من حملتم علم لبنان وحملتم معه آمال الملايين المساكين المتشوقين لأمل جديد ومستقبل جديد ، انتم الذين ترفعتم عن المذهبية والطائفية وعن الأحزاب السياسية سبب كل علة وسبب كل مرض وفقر وانحطاط ، انتم لسان حال الجميع وانتم محط أنظار الجميع ، فلا تستسلموا ولا تضعفوا واستمروا بهذه الانتفاضة المباركة وهذه الثورة الشعبية النقية الصافية ، ارموا كل الخلافات جانبا واتحدوا لتنقذوا الوطن من براثن من نصب نفسه سيد الوطن وحامي الوطن ،انقذوه من الفاسدين والسارقين وتجار البشر والحجر، ارموهم في اسفل القاع ولا تنظروا خلفكم ، انه الوقت وحان الوقت وصار الوقت لنقول كفى ، نعم كفى ،
كفى تسلطا، كفى فسادا، كفى نهبا، كفى كذبا، كفى استهتارا بنا، كفى جرنا الى حيث تريدون، ومنعنا من الذي نريد، كفى سحق هويتنا ودحر تاريخنا وهدم هيكلنا.
أخي اللبناني
بالامس اطل علينا السيد حسن نصرالله بإطلالة لا تخلو من الريبة والحذر، إطلالة لا تشبه سابقاتها من إطلالات الشرح والسرد والتباهي والذم والمهاجمة مسترسلا بعبارات الشعور بالوضع العام للمواطنين وداعيا الى رص الصفوف لإعطاء المواطن حقه الذي سلبه إياه العهد أو العهود السابقة ، ولكنه سرعان ما انتفض وعاد الى عاداته السابقة بالتحذير تحت طائلة السلاح وبمد الإصبع الذي عود عليه اتباعه وأنصاره وخوف فيه من يعارض أو يتحفظ ن عاد ليطلق شرارة الاستعلاء والتباهي ويعلن ان نزوله الى الشارع له ثمن وله نتائج وله تداعيات لا يتحملها الوطن . نعم يا سيد حسن صدقت فان الوطن لم يعد يتحمل إملاءاتك ولا توصياتك ولا أوامرك فالجميع بات يعرف أن كل بلاء الوطن هو منك ومن حزبك، وان كل فقر الوطن هو من سياستك في التبعية وتفضيل الغريب على القريب، لم يعد خافي على أحد بأن كل قرش يدخل الى لبنان لك منه حصة الاسد وان كل صفقات الحكومية كانت بالتغاضي منك بعد دفع الفاتورة، نعم إنك شريك كامل في مأساة اللبنانيين إسوة بباقي الشركاء وخاصة الحلفاء الأفاضل.
أخي اللبناني
أيها المسيحي وعذرا في أن أتوجه أليك طائفيا وخاصة أنت أيها العوني أو (التيار الحر)؟ ولا اعلم إن كنت حرا فعلا، أتوجه اليك وأتهمك مباشرة بالمسؤولية عن كل ما حصل للوطن منذ العام 2005 كونك كنت ولم تزل الغطاء الذي يطلبه ويستميت من أجله حزب الله. نعم رضيت أن تكون الغطاء لتصل الى الرئاسة وللأسف وصلت وأصبحت كما تريد ووضعتنا حيثما تريد، وتلاشت فكرة الحليف وضعفت مقولة الشراكة الى أن أصبحت تابعا قابعا تنفذ ما يريد الحزب على امل التتابع بالوراثة والانتقال العائلي، ولكنك تجهل فعلا ما أصبحت عليه وما تحولت اليه من غطاء الى حذاء.
 أنتم أيها المناصرون للتيار، كيف تقبلون بكلام زعيمكم وقائدكم الأغر جبران باسيل؟ فاذا كان هو لا يخجل من الذهاب الى سوريا فلماذا سكوتكم عن هذا العار؟ نعم عار لحق بكل لبناني شريف، دماء شهدائنا من جراء الغدر السوري وحلفاؤه لم تجف بعد، ولم تزل عصابات النظام السوري قابعة في لبنان تتحين الفرص لضرب الوطن، الى أين أنت ذاهب أيها الفيلد مارشال جبران؟ أذاهب لتدعم للمساواة بالاحترام والتقدير الدبلوماسي على الأقل بين البلدين؟ أم أنت ذاهب لدعم عودة السوريين الذين اجبرهم نظامهم على الهروب؟ أم أنت ذاهب لجلب اللبنانيين الأسرى بالسجون السورية؟ أم لجلب جثث اللبنانيين الذين أعدموا على يد ذلك النظام؟ ا مانت ذاهب لتجدد الولاء المباشر دون الوسيط الحزبي للنظام السوري على امل الرئاسة الأولى؟
أيها الأخوة
كلكم مسؤولون عن هذا الوضع وكما يقول المثل الشعبي "من الحفة للّلزقة"، كلكم نهبتم وسرقتم واستغليتم وكنتم شركاء السيد في كل شيء، يغطي أعمالكم مقابل تأييدكم له فأنتم أكثر من شركاء وأكثر من خونة وأكثر من فاسدين،تخليتم عن القرارواصبح الوطن بفضلكم سلعة بيده. فاذا كان مشروعه السياسي إيراني أو سوري أو ممانعة أو صمود أو القضاء على العدو، فما هو مشروعكم؟ الدولة القوية؟ بوجه من؟ ولمن؟ أو التغيير والإصلاح؟ إصلاح ماذا؟ أو تغيير من؟
جمهورية قوية؟ وغالبية الشعب تحت خط الفقر والإهمال؟ اشتراكية او ديمقراطية أو مستقبل أو. أو... وأنتم بحالة لا انتماء ولا ولاء للوطن بل للخارج كلكم، كلكم دون استثناء.بايعتم وبعتم وهل بقي شيئ لتسموه وطن؟
إخوتي اللبنانيين
لنقل الحقيقة كما هي ولنقل الكلمة الصريحة دون مواربة، ملايين الدولارات هدرت على الكهرباء والنفايات والمياه والصفقات المشبوهة، ولا أحد خلف القضبان أو على كرسي المساءلة، وحدهم من يطالبون ويعانون في السجون، وحدهم من قدموا للوطن ما لم يقدمه غيرهم في السجون، وحدهم من يؤمنون بالوطن النهائي بالسجون، وحدهم من ليس لهم سندا ولا حزبا أو تنظيما خلفهم بالسجون. نعم آن الأوان للانتفاضة والثورة، آن الأوان ليعرف كل سياسي وكل حزبي حده وخطوط تماديه.
إخوتنا ليتنا نستطيع أكثر من التضامن، ليتنا نستطيع أكثر من الكتابة، ليتنا نستطيع المشاركة الفعلية ولكن قدرنا أن نراكم من بعيد ونبكي من قريب ونشد على حناجرنا علها تصلكم عبر الحدود.
نحن من دفع الأثمان الباهظة منذ العام 1969،نحن الجنوبيون الاوائل من باعتنا الدولة، نحن من استباحنا واستباح ارضنا عرفات وثورته،نحن من دفع ثمن الاجتياح السوري والحزبي اليساري والاسرائيلي،نحن من دفعنا ثمن الهيمنة الحزبية لحزب الله واعوانه، نحن من أرضيْنا الجميع على حساب عمرنا ورزقنا، نحن من هُجّر واُبعد، دفعنا شهداء وجرحى وأيتام ومفقودين وبعد أكثر من خمسين عاما لا زلنا على أتم الاستعداد للمتابعة والتحمل على امل أن نراكم تنقذون ما لم نستطع أن ننقذ، وتفعلون ما لم نستطع أن نفعل، تابعوا واستمروا فالحق معكم والله معكم وقلوب اللبنانيين من كل أنحاء العالم معكم.
آن الأوان للتغيير، آن الأوان لولادة لبنان الجديد.
آن الأوان للثورة البيضاء الراقية.


الاثنين، 16 سبتمبر 2019

لوين بعد؟



عادت في الآونة الأخيرة نغمة اللبنانيين البسطاء السذج حول العمالة والعملاء بعد عودة النقيب السابق في الجيش الجنوبي الأخ عامر فاخوري الى لبنان. نعم هذا ليس بجديد على قوم اعتاد النهوض كلما وُخز واعتاد الكلام كلما اُمر واعتاد الصياح كلما باضت الصديقة أو الشقيقة أو بدأت تنقشع الحقيقة.
عشرون عاما مضت وكأنها قرون من الانتظار، لا للعودة الى الوطن بل لمشاهدة نهوض وطن داس عليه هؤلاء القوم الذي رأيناه ينتفض ويهد ويرعد دفاعا عن "الكرامة والحرية".
عشرون عاما ونحن ننتظر ظهور المخلص الحقيقي لبلد القديسين والأئمة والأسياد، وها نحن نرى استمرارية الولاء والانتماء للسيد البعثي والفقيه الفارسي، وبأعلى الصوت وبكل وطنية نزحف نحو مستعمرة ابرويز ومستوطنة عفلق.
نعم كنا في حرب لا هوادة فيها ولا تهاون ، نعم كنا على مفترق طرق ما بين الوطن الحر المستقل وبين دولة عرفات البديلة ، وحملنا السلاح فيما كانوا هم يحملون أبا الهول وأبا الجماجم على راحات الأيدي بدءا من اليسار السياسي وصولا الى التطرف المذهبي .نعم واستمرينا بحمل السلاح ووقفنا ضد الوصاية العربية وعطف الأشقاء الى أن أصبحت احتلالا عسكريا استمر لثلاثين عاما عمل المحتل السوري على تغيير الهوية اللبنانية بكافة جوانبها وانتم كنتم بجانب المحتل المغتصب بل  اكثر من ذلك حاربتمونا بكل قواكم لنزعنا من الجنوب ولتسهيل بسط نفوذه على كافة الأراضي اللبنانية .نعم واستمرينا وبعد انتهاء عهد إمارة أبو عمار وانكفائه الى الخارج ومن ثم الى دويلته المستقبلية ، وبعد الأرز والورد والزهر في استقبال الجيش الإسرائيلي المخلص لهؤلاء الجهلة الذين رأيناهم اليوم يرهولون الى سجن الخيام ، نعم هم انفسهم ولو اختلفت الأسماء والأعمار ولكنهم مذهبا واحدا وقَسَما واحدا وصلاة واحدة .نعم تغيرت الموازين وأبرمت الصفقات وتغيرت مواقع القوى وتبدلت الأسلحة وانتهى الاحتلال الإسرائيلي وتبعه الاحتلال السوري لندخل في احتلال آخر عسكري وديني وثقافي واجتماعي ، احتلال للهوية وللقرار والقبض على ما تبقى من الهيكل اللبناني لجعله مطية إمام قُم وعكازة نظام القرداحة .
ونحن في الجنوب كنا من الستينات اللقمة الشهية لكل من يرغب ولا زلنا مكسر عصا لكل من يريد أن يلعب وأنتم لا زلتم أدوات الرغبة واللعبة.
عملاء؟ عملاء؟ ومن في لبنان ليس بعميل؟ هذا إذا سلمنا جدلا بالمفهوم المجازي للكلمة.
عملاء إيران وعملاء سوريا وعملاء السعودية وعملاء كوريا وروسيا الى ما هنالك من أسماء تستطيع أن تدفع وتمول، الستم كلكم عملاء؟ أوا ليس لكل من هذه الجهات سجنا في لبنان بمعنى أو بآخر؟ ناهيك عن سجن لبنان الكبير وكم من جزارين تبادلوا الأدوار والمهمات.
نعم، أنتم يا من وقفتم في سجن الخيام للمطالبة باشد العقوبات على عامر فاخوري، هل تتجرؤون بالوقوف بوجه جزار سجن روميه؟ أو سجن وزارة الدفاع اللبنانية أو سجون حزب الله المنتشرة والله ولي التوفيق؟ هل تتجرؤون بالوقوف أمام إشارة سير للمطالبة بسجن جزار السجون السورية المكتظة بالمساجين اللبنانيين أو بالأحرى بجثامين اللبنانيين؟ هل تتجرؤون بالوقوف دقيقة صمت واحدة على روح الطيار اللبناني سامر حنا؟ وقاتله سيدكم ومرشدكم وضاوي دربكم؟
لنتكلم بصراحة وبمنتهى الحرية (ربما أنا استطيع التكلم بحرية فقط) في مسألة العداء لإسرائيل من بلد تحكمه الطوائف والمذاهب، ولا يختبئنّ احد وراء إصبعه، إن عدوك ليس بالضرورة عدوي وان صديقي ليس بالضرورة صديقك، يكفي من المهاترات والمزايدات في قضية العداء لإسرائيل فوالله ما من عدو لنا إلا من يضمر الشر لنا ويسيطر على قرارانا ويتحكم بمصيرنا من اجل أهداف وغايات أنزلت عليه ،ما من عدو لنا الا من استباح البشر والحجروجعل من نفسه سليل القدر والمقدر، لكل منا حريته بالاختيار ولكن للأسف فان اختيارنا لم ينجح لأننا كنا الحلقة الأضعف بهذا الصراع وهي حلقة السلام والعيش الآمن الحر الكريم ، وهذا ما أثبتته الأيام في بلد غلب منطق السلاح فيه على كل منطق آخر، ودفعنا الثمن الباهظ فوق كل ما دفعناه وقبلنا باسدال الستارةعاى مغامرة المئات من الذين رافقونا وساروا معنا عبى درب المصالحة والتحالف مع اسرائيل من اهل السلطة السابقة والحالية ، مدنيين وعسكريين، مقيمين ومهاجرين، فارحموا انفسكم واسكتوا ، واسكتوا .
صدقا، لا أريد فتح صفحة الماضي الذي طويناها الى غير رجعة ولا أريد الدخول في جدل غير مجدي ولكني انصح تلك الأبواق الرنانة المأجورة من نواب وصحفيين ومحامين وجمعيات وأحزاب أن ينصرفوا الى عمل نافع ويدقوا ناقوس خطر إفلاس البلد وانهيار الوطن. دقوا جرس إنذار ليسمع الجميع وطالبوا بالقصاص من الذي يدفنكم بين أكوام النفايات، ومن الذي باعكم للخارج كمنتوج بشري تحت الطلب، ومن الذي سخّر صحتكم لصالح عصابات المولدات، ومن الذي أفسد الفساد نفسه من القصر الى النهر، ومن الذي يدفع بكم الى الهجرة والتسكع بالخارج،اطلبوا القصاص من ارهابي السلطة وسلاطين النهب وابادة المقدرات. نعم اطلبوا القصاص من الذين رهنوا أرزاقكم وكل ما تملكون بل الوطن برمته للخارج بدين فاق الاحتمال، وبحلف لا قدرة عليه.
وبالنهاية كنا بحرب نزولا عند رغبة دولتنا آنذاك ولم نخرج عن طاعتها أبدا، (واسألوا الفخامة والدولة والمعالي والسعادة) كلنا حاربنا وكانت لنا معتقلاتنا ونحن كنا نعتقل كل من يخالف نهجنا وأهدافنا كما فعل كل من قاتل في الحرب.
 دافعنا عن بيوتنا وقرانا ووجودنا بعد غياب الدولة وتخليها عنا.
 سجنا كل من رأى أن المنظمات الفلسطينية هي الأحق بلبنان،
اعتقلنا كل من حاول أن يحوّل لبنان الى محمية إيرانية أو مزرعة سورية
ابعدنا كل من كان ضد السلام والعيش المشترك
قاتلْنا كل من قاتلنا تحت أي مسمى أو هدف، وسجنا كل من تآمر علينا

كما كل الأحزاب اللبنانية التي انغمست بالحرب والتي كانت لديها معتقلات، كانت هناك أخطاء وتجاوزات ولكن هل يطبق مبدأ المحاسبة فقط على الجيش الجنوبي؟
مئات الألوف من القتلى بالحرب اللبنانية، وعشرات الألوف من المفقودين، والآلاف من المعتقلين، الم يكن لهم "جزارين" في مكان ما وزمان ما؟
اطووا صفحة الماضي واغلقوا هذا الكتاب الأليم، فان كنا عملاء فأنتم أيضا، وان كنا قتلة فأنتم أيضا، وإذا كنا خونة فأنتم أيضا وان كنا مأجورين فأنتم أيضا.
لنخرج كلنا من هذه الشرنقة ولنصنع حريرا دافئا يغمرنا كلنا.



الأربعاء، 22 مايو 2019

دمع احفادي


نهضت باكرا كعادتي وبدأت الاستعداد لهذا اليوم المميز غير العادي في حياتي وحياة أسرتي وآلاف اللبنانيين، مهاجرين أو مهجرين، مبعدين أو بعيدين، انه يوم اعتدت فيه أن أزور الحدود وأتفقد ما تركت وانظر إلى ما بنيت وأتألم على ما آلت اليه تلك الربوع العزيزة، وان أفي بوعدي لأولادي وأتابع ما قد بدأت به منذ تسعة عشر عاما بأن أقصّ عليهم كل عام قصة من الجنوب، قصة تعيد لهم الأمل برجاء جديد وأمنية جديدة.
ما أجمل العودة لحلم وان ضاع، ولمكان حتى ولو تغير، وما أجمل الوقوف دقائق وساعات من اجل ذاكرة لا أريدها إلا أن تبقى كما كانت محاولا نقل ما أستطيع لجيل نشأ بعيدا وكبر غريبا.
فاقت دهشتي حسرتي وأخذني العجب أكثر من الحنين حين لم أجد سوى القلة القليلة من الرفاق الذين اعتدت أن أراهم في مثل هذا الموعد. تألمت كثيرا ودمعت عيناي من يقين كان بالأمس القريب مستحيلا وها أنا أمام الذي كنت أخشاه دائما، النسيان ثم النسيان ثم النسيان.
لم أجد كلمة واحدة أقولها لأولادي علها تنقذني مما أنا فيه، ولم أجد وسيلة للهروب من واقع عودتهم عليه وأشبعتهم ترسيخا وإيمانا بأن الوطن لا يبدل أبدا. نعم ربما هذه المرة الأولى التي أجد فيها نفسي عاجزة عن الحوار وعن الكلام، خاب أملى وأثقلني الاستياء وأبكاني هذا المشهد المؤلم.
كسر الصمت وسألني: ماذا هناك يا أبي؟ ولماذا هذا السكوت المريب؟ قلت له انه الحنين والاشتياق، إنها العودة إلى الذات، إنها الذكريات التي لا تموت.
يا بني سأقص لكم قصة من بلادي، قصة من الجنوب، قصة عن الوحدة والتضامن والمحبة، قصة الخندق الواحد والهدف الواحد والمصير الواحد. هكذا كنا صغارا وكبارا جنودا ومدنيين من مختلف المناطق، جمعتنا حالة الوطن الممزق، وخلقنا حالة لوطن نمضي فيها قُدما يدا واحدة وهدفا وحدا. حلمنا بالحرية فدفعنا دما، حلمنا بالكرامة فدفعنا التضحيات، حلمنا بالسلام فدفعنا ضريبة البعد والتفرقة والتهجير، حلمنا بوطن فأفقنا على لجوء.
إخوتي وأحبائي
ليكن هذا اليوم دافعا لإعادة الأحلام إلى حقيقتها، لنتمسك بتربيتنا اللبنانية الصحيحة، لنحافظ على تراثنا الاجتماعي والأخلاقي، لنعلم أولادنا المحبة والتسامح والتضامن، لنكون أسرة لبنانية واحدة، ولنبني مجتمعا لبنانيا نتباهى فيه ونفتخر.
الثالث والعشرون من أيار، يوم مراجعة وتأمل ومحاسبة: ماذا عملنا وماذا أنجزنا وما يجب أن يكون مستقبلا. لنجعل من هذه الذكرى حافزا للحمة والتقارب، وإعادة ترتيب البيت الذي أوشك على السقوط، ولنجعل من هذا اليوم بداية قصة جيل جديد:" لبلادي مع دمع أحفادي".

                                               
                                                
                                             

الثلاثاء، 10 يوليو 2018

وطني


إني أكره لبنان، لأنه جعلني كافرا بعبادتي له.
جاهلي أنا، جاهلي في الإيمان والتقوى في الخشوع والخضوع والطاعة، في الحب والتضحية والفداء، جاهلي أنا يا وطني ويا ليتها تنمو وتكبر وتنتشر وتعدي من حولي لنصبح جاهليون نعبد هذا الجسم الذي لا حدود له، انه روح من روح كل مواطن، انه لبنان انه وطني انه جاهليتي، انه الذي اعبد واجل رغم الديانات والأنبياء والمرسلين. أنا عابد الحجر، عابد الشجر، عابد لبنان.
يا بني
لا أجد الكلمة المناسبة والملائمة لأبسّط لك الوطن وما يعنيه، ولا أجد الطريقة السهلة لان أصف وجود الوطن داخل العرق النابض، ولكنني سأمثّل لك كيفية زراعة الإنسان في الأرض فينمو بفضل الماء والهواء وينتعش ويشمخ ويكبر ورجلاه تغذياه من تلك الأرض الطيبة، وتأويه وقت يحين موعد الغفو الهنيء، انه الوطن ... لحاف دافئ وطمأنينة دائمة... وحب لا يبرد.
يا بني
إن الوطن هو انتماء وولاء،
انتماء في الحضور المميز والرفعة والفخر حين تسأل: من أنا؟ ....
وولاء في التضحية والدفاع والمحافظة حين تسأل: لمن أنا؟
إذا عرفت الإجابة الصحيحة تكون عندئذ قد أدركت وطنك فيك، وعرف وطنك طريقه اليك، واعلم يا بني انه حين يضعف الانتماء يصغر الوطن ويضمحل ويتقوقع، وحين يتجزأ الولاء تتشقق صورة الوطن ويضيع، فانت ما بين الانتماء والولاء أساس الاستمرار والبقاء.
وطنك أرزة وسنديانة وشجرة زيتون، انه الجبل والسهل والساحل، انه النهر والجدول والشلال، انه صنين وحرمون، انه الرؤيا التي لا تنتهي والأمل الذي لا يفارق، انه جبلة الأحرار والأبطال، انه السيف والساعد والقلم، انه لبنان ما قبل التاريخ وما بعد السطور انه الوطن الذي نُحسد عليه ولا يُحسد بمن فيه، انه أنت وانا وهم وهؤلاء، انه الجمع للجميع والواحد للجميع والباقي للجميع فلا تضيعه أبدا لأنك ستضيع وستضعف وستعود من جديد كطفل رضيع فوق رصيف النسيان والإهمال.
عندما كنت صغيرا كنت انتظر يوم الأحد بفارغ الصبر لأرى كاهن البلدة وهو في طريقه إلى الكنيسة ولسماع تراتيل لم أكن افهم منها كلمة واحدة بل كانت تأنس لها أذني وترتاح لها روحي، وكم كنت اجلس كل ظهيرة يوم لسماع آذان جامع بلدتنا ولأهذب نفسي بكلمات قاربت معانيها ما كنت اسمعه في الكنيسة. يا بني ، كنا لا نعلم اذا كان عيد الميلاد للمسيحيين والأضحى للمسلمين بل كنا نعلم بأن هذه الأعياد هي لنا كلنا وانها أعياد الوطن كل الوطن ، كنا نحتفل ونحتفل ونخرج بأبهى حلة ، يد بيد وكتف قرب كتف نعيد ونهنئ وندعو بالخير للجميع .هكذا تربيت في بلدتي وهكذا كبرت على حب هذا المجتمع وهذا البلد وهذا الوطن ، أحببته منذ صغري ولم اعرف أبدا إن كان يحبني أم لا ، لم اسأله ولم أحاول مجددا أن اسأل بل كنت اكتفي بالهواء النقي والماء العذب والثمر الطازج ، بالرفقة الحميدة والصداقة الصادقة ، بالمجتمع الآمن المسالم ، هذا هو وطني الذي ولدت فيه وهذا هو حبي الذي أحيا من أجله .
نقف على أطلال وطن بنيناه بالدم والعرق والعزم والأمل، نقف أمام شواهد كانت شاهدة على الإقدام والتضحية، نقف أمام حلم تبدد واضمحل من عدم يقظة الحالمين، نقف يا بني أمام بشر قدسوا الحجر فأصبحنا دمى لا حياة فيها، أسدلوا الشوارب فغابت الابتسامة وأرخوا اللحى فتشوه الوجه، فنحن ما بين الشارب واللحية فم يأكل ويشرب، ويصمت، ويصمت.
إن قلبي يعصر ألما، وان خاطري مكسورا، وانا الملم من ذكريات كانت بالأمس القريب مدرسة للوطنية الصحيحة، إني ابكي على ما كنت أهوى وأقدس، أقف عاجزا عن النطق وعن الفهم وعن الإجابة، من نحن؟  ولمن نحن؟


الثلاثاء، 22 أغسطس 2017

بالرغم من كل شي

ولدته امه بخلاف الطبيعة وربته تربية الشبل بالعرين ، شبّ على العنفوان والفخر ولامس الغرور في التوجه والمخاطبة ، لبس شخصية الأنا وتنكر لكل آخر فالمرتبة لا تحتمل الكثرة والاختصار واجب في زمن كثرت فيه الزعامات وتنوعت تنوع طرابيش الرؤوس ومسابح الأيادي .
يُحكى أن أحد هذه الرجالات الفذة كان بسفرة راجلة بين القرى بصحبة زوجته الجميلة يتمتعان بجمال الطبيعة ويستمتعان بما وهبه الله وأنعم ،غير عابئين بحلول الليل وما يجلبه من خوف بسبب قلة الأمن وسوء التدابير لضمان حياة آمنة هادئة ،وهكذا استمر صاحبنا بنزهته رغم كل ذلك الى أن فاجأه أحد النافذين صارخا به وشاتما ولاعنا  هذا التجوال المشكوك بأمره متهما اياه بكل ما أوتي من نعوت وصفات من العمالة الى الخيانة الى السرقة والتآمر والتخابر، وحيك المؤامرات وصولا الى الإرهاب والانتماء الى كافة تنظيمات الأرض ناشرة الفساد والعبث بأرواح البشر ،مستفسرا عن سبب هذا التجول وعن التصريح الذي بحوزته وما هي السلطة التي خولته بهذا التنقل وبدأ بالتحقيق معه تارة والتكلم عبر الجهاز تارة أخرى، وبعد كل ذلك قال له: أسمع يا هذا أني أريد أن أحتجز امرأتك ريثما يتم التحقيق معها وهناك بعض المعطيات السلبية والشكوك التي من شأنها أن نأخذ الأمر بجدية .أيقن صاحبنا أن في الأمر حلقة مفقودة  وأن الامر متجه نحو الاسوأ وخاف كثيرا وبدأت ترتعد فرائصه ملتمسا الرحمة والرأفة من هذا الرجل .قبل صاحبنا بقصة التحقيق مع زوجته ودعاها الى الشجاعة والصبر وأن كل شيء سيكون على ما يرام  في الوقت الذي كانت هي على أشدها ذعرا وتعجبا من موقف زوجها الذي ان لُخص بعبارة (ان زاحت عن ضهري بسيطة) .
حاول الرجل أن يثني قاطع الطريق (الحاكم) عن فعلته ولكنه فشل بإقناعه، وسرعان ما أذعن للأمر ورضخ بعد أن هدده بالويل وعظائم الامور أن هو تمادى في الاقتراب ووضع له خطا على التراب وقال: ايّاك ان تتجاوز هذا الخط ، فأن فعلت ستندم كثيرا وابتعد قليلا مع زوجة الرجل وقبلها أكثر من قبلة (في سياق التحقيق)  وأخذ وقته معها بكل هدوء وراحة وبعد ذلك انصرف .
صرخت الزوجة بوجه زوجها متهمة أيّاه بالخوف والجبن وأنه ليس يرجل ذي كرامة وشهامة وقالت :
 كيف يُعقل ان تتركني مع هذا الرجل وأنت لم تحرك ساكنا؟
 كيف لك أن تنفذ أوامره دون أي اعتراض؟
كيف لك أن تتهاون بشرفك ؟
 أين رجوليتك ؟
أين عنفوانك؟
أين كرامتك؟
 وقفتَ صامتا ساكتا منحني الرأس ونفذت كل أوامره ألا تخجل ؟
صرخ بها قائلا: اسمعي أتظنّين بأني خائف ونفذت تعليماته بدقة؟ غلطانة حبيبتي أنا لا أؤكل بسرعة ولا بهذه الطريقة، لقد تخطيت الخط الذي وضعه عدة مرات ولم يراني، أنا لم أنفذ ما أراد بالرغم من كل شروطه بالرغم من كل شيء أنا رجل والرجال دوني رجولة ومروءة.
غادرت وهي حزينة مكسورة الخاطر منحنية الرأس طالبة الخلاص ولو بالموت.
اخي القارئ
بالرغم من كل شي
جملة تطالعنا بها محطة تلفزيون الMTV  قبل كل نشرة مسائية وذلك لبث روح الشجاعة لدى اللبنانيين، جملة فيها من الاستسلام والتسليم أكثر ما فيها من تحدٍ وإقدام وكأننا ننعي المواطن قبل مماته ،وكأننا نعلمه أن فرص نجاحه في الخارج مضمونة أكثر بكثير من بقائه بالوطن مع العلم أن الغالبية العظمى من المتفوقين بالرغم من كل شي تفوقوا خارج لبنان .
اخي القارئ
انتهت معركة عرسال (الفيلم) وانتهت معها الدولة بكامل مقوماتها ومواصفاتها ، فرض حزب الله رأيه ومشورته وقدم نفسه المنقذ من الارهاب في الداخل وفي الخارج ناهيك عن منقذ لبنان من اسرائيل وبالتالي من العرب المتصهينين ومن كل من يجرؤ على المساس بأمن هذا الوطن ، نعم انتهت المعركة لتبدأ معها معركة أخرى وهي السيطرة الكاملة على مفاصل الدولة وإنهاء كل ما يمنع الفقيه عن ولايته .
نعم بالرغم من كل شي
بالرغم من سيطرة الحزب على الدولة ، فقد تمردنا وعبرنا الخط وأقمنا مهرجان الارز الدولي وغنينا للأرزة وللخلود رغم أنف الرافضين .
بالرغم من مصادرة القرار الوطني ، فقد تمردنا وعبرنا الخط وزدنا التمرد بإقامة المزيد من المهرجانات والحفلات والمسيرات .
بالرغم من نزع قرار الحرب والسلم من يد الدولة فقد تمردنا وعبرنا الخط وتحالفنا وأنتجنا رئيسا للجمهورية مسيحيا أصيلا ورئيسا للحكومة سنيا أصيلا وأبقينا على رئيس المجلس النيابي شيعيا أصيلا وبدأت اللعبة الديمقراطية بأن نلعب ضمن الخط ولا نتخطاه أبدا والا !!!!
بالرغم من كل شي
نقبل كل شي وذلك من أجل شيء نجهله أو لا نريد أن نعرفه،
ما لا أريد أن أعرفه هو اندفاع رئيس الحكومة بالدفاع عن الحزب كلما أُمر بذلك من واشنطن الى الرياض مرورا بالكويت والمنامة وباريس وغيرها .
ما لا أريد أن أعرفه هو انجازات هذا العهد الميمون منذ استلام العماد عون مقاليد السلطة باستثناء تضحيات فتى التيار الأغر جبران .
ما لا أريد أن أعرفه هو كيف أن تقاسم السلطة والمغانم يمر دون استجواب ولا عناء المساءلة والطرح والاستفسار.
ما لا أريد أن أعرفه هو كيف لنا أن نعلم الحريري بأن بعد زيارته الأولى لواشنطن نُكب وخرج مستقيلا ، وزيارته الثانية نُكب وخرج متسولا ، وبالرغم من كل شي لا يزال دولته مناضلا مكافحا متمسكا بحكومة أقل ما يُقال فيها (خيال صحرا).
لا أريد المعرفة لأنني لا أريد أن يوضع لي خطا،
فتبا لكم على هذا التخاذل الساقط
ألم يحن الوقت لأن يتأهل الشعب اللبناني من جديد ويتجول برفقة الشريك دون تصريح أو اذن أو خوف من خطوط حمراء وصفراء ؟


الثلاثاء، 11 يوليو 2017

عندما تحكم الصعاليك

قرية صغيرة معلقة فوق أحراج الصنوبر تتمايل مع نسيمات المساء الناعمة ، تتأرجح ما بين القمم منشدة أنشودة الزغاليل الدافئة . قرية أنعم الله عليها بهواء وماء ، بإطلالة السرور  وبهجة العبور ، قرية جمعت العيش السرمدي والتآخي الأبدي ،أنها النموذج الذي لا يُقلد ولا يُنسخ ولا يُعار .
يُحكى أن سوء تفاهم حصل وعكر صفو الهدوء ونعمة السكينة ، وفشلت كل المحاولات لسد هذه الثغرة العابرة وتحلّق أكثر من مُلمّ ودار وحكيم ولكن الأمور انزلقت والناس لم تكن مستعدة لهذا الانزلاق الذي اجتاح بطريقه كل من حاول التهدئة ولم الخواطر .
ضاق صدر الصبر ويئس الأمل وانحنت المحاولات فاشلة مستسلمة ، ودبّ الذعر معلنا حكم الفوضى وذهبت العائلات مسرعة الى تشريع التباعد والتنافر ، وهكذا تقوقعت أفكار المصلحين وانتهت الحال الى عسر عيش وقلق بال .كان لا بد من التفتيش عن حل ولا بد من العثور على من يمسك دفة الامور ويحافظ على ما لم يستطع الاخرون المحافظة عليه وبالتالي القبول والرضوخ لمنطق لا يشبه المنطق أبدا .
اذا وعلى غرار عائلات المافيا استلم القيادة أشخاص من صنع العائلات نفسها ومن نسج أفكار من آمن أنه يستطيع الخروج من هذا المأزق بتنصيب زعامة جديدة ترد على انتهاكات الاخرين وهكذا نبتت زعامات من أكوام اليأس والامل الاسود وباشرت العمل على لم شمل السواعد الفتية التي تخدم المصلحة الجديدة .
اخي القارئ
جولة بين عائلات لبنان السياسية ولمحة سريعة لمكونات الاحزاب المختلفة نجد أن حالتها تشبه كثيرا حالة تلك العائلات المسكينة التي نصّبت أجراءً لقيادتها وللدفاع عنها أو بالأحرى صعاليكاً زُرِعوا ليصبحوا رجالا بعد ما قلت الرجال ونضب نبعها .نعم كنا مع أبو علي واحد واصبحنا نرى (أبو علي) في كل ساعة وفي كل يوم ، في كل حادثة وعند كل واقعة ، أبوات في شراكة تخطت الانكشارية وتجاوزت أثقال الحوّالة ، واللبناني يغرد عند كل مغيب ويصدح بعد الكأس الثالثة ويتذكر ست الكل " ولا قصّر في الاعمار طول السهر" . نعم يسهر اللبناني للمحافظة على صعلوك خلقه بنفسه، ويسهر الصعلوك بدوره ليفحص وليتأكد أن هذا اللبناني ساهر حقا على المصلحة العامة.
صديقي القارئ
وزراء ونواب ضاقت بهم الشاشات وامتلأت بهم المنابر وحطموا الارقام بالكذب والخداع ولا يزالون في السباق آملين بأرقام أخرى لا لتحطيمها بل لحفظها لليوم العسير، وهذا اللبناني المحطم ينام على أرقام ويصحى على أورام . مسكين هذا الشيء الذي يحمل بطاقة ، فكم من أهانة وكم من مجازفة وكم من عار وكم من خجل ، أرفع صوتي فبالكاد أسمعه والحرام كل الحرام في رفع الصوت فالأذن لا تتحمل أكثر من صوت ، والوطن لا يحكم ألا بالسوط ، تلاقت الكلمات وتضاربت النتائج فهنيئا بعودة عهد المماليك وممالك الصعاليك .
مسكين أنت أيها الشعب العنيد ، عاندت الطائفية فعانقت المذهبية ، عشقت التعددية فدست على الحرية ، آمنت بالعيش المشترك فوقعت بالشرك ، ولم تزل تصدح  وتترنح بليل طويل وتستمر ست الكل : وكم توالى الليل ......ما يعجبني فيك هو أنك مستمع جيد وطالب مطيع تجلس بالصف وتستمع بكل صمت وسكون كي لا تفوتك كلمة أو يفلت منك حرف وفجأة تنتبه أن عليك التصفيق لا لعظمة المقال بل لصون الحال ، وتندم ..... وتندم لأن التصفيق علامة الرضا والقبول وانت!!! غير راضٍ ولا بقابل ولأن صوتك متروك لحاجة أهم وأعظم فتكتفي بالتمتمة والهمس والإشارة الخضراء ليقطع القطوع على خير ، واللهم اجعلنا من أهل الخير.
اخي القارئ
ما يدهشني بهذا الذي يحمل بطاقة أنه يصدق نفسه اولا بأنه صاحب الحق بإبرازها واخفائها ، ويصدق أيضا أن ما كتب فيها هو الصحيح بالرغم من معرفته أن أسمه ليس كالمطبوع فيها ولكن : أن قال الصعلوك أن اسمك هكذا فهذا يعني ال هكذا  وهكذا يطالعنا أحدهم بمشروع عجيب غريب ولا يمت حتى بصلة الى مشاريع الصعاليك فنتدافع للتأييد بيد من حديد ونستمر،، ونستمر ونتابع والصعلوك تراجع ونحن نستمر لا لقناعة بل لأن الكلمة لم تصلنا بعد وسوء الاتصال له عواقب وخيمة ونتابع مع طرب الليل: وامشِ الهوينة .....ونعود وكأن شيئا لم يكن ، ونعود الى البيت مع قطرات الصباح الباردة : فما أطال النوم عمرا ....رحم الله ام كلثوم .



الأربعاء، 11 يناير 2017

حكّلي ،،تحكّلّك

يُحكى ان اسدا كان يسيطر على الغابة ومن حولها سيطرة تامة ، ولا يأبه لأي حيوان آخر ، ولم يترك مساحة تتنفس فيها باقي اسرة البراري ولم يكن يسمح بأي عمل مضاد له ولا بأي احتجاج صغيرا كان ام كبيرا ، وهكذا استمد حكمه من البطش والتهديد والقتل اذا دعت الحاجة لذلك .
استمرت الحيوانات الاخرى الكبيرة والمنافسة للأسد بالعيش متجنبة الاحتكاك به او التحرش بمنطقته وكانت تترك له الفرائس اذا احتاج الامر وفرضت الحالة بعض التنازل من النمور والضباع الى الذئاب  والفهود .ضاقت الدنيا بالحيوانات الصغيرة كالكلاب البرية والثعالب وابناء آوى والتي تقتات عادة على فضلات الكبار وما تتركه بعد التخمة ، وامتد امر النفور والضيقة الى الحيوانات الاخرى بعد ان تمادى هذا الاسد كثيرا فبات يريد اقتسام الصيد مع الجميع والا الهلاك الأكيد والموت المشين لكل رافض وعاصٍ .
ومضت الايام والشهور وازادت الصعاب واصبحت الغابة تعج بالحيوانات الرافضة لهذا الوضع مما استدعى الجميع للتضامن والتكاتف وهذا ما حصل بالفعل عندما قرر مجتمع التمور والفهود بان يصطاد بكميات بجماعات ويأكل تحت الحراسة وبالمداورة خوفا من  انقضاض الأسد المفاجئ وبذلك امنت لنفسها بعض الحماية الذاتية الى حين ايجاد حل مناسب لهذه المعضلة .
سمع الثعلب ما دار بالاجتماع السري للوحوش وايقن ان فرصه بالحياة والنجاة اصبحت ضئيلة ولا سيما بأن مجتمع الثعالب هو مجتمع صغير وضعيف ويقوم على الاستجداء تارة والخداع تارة اخرى وغالبا يقتات على سرقة فضلات الوحوش الاخرى . نعم لقد دب اليأس بالثعلب المسكين واهلكته الحيرة فضلا عن الجوع ، واصبح التردد سيد افكاره وذلك بإخبار الاسد بتفاصيل كل ما سمعه ، ولكن ،،،، ماذا لو لم يصدقه الأسد ؟ وما مصيره ان صدقه وعرفت باقي الحيوانات بالأمر فمن يحميه منها ؟ اذا لا بد من حيلة ما لتدارك الامر وردع المخاطر وما من حيوان اذكى مني وادرى بمصلحته ، انا الثعلب الذي يلاعب الكل على اصابعه أأعجز عن ايجاد حل لهذه المشكلة ؟
واخيرا قصد الثعلب الأسد في عرينه وبعد ان استأذنه بالدخول وحصوله على الامان بدأ بالكلام المعسول واظهار مودته ومحبته لملك الغابة قائلا :
يا مولاي ملك الغابة وزعيم البراري وقائد الضواري ، لقد سمعت شيئا بالصدفة واثار دهشتي واستغرابي .
انتفض الأسد وزمجر بالثعلب المسكين: قل ما لديك وبسرعة
تابع الثعلب : يا مولاي سمعت حيوانات الطرائد تتفق على تسميم لحمها وذلك بأكل بعض انواع الاعشاب السامة والهدف هو التخلص من الحيوانات اللاحمة وخاصة معشر الاسود والنمور والفهود . نعم لقد آلمني ما سمعت وجئت مسرعا اخبرك بالأمر .
قال الأسد : وهل اخبرت الجميع ؟
قال له: لا يا سيدي ، فان اردت سأفعل ولكنني رأيت بعض الحيوانات النافقة في طريقي اليك ،
اطمأن الأسد وفرح وقال له : لا تخبر احدا بالأمر ، دع الحيوانات الأخرى تأكل لتموت ويرتاح بالي ، اما انا فسوف افكر مليا حتى اجد حلاً .

تنحنح الثعلب وقال : وكيف يمكنك يا سيدي وهل تقدر ان تعيش بدون طعام لفترة طويلة؟
استبقى الأسد الثعلب في عرينه وتودد اليه طالبا منه ان يجد له حلا لهذه المعضلة ، وطال الوقت ومر اسبوع وبدأ الأسد يشعر بالجوع وقد فضّل البقاء في العرين وعدم التجوال مخافة ان تغلبه الغريزة ويصطاد ويتسمم ، واشتدت وطأة الجوع وقال للثعلب :
الم تجد حلا بعد؟
تقدم الثعلب منه خائفا وهو يرتجف وقال:
يا مولاي ،، يعز عليّ ان اراك جائعا وهزيلا وانت ملكنا وسيدنا ، لذلك قررت ان افديك بنفسي ،
دُهش الأسد من هذا الطرح وقال له اكمل ،، ماذا بعد ؟
قال : سوف تصطاد ولن تأكل منه قبل ان أأكل انا فاذا اصبت بالوهن والهزل والدوخة وما شابه فهذا يعني ان الطعام مسمم ولن تتذوقه ، واذا لا ،، تأكل طبيعيا ونستمر بذلك الى ان نجد حلا ، واذا مت فسوف تستدعي اخي ليتابع المهمة .
فرح الأسد بهذه الخطة واقترب من الثعلب وعانقه وابقاه الى جانبه واسكنه معه في العرين ، وبذلك ضمن الثعلب المحتال الطعام الدائم والحماية الدائمة الى ان يقضي الله امرا آخر .
صديقي القارئ
الجميع في هذا الشرق "الغابة"  يمشي على مقولة الثعلب " حكلّي تحكلّك " وبدا واضحا وجليا تقاسم المصالح بين الدول وبين المنظمات وحتى الفصائل والتنظيمات الصغيرة ، كلهم في وضع  تبادل المنافع وكله على حساب المواطن ان لم نقل على حساب الاوطان كلها .
العراق مثلا ، بداية الحكاك الغربي-العربي وسرعان ما تحول الى حكاك فارسي-عربي تحت غطاء ملء الفراغ وعدم وقوع البلد في اتون التطرف الاسلامي ، وها نحن في اشد واقسى تطرف عرفه العالم فيما تظهر للعيان ايدي الحكاك التي لم تعد خفية على احد . نعم من مظاهر العداء الشيعي للغرب" المخلص من البعث" وحكم صدام ، الى العداء الشيعي للسنة عامة والاستئثار بالحكم  تحت غطاء محاربة داعش وصولا الى التلويح باليد العسكرية والحكم العسكري وفرض القانون المذهبي  بالحشد الشعبي الشيعي الذي هو امتداد للثورة الاسلامية في ايران .
نعم ، باليمن والحراك الشعبي تحت ما يُسمى بالحوثيين الشيعة والتحالف المشبوه مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح ، هذا الحراك الذي لا صبغة له الا طائفية ولا لون له الا المذهبية ولا هدف له الا الثورة الايرانية والوصول الفارسي الى مضيق باب المندب . السؤال الذي يفرض نفسه : ما الهدف من الحرب في اليمن ؟
الديمقراطية ؟ طبعا لا
تغيير نظام الحكم ؟ وما النظام المناسب لليمن بعد تقسيمه وتوحيده الا التقرب من محيطه الطبيعي الراعي والضامن والحامي ؟ اين مصلحة اليمنيين في هذه الحرب سوى المصالح العليا للتمدد الايراني في المنطقة وتضييق الخناق على السعودية من خلال المرابطة على حدودها طمعا بإعادة (التحكيم) ،،،،
وها نحن امام الحكاك الاعظم  في المشهد السوري المتعدد الحلقات والفصول ، تلاعب الممثلين وتنقل المسرح وتجارب المخرجين لنصل الى مسرحية لا بطل فيها الا الأسد الخائف من التسمم وثعالب تقتات اولا واولا ومن ثمّ الاسود على ابواب عرين مخلع مهترئ رت .
لاعبون داخل الحدود وموجِّهون من خارجها ، تلاقت الأضداد وتقاربت المصالح المتناقضة دينيا ومذهبيا ومناطيقيا وعشائريا وايديولوجيا . فو الله ما يجمع بين اسرائيل وجبهة النصرة هو ما يجمع بين الجيش الحر وتركيا، والاكراد واميركا ، واحرار الشام والسعودية ، وقطر والاخوان ، ناهيك عن الذي يفرق الجميع عن داعش ويجمع الجميع مع داعش من باب عدو عدوي صديقي ، وصديق عدوّي عدوّي  والغابة مكتظة بالفرائس والأسد خائف من التسمم والثعلب يقظا على حياته "والدب " الخارج من برد سيبيريا راقه دفء المتوسط والحيوانات العاشبة الطرية عذبة المذاق وسهلة المنال .وها هي ايران الحريصة على التضامن الاسلامي تمد يد العون من خلال اليد المباركة المقدسة لحماية المقدسات وطرد الابالسة والشياطين الذين اتخذوا من اجساد اهل السنة قمصانا يفسدون الارض والعرض ، وها نحن امام الذراع الثالثة لجنّة المؤمنين على ارض الهلال تعيد الاسد الى عرينه وتُشبع نهمة الدب الجائع وتُغرق الغابة بويلات موسمية على ذمة محاربة من حكَّ ويحكُّ ومحكوك .
اخي القارئ
من المفارقات وسط هذه الفوضى المذهبية وهذا التناقض الدولي ، وهذا التلاعب المميت ، وسط هذا الكم الهائللللللللللللللللللل من الموت والدمار ، وسط هذا كله يصرخ بوق من هنا ومن هناك بالموت لإسرائيل والموت لأميركا والنصر لنا .
لنا ؟ ومن نحن ؟ واين نحن؟
اي نصر ؟ ومن سنهزم غير انفسنا وذاتنا ؟
نحن هذه الامة الخائبة ، هذه الجماهير الغائبة ، هذه الحناجر الذائبة ،
خائبة في صنع القرار وغائبة عن مسرح الحكم والتحكّم، وذائبة في الملذات والفساد.
اللهمّ اخرج من رجالات هذه الامة ثعالبا تحرص على مستقبلنا ،
اللهمّ اخرج من هذه الامة الأسود الخائفة على نفسها من التسمم،
اللهمّ حرك الشجاعة والرجولة في جماهير هذه الغابة علها تطيح بالفاسد وتلجم الحاقد وتدفع بالراكد.