الثلاثاء، 9 يونيو 2015

القضاء للجميع ام القضاء على الجميع ؟


دعيتُ الى حفلة زفاف لأحد أبناء صديقٍ عزيز وكريم ، ولبيت الدعوة بكل فرح وسرور . لم أختر المكان ولا الرفقة بل جلست بمحض الصدفة الى طاولة تضمُّ مدعوين لا أعرفهم ولم يسبق لي أن التقيتُ بهم ، باستثناء صديق قديم جديد بدأت معرفتي به عن طريق بعض الاصدقاء وهو قاضي في الخدمة الفعلية ولا يزال يمارس الوظيفة في أكثر من محكمة .

كالعادة جرى تعارف سريع بين الحضور وتطرق الحديث لأبعد من فرح وزفاف كما في كل المناسبات ، فكانت السياسة المحلية والسياسة الاقليمية وما يدور من حولنا في الشرق الاوسط عامة . سررت بالحديث وبدأنا بتناول المأكولات وحضر المشروب على أنواعه ورغبت في أن احضّر كأسا للقاضي يشاركني متعة هذه السهرة ولكنه رفض بكل أدب ولياقة وعندما أصرّيت على معرفة السبب قال لي : لا تنسى بأنني قاضي والعرف والادب والمنطق يقول بأن لا أشرب لأنني أولا وآخرا قدوة للمجتمع ومثلا يحتذى به ، فما رأيك بمشاهدة قاضي مخمور أو مثقل ؟ أرجو أن لا تسيء فهمي فالوظيفة لها أحكامها وقواعدها وشروطها ، وأنا من الذين يحافظون على توازن المجتمع والدولة ، أتريدني أن لا أحافظ على توازني ؟

لامست جوهره وفهمت من هو القاضي الحقيقي وعرفت الآن أن هذا الرجل المميز في المجتمع يتميز فعلا بالفعل والقول ، فان أصاب عدل وان أخطأ ظلم فالممارسة تبدأ من الذات قبل الكتب ، والمحافظة على الشخصية تبدأ من التصرف الصحيح قبل الشهادة والتقدير .

حملتني هذه الحادثة الى أحداث مرّتْ وسبقتْ ، والى شعارات علتْ ولكنها كانت عرجاء في سيرها وثقيلة في نطقها ، عارية من المنطق ومشبعة من التمييز والحقد والبغض . نعم لقد تلوّث ذلك الكتاب الشهير وتدنس ذلك القسَمَ المقدسْ ،والتجأت المبادئ الى معايير الربح والخسارة والجشع والاهواء ، فكانت الأحكام أشبه بخاتم مختار تركي عجوز لا يفقه من القراءة والكتابة الا أحرف الوالي المبجّل .

صديقي القارئ

تغنى الجميع باستقلالية القضاء وعدم انحيازه لأية جهة كانت ، واستند المواطن الصغير على نزاهة وكفاءة وعدل ذلك الرجل الذي توشح بثوب الوقار واحتمى بقوس العدالة التي لا تتجزأ ، فكان الرهان على الكلمة الحقّة وعلى النطق الذي تخطى الامل . نعم كان الرهان كبيرا، والنتيجة أكبر من حكم ومن قرار، والانتظار حتى تمر السحابة وينقشع الضباب ليفتح الباب ويصرخ الزمن:

محكمة !!!

يقف الجميع مع العلم بأن الأرجل ندرت ، ويسكت الجميع مع العلم بأن الكلام ممنوع أصلا ، ويأتي الحاجب بزيّه المرقط ويؤدي التحية ،، فتقابله عبسة من حواجب لا تحتاج الى حاجب بل الى انارة لترى من أين يُرى ،،، وحده المتهم المسكين يبقى جالسا لأنه ممنوع عليه الوقوف ، ومن يجرؤ على الوقوف بحضرة قضاة جلسوا فوق التهمة والادلة لمنع الخرق والابتزاز ؟

أخي القارئ

مأساتنا مع القضاء بدأت منذ أن استقل القضاء عن الحق والعدالة والشفافية والمنطق، بدأت مع بداية بدعة الإرضاء و"جبر الخاطر" كما يقول المثل العامي ، ومع مسلسل الانتماء والتبعية أصبحت الأحكام جوائز ترضية تخطت المألوف والمتعارف عليه وقفزت فوق المشرّع وأدبيات النقاط والحروف .

مأساتنا مع القضاء بدأت منذ أن اصبحت الوطنية قضية والقضية باب رزق ، والرزق هدف والغاية تبرر الوسيلة ،فقوس العدالة اصبح كقوس قزح متعدد الالوان والاتجاهات يبرق ويلمع مع تبدل الضوء على ضوء ما يُبدلُ القاموس من مصطلحات تتفق مع اللغة الصعبة .

 محكمة !!

بقدر ما هذا الصوت يدبُّ الخوف والرعب ، يدبُّ أيضا الامل والتمني بسماع كلمات تزيح ثِقلَ الهمَّ وعذاب التوحد ، ولكن بقدر التسليف يأتي التكليف ويخرج الحكم النظيف بثأر لطيف ، فيعود الكل راضيا وقانعا باستثناء الحق الذي أُهدِرَ حقه باسترجاع كرامته وشرفه ، ويُغلقُ الملف وتُفتح خزنة أخرى وهكذا الى أن نتمنى لهم التقاعد المبكر والله سميع مجيب .

ما من فساد أكثر أذيّة من الفساد القضائي ، وما من فساد يدمّرُ المجتمع أكثر من فساد القائم على اصلاح المفسد وتأهيله ، حلقة تتشعب وتتمدد لتطال البنية الاساسية للمجتمع ، وعندما تتمكن لا يمكن العودة ولا التقدم فتقف الامة عاجزة عن الترميم وتتراجع الثوابت ونفقد التوازن الى التلاشي والزوال .

ثلاثة مكونات أشبه بقاعدة حسابية اذا تخلفت احدى ركائزها بطل فعلها ، القاضي والنيابة والدفاع ، وكلهم أبناء مجتمع واحد جلبهم التكوين وصنفهم التعليم وجمعهم الخطأ ،وبالتالي كلٌ بحاجة الى الآخر وكلٌ يكمل الآخر واذا فسدَ واحد فسدَ الآخر ، فما بالك بالثلاثة الفاسدين؟

انتهت الوصاية وانتهى الاحتلال السوري وانتهت معه محاكمات الترضية وأحكام البيع والشراء، وانتهى معه عهد من الفساد العلني عرفه كل مواطن في بلدي. معادلة بسيطة :النصف للقاضي والربعين للآخرين ، والسعر حسب التهمة وحسب الرتبة وحسب الحسب والنسب ، والاهم من كل ذلك جعبة المتهم وما تحويه من عملات صعبة أو عقارات أو سندات وكلها قابلة للتداول في سوق أسهم القضاء الوسخ . نعم مرحلة قطعتْ وتقطعتْ معها سبلُ الاصلاح ولكن: أيعقل بعد هذا أن نترك ذيول تللك المرحلة تهيمن من جديد على واقعنا القضائي؟ أم أنَّ الفساد متأصل لا يمكن ازاحته؟

صديقي القارئ

لا مجال للشك ولا مجال للتخمين ولا مجال للخطأ أبدا في قراءة أحداث قضية ميشال سماحة " لا سامحه الله" ، فالوقائع واضحة والادلة دامغة والاعتراف الصريح سيد الموقف بالصوت والصورة والاعتذار، فلماذا هذا الاستهتار بالرأي العام ولماذا هذا الذل للحق للعام ، ولماذا هذا الانحدار والانحطاط الاخلاقي من قبل محكمة أقل ما يقال عنها انها عسكرية اي انها آخر ورقة رابحة للحق اللبناني ، وآخر ملجأ آمن لكل مظلوم ، عسكرية : اي الانضباط والحزم ، الشرف ! شرف المواطن والوطن والحق العام، التضحية! التضحية بالمصالح الشخصية لصالح المجتمع والكيان، الوفاء! الوفاء للقسم العظيم بالمحافظة على البلاد والعباد ، ولكن سوابق المحاكمات عندنا كثيرة وللتذكير لا للتشهير ، من محاكمة قاتل الطيار سامر حنا ، هذه المحاكمة السخرية والمضحكة وبراءة المجرم على يد مجرم آخر تثبت ايضا أنَّ الفساد جزء لا يتجزأ من منظومة السلطة المستقبلية المنتظرة، وقبلا محاكمات ضباط وعناصر الجيش الجنوبي وما رافقها من عمولة ونسب مؤشرات بورصة الجيوب ، ناهيك عن أرجوحة المحاكمات للإسلاميين الذين لا يزالون يقبعون تحت نير الاعتقال التعسفي ،نعم عزيزي القارئ فأنا لا ابرأ ساحتهم ولا أدينهم كذلك ، بل أنتظر كغيري من اللبنانيين نتائج المحاكمة وعدم التمادي بخرق حقوق الانسان وخرق أعراف الحرية والعدالة والمساواة. محاكمات ستبقى وصمة العار التي لا تمحى من على جبين كل قاضي ومحامي وخاصة ذلك الوغد الفاسد عدنان عضوم وزمرته من اولياء الامور من النظام الامني اللبناني السوري وعلى رأسهم سيء الذكر اميل لحود.

اخي وصديقي

 

السؤال الكبير: بعد كل ما ورد على لسان المجرم ميشال سماحة واعترافه الواضح بضلوع الرئيس السوري مباشرة في هذه القضية ومدبر اغتيالاته علي المملوك ، وبعد ثبوت العمل الجرمي من ناحية النية والامر بالتنفيذ على هذا النظام ورموزه ، بعد هذا : أين موقف حلفاء سوريا من هذه القضية ؟ وهل سكوتهم علامة الرضا أو النأي بالنفس ؟ وهل الدولة اللبنانية عاجزة الى هذا الحد عن اتهام من هو ضالع فعلا بالقضية؟ وهل سفك الدماء اللبنانية لا زال الشغل المسلي لزمرة دمشق وجوقتها اللبنانية ؟الى متى؟ الى متى ايها اللبناني؟ الى متى ستبقى صامتا ؟ متى ستصرخ عاليا دون خوف وتضرب يدك على طاولة الحق وتقول لهم:

انكم شركاء في هذه الجريمة سواء نكرتم ذلك بالصمت او بالكلمة ، انكم أعداء هذا الوطن وانكم أعداء هذا الشعب ، وسيأتي يوم قريب انشاء الله وستحاسبون على كل ما اقترفت أياديكم من أعمال إجرامية بحق هذا الشعب المسكين .

أخي القارئ

لا أقرع طبول الحرب ولا أنشد السلاح، بل أطالب بثورة سلمية نظيفة حضارية بالتصدي لهؤلاء القتلة بتوعية تابعيهم وتوعية المجتمع من مخاطر ما هم عليه وما هم سيقدمون عليه. أطالب الشباب اللبناني المثقف المدرك لمخاطر التسلط والهيمنة أن يعيد حساباته ويعيد تقويم خياراته، ويضع مصلحة الوطن فوق كل مصلحة. كفى للطاعة العمياء ، كفى للولاء المطلق ،كفى للتضحية الرخيصة . أطالب الدولة ومهما كلف ذلك من ثمن بتحويل اعترافات سماحة الى محكمة الجنايات الدولية أو المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ، أو الى مجلس الامن الدولي على أساس التدخل السوري المباشر بالأمن الداخلي اللبناني والعمل على زعزعة النظام والهدوء والعيش المشترك اللبناني . ليكن ما يكن وليحدث ما يحدث.  وكما قيل:

شو هلّي أخذك على المرْ؟  قلّو الأمرْ .

 

 

 

 

الأربعاء، 27 مايو 2015

زتّو حتى يوقف


 

تضطرب الاحوال وتشتد الازمات وينهمك الناس في تدبير سبل الحياة ، وتنصب جلّ الامكانيات للتخفيف من وطأة الشر الذي اصاب او الشر الذي سيصيب ، وتعلوا اصوات التحكم ورباطة الجأش وتخفت بالنهاية كل ضوضاء وضجة وانفعال عندما يقف سيد او امير او شيخ او راهب او علامة او سايس او داعية ويطلق معادلة لا تمس بصلة الى الرياضيات ولا الكيمياء ولا الفيزياء ولا حتى الاجتماعيات والتربية ، معادلة من صنع صانع لا عيب فيه ولا تقصير ولا تشوبها شائبة لا من النص ولا المعنى ولا الشرح ولا التفسير ، معادلة يطلقها من سنها وينفذها من لا يفهمها ، فالفهم عيب والسؤال عنها وقاحة ، والحوار فيها خيانة انها الفهم المستحيل والقرار البديل .

اخي القارئ

لا شك ان اللبناني ابدع في صياغة المعادلات واجتهد في التحليل والدرس حتى باتت كل كلمة عربية عنده لها معناها الخاص ولها توجهها الخاص ولها دلالتها الخاصة في الدين والسياسة والامن والحرب والسلم ، واصبح عنده الموقف مادة حوار لا تنتهي والتصريح موضوع انشاء يبنى عليه الممنوع من الصرف ، وتُشكل الاحرف وفق المنهاج الخارجي والاسلوب الدخيل .

لا احسدكم ايها اللبنانيّون على ما انتم عليه ، ولا اهنئكم على ما وصلتم اليه ، فانتم لا زلتم الصندوق الذي يتسع لكل شيء ولا يصلح لشيء ، فسد صالحكم ونزّه مفسدكم وانتم على انقاض انفسكم تدوسون ودياركم ملعب الضالين والكفرة. عدلتم فيما بينكم بمعادلة كفاركم وكفرتم بنزاهة صلاّحكم ، فو الله آمنا بيوم حساب واحد ولكنكم تحتاجون لسنين حساب وعقود ثواب ، ولجهنّمات علّها تتسع اجيالكم .

اخي اللبناني

حبذا لو تستطيع ان تشرح لي وللقارئ العزيز من انت واين انت وسط معادلات زعمائك وساستك واسيادك:

قوة لبنان في ضعفه، معادلة اطلقها ساسة الجمهورية الاولى على اطلال هزائم العرب المتلاحقة ، معادلة جعلت من اللبناني مدعسا لأقدام من هو اكثر ضعفا منه واقل شأنا . صدّق المسكين المقولة الفذة واطلق الثقة العمياء في الضعف الى ان افاق على دولة المخيمات وصدقات الريالات ، فانقلب الضعف الى طيش والطيش الى غرور ، والغرور الى مأساة ضاقت بها الحُجَرُ والقبور .

وحدة المسار والمصير ، معادلة اطلقها عملاء الاحتلال السوري جعلت من اللبناني العوبة بل اضحوكة بيد ماسح الاحذية الذي امعن بصقل وتلميع الحذاء ليليق بشفاه اللبناني ، من اجل ماذا ؟ من اجل مقعد او جاه او سلطة ؟ او من اجل القضية الفلسطينية التي لا شأن لك فيها بعد ان تخلى عنها اصحابها ؟ او من اجل نظام البعث الذي لا يُبعث الا من الجماجم والجثث والقهر والابتزاز والتسلط؟

تدبُّ خلف زعمائك على الاربعة ولا يُسمح لك بالوقوف الا للتصفيق ،وانت تنام على" السبع خرزات " ، ماذا فعلت ؟ لا شيء تولول هنا قليلا وتصرخ هناك قليلا وفي النهاية تنجرّ الى صندوق الاقتراع وتبصم سواء كنت مثقفا او اميا ، فالبصمة دليل حضارة ورقي عند اسياد عنجر . لم نسمع كلمة ادانة واحدة ، ولم نرَ مسيرة واحدة او مظاهرة صغيرة ضد رموز النظام القمعي اصحاب رؤية المسار والمصير، ولم تحرك ساكنا ولو اعلاميا ضد السيء الذكر الرئيس السابق اميل لحود وعصابته وعلى رأسهم المدعو عدنان عضوم وآخرهم من وقع بقدرة الهية ميشال سماحة . لم تفعل شيئا ولن تفعل شيئا لأنك شيء من لا شيء.

وسقطت معادلة المسار والمصير ، عُكست المسارات حسب المصالح والاهواء وانتهى المصير الى فوضى الحرب الاهلية السورية والى نشوة السلطة والهيمنة الحزبية اللبنانية ، وانت ايها المواطن كنت الطعم وما زلت يحركك هذا ويقلبك ذاك مع الم الضهر وتوعك الخاصرة .

وها نحن امام معادلة المقاومة والشعب والجيش ، اطلقتها ابواق الهيمنة والتسلط من حزب الله  والنظام الامني السوري اللبناني ، معادلة جندت لها كل موارد الدولة التابعة والملحقة ، ولفق لها كل شيء وسُخر لها كل مورد وبيعت الهويات والجنسيات وتخطى الامر كل محظور وسمح الممنوع ومنع الحق .اذلال وخنوع ، طاعة عمياء وولاء صامت ومن يسأل ليس الا خائن يحلل لكل من يحب الحرام على حساب الحلال الآتي من السماء . وايضا صدّقتَ المقولة وتلحفتَ عباءة الاسياد والعلاّمات وحملت اكثر من السلاح ، حملت الفكر المتطرف وحملت التمييز في المواطنة والتراتبية الفئوية فتربع عليك ومدّ قوائمه ليحيطك جهلا فوق جهل وليمعن في طعن ثقتك بباقي وطنك فاذ بك امام خيارين لا ثالث لهما : اما الموالاة او السكوت ، وافقت على نظام اشد قمعا من نظام الهيمنة السورية ولو انه امتداد له والفارق هو ان هذا النظام الجديد بالإضافة الى جذوره السابقة فقد اضيفت اليه النكهة العجمية الاصيلة وكيف لا واللبناني يحب العجمي الاصيل؟ افقت في السابع من ايار على معادلة جديدة اما نحن او لا احد ، وضرب عرض الحائط بكل حق ومنطق واصبح السلاح زينة الشيعة والملحق مجرد "كمالة عدد" . انتهت المعادلة مع انتهاء الشعب وذواب الجيش في الولاء المتشرد والوصايا الآتية واختصرت الكلمات لتصبح " المقاومة" ضد كل من يجرؤ على القول لا . وانت ايها اللبناني يا بقايا هيكل فينيقي انتشله غطاس صدفة ، اوا ليس الاجدر بك ان تعود الى حيث انت ؟

اخي القارئ

اخطر معادلة يشهدها لبنان حاليا هي معادلة التمييز الطائفي والطبقية المذهبية ، اي ان المعادلة المذكورة اعطت التمييز للشيعي على غيره من المواطنين اللبنانيين ، هذا بالطبع الشيعي الموالي لحزب الله مع مراقبة شيعيّ حركة امل على انهم غير منضبطين ، وبالتالي ان الباقي لا يشكل الا ملحقا رقميا وغطاء مذهبيا من الطرف الآخر لحزب الله وهو التيار الوطني وبالأخص زعيمه العماد ميشال عون . معادلة اعطني الغطاء وخذ الدعم وسوف يبقى العماد على هذا الدعم حتى النهاية ، دعم فقط دون نتيجة تذكر وهذه هي اللعبة البقاء في المستنقع مع كامل مقومات العيش فيه. من جهة ثانية نرى مظاهر هذه المعادلة في الخطاب الشيعي سواء من النواب او الوزراء او المشايخ والائمة والاسياد ناهيك عن غطرسة الصحافيين الموالين للحزب ونظرتهم للآخرين على انهم جهلة ناطقون ، مظاهر التمييز بين الطلاب والاساتذة والموظفين والعمال حتى ما بين سائقي التاكسي واصحاب المولدات والمرامل والمشاحر ، اذا انت شيعي اذا انت مميز ، ويحق لك ما لا يحق لغيرك وهذا هو الخطر الحقيقي القادم عاجلا ام آجلا ، هذا الخطر الذي سينهي كل شيء اسمه مواطن ووطن .

ربما لا يكفينا العداء بيننا وبين الشعب السوري منذ عهد الوصاية حتى يأتينا عداء من نوع آخر عداء طائفي ومذهبي تجاوز البحر الى البحرين ، ربما لا يكفينا ما نحن فيه من مشاكل طائفية ومذهبية حتى تأتينا جحافل التكفير والاصولية المقيتة ، ربما لا يكفينا ما نحن فيه حتى نصدّر ما نبرع فيه ونتخطى الجغرافيا القريبة الى ما بعد الربع الخالي ، فتواصلنا عبر حدود القداسة من الست زينب والدفاع عن العتبات الى الدفاع عن عبدالله صالح ومصالح قريبنا وصديقنا الحوثي ولاحقا من نجده من الشيعة الكرام في مختلف بقاع العالم ، نعم لقد تخطينا الام تيريزا في مد يد الرحمة والمساعدة وكل ذلك باسم الإله المترجل من سمائه في قم وكربلاء ، وضد الوالي المتأله في الخلافة الاسلامية في الرقة والانبار.

 اين انت ايها اللبناني بعد هذه المعادلات المذلّة والسقوط المخزي ؟

قسم يشتكي ويقرأ الفاتحة على قبر الشهيد رفيق الحريري ،

قسم هاجر وغاب خلف البحار يهدد ويصرخ ويعد بالويل وكل الويل

قسم يئنّ تحت نير الاهمال والفساد والسرقة والاحتيال

قسم يتظاهر مؤيدا لهذا وقسم ضد ذاك والاثنان لا يعلمان ما يفعلان

قسم يتفرج " مين ما اخذ امي صار عمي"

والمعادلة تفرض قسما آخرا مسلحا متمكنا مسيطرا متسلطا  يفرض ما يريد ويعمل ما يشاء حسب التعليمات والاوامر ، في الداخل كما في الخارج لا حاجة الى جواز سفر للعبور ولا فيزا للدخول ولا اذنا للعودة .

ايها اللبناني

ما حصل عليه الحزب لا يمكن ان يؤخذ منه بالطلب والكلام والحوار ، الحزب لا يعطي ما لا يملكه فالقرار بعيد جدا بين يدي الفقيه والولي الامين ، فالمعادلة بسيطة جدا : لماذا يعطي الحزب ولمن ؟ ما الاسباب الموجبة للعطاء ومن افضل من الحزب للبقاء على رأس هذه المزرعة؟ وما هو المقابل طالما لديه كل شيء؟

نعم هذا هو الواقع المرير الذي يعيشه اللبناني الحقيقي والى ان يعي ويفيق من هذه الغيبوبة علينا الانتظار والايمان بمعجزات القدر .

لنتذكر المقولة المشهورة عن اللبناني :

"كيف ما تزتو بيجي واقف " واقول له :

ماذا تريد بعد لتقف ؟.

الاثنين، 13 أبريل 2015

من تحت الدلفة لتحت المزراب



الثالث عشر من نيسان عام 1975 ، تاريخ طُبع بذاكرة اللبنانيين يقفون امامه حائرين ما بين التذكر والنسيان ، التذكر لأخذ العبر والعودة الى الذات لتبيان الخطأ والاصلاح ، ام النسيان والعبور الى اللامبالاة  والاختباء وراء الشعارات والتبريرات والحجج التي هي اقبح من ذنب .

الثالث عشر من نيسان عام 1975 ، كانت معارك صيدا على اشدها بين الجيش اللبناني وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية ، وانا كنت وقتها في الجيش اللبناني بصفة طالب احتياط ، اقاتل من اراد المس بشرعية الوطن والمس بكيان هذا الوطن والمتاجرة بأرواح ساكنيه ومقيميه وعابري سبيله ، كنت اخوض المعارك لأنني ابن الجنوب وهذا يعني بأنني ابن اتفاق القاهرة 1969 المشؤوم سيء الذكر ، وهذا يعني انني أعي اكثر من غيري ولو قليلا قيمة الوطن وقيمة الحرية وقيمة الكيان ، وهذا يعني انني اخوض الحرب لا من اجل حزب او طائفة او مذهب او محور او تحالف او قضية ، اخوض حرب البقاء لي ولعائلتي وحرب الآخرين الذين داسوا على كل ما يمكن ان يكون لبنان .

اخي القارئ

عزفنا نشيدا بعيدا كل البعد عن النشيد الوطني ، ولحنا اناشيد تشيد بجميع الخلق باستثنائنا ، قرعنا طبول الآخرين ومشينا برأس القافلة ، دفعنا من دون سؤال واشترينا دون حاجة وانخرطنا من دون خبرة حتى اصبحنا بقائمة لا حاجة لنا ، تهْنا ما بين التغيير والانتماء وفقنا حفاة وعراة ، ويقف الجميع الآن محللا مناقشا كيف لماذا ومن اين والى اين ، وكان يجب ، وكان من الافضل .

الثالث عشر من نيسان عام 1975 ، منظمة التحرير الفلسطينية مسلحة ومدربة تسيطر على الجنوب وعلى المخيمات ومحيطها ، تمارس الضغط هنا والتهديد هناك والويل كل الويل لمن يسيء الى القضية الفلسطينية ، تنشر الاتهامات بالعمالة والتصهْين ،تسيطر على الارض وتمسك برقاب القرار الوطني اللبناني ، واحزاب تصطف في اليسار واخرى في اليمين والحوار عبر اكياس الرمل والمتاريس ، والبوسطة تمر ويمر معها قدر هذا الوطن ويتعلق بعجلاتها مصير شعب عانى الامرين ما بين من باع القضية ومن لا يزال ينادي على بيعها .

 واليوم:

الثالث عشر من نيسان عام 2015 ، حزب الله يسيطر على الجنوب وعلى الضاحية والبقاع وقسم كبير من الشمال ، يسيطر على الارض ويمسك بالقرار الوطني اللبناني ، واحزاب تؤيده وتنضم تحت لوائه واخرى تناهضه وتقف في المقلب الآخر ،وكل من يخالف هو عميل متصهين ، والشعب المسكين يقف حائرا من جديد امام من لا يزال ينادي على القضية الفلسطينية ويكرس انتماءه وولاءه الى ولاية الفقيه الايرانية ، وما بين الجمهورية الاسلامية والقضية الفلسطينية ضاعت الجمهورية اللبنانية وضاعت الهوية الوطنية،  اوليس التاريخ يعيد نفسه؟

اخي القارئ

نعم صديقي من تحت الدلفة لتحت المزراب ، من منظمة التحرير الفلسطينية واليسار اللبناني الى حزب الله وقوى ثماني آذار ، من الجبهة اللبنانية وقوى اليمين المعتدل الى 14 آذار وبعض القوى المعتدلة التي اعتنقت الوسطية بمعايير انتخابية ،من زعماء الميليشيات الابطال الى نواب الامة الابرار ، من المارونية السياسية الى الشيعيّة العقائدية ،ومن السنيّة العروبية الى السنية الخلافية (دولة الخلافة)، ومن الدروز الموحدين الى الدروز المتوحدين ،

نعم من تحت الدلفة لتحت المزراب ،من العروبة والناصرية الى الاسلام والفارسية ، ومن مسيحية مار مارون الى مذاهب الصلبان الاربعة ومن سيتربع على عرش فاتيكان – بعبدا ، سطوحنا تدلف ومزاريبهم تتدفق ولبنان عطش الى ادنى قطرة من المسؤولية الاخلاقية والانسانية .اربعون عاما ولا يزال الاربعون حرامي في العز والجاه والعنفوان ، يصولون يجولون ويحاضرون في الوطنية والديمقراطية والقومية والشمولية والعولمة والى كل ما تطال ايديهم وينطق لسانهم وتريده غيرتهم .

بعد اربعين عاما ، لن اذهب بعيدا في المساءلة والمقاربة والتفسير واخذ العبر وسؤال من يدري او يعلم او درس ، لن اذهب لأحد بل سأعود الى نفسي ، الى ذاتي لأسأل بصدق واجاوب بصدق اكثر ، نعم بصدق لأنني سأحاور اولادي الذين كبروا وتعلموا وادركوا وآن لهم ان يعلموا الحقيقة والوقائع بكل موضوعية وشفافية . اعود الى نفسي لأني شاركت منذ البداية منذ البوسطة الاولى عام 1969 الى بوسطة عام 2000 والطريق سالكة والبوسطات بانتظار الدور والضوء الاخضر .

يا بني

الثالث من كانون اول عام 1969 ، انطلقت بوسطة اتفاق القاهرة لتشق طريقها باتجاه الجنوب وكانت محطتها شرق نهر الحاصباني ونزل ركابها الابطال من ابي الهول وابي الجماجم الى ابي الغضب وابي عمار وابي الدمار ، نزل ركابها لاستراحة قصيرة ليتابعوا السير باتجاه المطلة وصفد وحيفا ، ولكن البوسطة بنشرت ولم تعد تستطيع السير ووجب تغيير الدواليب ، والى حين انتهاء ورشة التصليح دفعنا ثمن " لبنان قوته في ضعفه" ، ودفعنا ثمن العروبة والقومية والصمود والتصدي واللاءات الثلاث لزعماء الخرطوم ، وانا دفعت ثمن البقاء والتمسك بالأرض من دم وعرق واهانات وذل وصبر.

الثالث عشر من نيسان عام 1975 ، انطلقت بوسطة ثانية بموديل احدث من سابقتها ولكنها من نفس المصنع ومن ذات الايادي المهرة ، انطلقت من مرآب ابو عمار من منطقة تل الزعتر وكانت محطتها الاخيرة في عين الرمانة حيث نشب ما نعرفه جميعا ، وانا كنت في صيدا اقاتل بصفتي طالب احتياط في الجيش اللبناني ، اقاتل نفس من قاتلتهم عام 1969 ، وندفع الثمن ثانية ، ثمن التقاعس السني وعدم انتمائه الى وطن نهائي وثمن المارونية السياسية التي احتفظت لنفسها بالإقطاع السياسي والانماء غير المتوازن ، وانا نفسي ثانية في خضم حرب لا افهمها ولا أعي بعدها السياسي ولا الايديولوجي بل اخوضها لأنني أحب لبنان وفقط لبنان .

الثلاثون من ايار عام  1976 دخلت بوسطة الاخوة المخلصة ودخلت معها تمنيات الاخوة العرب لهذا الوطن بالعزة والمنعة والخلاص ، وسارت هذه المركبة على طرقات لبنان لا من حسيب ولا من رقيب ، حتى باتت الوسيلة الاولى والوحيدة لنقل الساسة واصحاب الهمم العالية ، من لبنانيين وعرب واجانب ، ولكل من رغب في الدخول الى الجنة اللبنانية . نعم وبقيت هذه البوسطة الى ان اصبح بقاؤها عبئا على سائقها ، فرحلت بعد تسعة وعشرين عاما من الخدمة في نقل المساجين والمفقودين ، والمستشهدين والاستشهاديين والقتلة والبريئين ، والسارقين والمسروقين واللاعبين والمتفرجين وكل انواع البشرمن اليسار ومن اليمين .اللهم صبرنا والله مع الصابرين .

السابع من تشرين أول عام 1976 ، توقفت بوسطة الدولة اللبنانية نهائيا ونزل جميع ركابها واخذ كل منهم مساره وانطلق ، وانا انطلقت الى مسار مجهول في مقلب آخر وبعيد كل البعد عن كل ما تعلمته وادركته وتربيت عليه ، انطلقت الى حيث أرادني من بقي من بقايا الشرعية اللبنانية التي أجلُّ وأحترم وأطيع ، وخضت الحرب من جديد ضد العدو ذاته ولكن بحليف مختلف (اسرائيل) .

نعم يا بني

السادس من حزيران عام 1982 ،انطلقت بوسطة اخرى بحلة جديدة وماركة جديدة وهذه المرة من صناعة غربية ، هللّ لها القاصي والداني وزغردت النسوة في جبل عامل ورُشّ الورد ونُثرت الزهور والارز ، وأُستُقبل الجيش الاسرائيلي استقبال الفاتحين والمخلصين من ظلم ابو عمار وزمرته ( ربما نسي البعض هذه المسرحية الشيعية ) .نعم بعد هذا الاجتياح ركب من ركب ونزل من نزل ، والسائقون ينادون ولا من يسمع حتى انتهاء العمل في اتفاق 17 ايار ، وللأسف لم يقرأه احد ولم يناقشه أحد وطويت صفحة كانت حتما ستغير من مجرى التاريخ اللبناني ، ونحن من تحت الدلفة لتحت المزراب ، نتابع ما سبق في الجنوب وفي بيروت وفي الجبل ، وانا بانتظار بوسطة اخرى علّها تقلني وتقل الجميع الى محطة امان وسلام وهدوء .

الخامس والعشرون من شهر ايار عام 2000 ، محطة مصيرية ومفصلية قادت الوطن الى نفق التبعية والخروج فيه من الكيان الى الملحق ومن الوطن الى المخيّم ، محطة من تحت دلفة الاحتلال الاسرائيلي كما يقولون الى مزراب الاحتلال الايراني كما يقولون ايضا ، ناهيك عن بوسطة التطرف التي لا لون لها ولا ماركة ، سائقها اعمى وركابها بكمْ ، ونحن بعكس السير دائما ، وانا بانتظار بوسطة اخرى ايضا للعبور الى ما تبقى من حلم الجمهورية .

الرابع عشر من شباط عام 2005 شاءت الظروف ان تنتفض بلبنان وتعلن قيام الجمهورية الجديدة وانطلقت بوسطة الحرية بعد سنوات من الاحتلال والهيمنة والتبعية ، ولكن الركاب لم يرحموها ولم يداروا قوة تحملها فمشت ببطء وبشكل متقطع الى ان وقفت نهائيا على حافة الامل والرجاء ، وضاعت الجمهورية بين من احبها واحبها اكثر ومن احبها اكثر واكثر وتمزقت الاحلام .

اولادي الاحباء

محطات كثيرة على درب هذا الوطن المثقل بالبوسطات الغريبة ، محطات مميتة ومقيتة واللبناني يدفع للصعود وما يلبث ان يدفع ثانية للنزول ، ومع وعورة الطرقات وندرة البوسطات الجيدة لا يزال هذا الكيان ينتظر وسيلة صالحة لتنشله من الضياع ولكن:

هل تعلمنا شيئا؟

هل اتعظنا من كل ما مر بنا ؟

ربما اتكلم نيابة عن جيل كامل عاش الحرب بل عاش الحروب على أرض لبنان ، ربما نتفق على شيء واحد وهو عدم العودة الى الحرب ولكن هل الآخرون متفقون معنا على ذلك؟ وماذا نقول اذا كان البعض الآخر يجرنا الى الزواريب ثانية ؟
يا بني
مهما جارت الظروف وساءت الايام
لا للحرب
لا للتعصب المذهبي
لا للاحزاب

نعم وبعد اربعين عاما من تجاربي ،وبعد نجاحي بالعبور من فشل الى آخر ، وبعد فشلي بإحراز نجاح واحد ، في وطن النجاح فيه خيبة والفشل فيه غيبة ، وحتى لا ينجرّ اولادي من بعدي من تحت الدلفة لتحت المزراب ، أترك لهم حرية الحُكمِ والخيار ....... والقرار .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الاثنين، 30 مارس 2015

كيري - ظريف


 هل يعيد التاريخ نفسه ؟ وهل سنشهد ما شهدناه قبل قرن من الزمن تقريبا؟

لم تغب عن ذاكرتنا ابدا قصة الزيارة التاريخية التي قام بها رئيس وزراء بريطانيا السابق لويد جورج الى الزعيم النازي هتلر في بير شتيسجادن عام 1936 والتي اكد من خلالها على انه استطاع ان يقنع الزعيم الالماني بالهدوء والتخلي عن العنف بإعطائه بعض الاقاليم الطامع بها في اوروبا وبعض الامتيازات الخاصة بالهيمنة والنفوذ وبذلك يكون قد ضمن ابعاد شبح الحرب عن اوروبا كما ظن واعتقد . نعم لقد خاب الظن وانقلبت الموازين وباتت القوة هي المعيار الوحيد في الحوار والمحاورة وفاجأ هتلر الجميع باجتياحه لبولندا ضاربا عرض الحائط بكل ما قيل عن التهدئة وعن التفاهم .هكذا كانت وبمختصر شديد الاحوال السائدة اوروبيا وعالميا قبيل نشوب الحرب العالمية الثانية ، حوار هنا وتنازل هناك وتشدد في مكان آخر ، انظمة تتقوض وانظمة تبصر النور ، ديكتاتوريات تنهار واخرى يلمع نجمها والنتيجة واحدة ، اكبر حرب مدمرة عرفتها البشرية ولكن: هل تعلمت البشرية منها ؟ وهل اخذت العبر الكافية ؟

صديقي القارئ

حوار اليوم بل حوار الساعة ومحط انظار العالم كله حوار ظريف- كيري ، طبق المثل القائل تمخض الجبل وولد فأرا . والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا هذا الحوار ؟ والى ماذا يسعى وزير الخارجية الاميركي مستعجلا راكضا متلهفا لعقد اتفاق بل صفقة لا تغني ولا تفيد بل تزيد المصرّ اصرارا والمذلّ اذلالا والخائف خوفا والمنتصر استبدادا .الم تعطي العقوبات نتيجة؟ الجميع يؤكد نجاعتها ومصداقيتها ، الم يشعر النظام الحاكم بالإرباك الاقتصادي والعزلة الدولية ؟ نعم حسب الاخبار والاقوال العالمية ، الم يحاول الشعب الايراني قلب الموازين الداخلية لإيصال الاعتدال الى السلطة ؟ نعم والغرب يتفرج ويتبع المقولة اللبنانية الشهيرة النأي بالنفس ،الم تتكبد ايران الحمل الثقيل والثقيل جدا والعناء الشديد لتصدير الثورة وايصال صدق وقدسية الثورة الاسلامية الى كل بقعة ممكنة؟ الا ترزخ ايران تحت الديون الخارجية والداخلية ومحاربة المجتمع الدولي لها اقتصاديا وسياسيا وماليا وثقافيا وحضاريا والى ما هنالك من اوصاف ونعوت؟ مع هذا كله لا اعرف لماذا هذا الحوار ، ولماذا يجلس الغرب مع ايران ليعطيها ما كان يرفض دائما التحدث به معها ؟ لماذا بعد كل هذه المعاناة العقيمة والجلسات والقرارات الدولية والتصويت وشغل بال الكونغرس والشيوخ ، وتجنيد الخليج كله وايقاظ حس المسؤولية الاوروبية واللقاءات الماراثونية ، بعد هذا كله لماذا الحوار ؟ والى اين يا سيد كيري تريد ان تصل وما هو الهدف ؟ اهو منع ايران من الحصول على القوة النووية؟ ام هو تأجيل حصول ايران للقوة النووية ؟ ام جعل ايران قوة نووية مع وقف التنفيذ لتقاسم الهيمنة مع من تراه اميركا اهلا لهذه وظيفة؟

اخي القارئ

لم يجرؤ احد على استعمال القوة النووية منذ الحرب العالمية الثانية ، مع العلم بأن معظم الدول المالكة لهذه القوة قد مرت بأزمات عديدة وحروب مدمرة ولم يفكر اي زعيم بهذا السلاح ، معارك اميركا في فيتنام وقبلها في الكوريتين، ومعارك روسيا (الاتحاد السوفييتي السابق) في افغانستان ، معارك اقليم كشمير بين الهند وباكستان ، حرب جزر الفوكلاند بين بريطانيا العظمى والارجنتين ، حروب اسرائيل والعرب ، واخيرا وليس آخرا القوة النووية لكوريا الشمالية والتهديد المستمر بها وليس لديهم ما يكفي لإطعام اطفالهم وجبة ارز واحدة . وبالتالي ما الفرق اذا امتلكت ايران هذا السلاح وما سيحدثه من اخلال بالتوازن . اعتقد صديقي القارئ ان سلاح الكلاشينكوف هو الذي يحدث الفرق بكل مكان لأنه السلاح المُستعمل اما السلاح المُخزن فهو عبئ وثقل على مالكه واثبتت الايام ذلك  وخير دليل تخلص اوكرانيا من هذا السلاح . حبذا لو كانت المحادثات مع ايران على تحديد النفوذ وعدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول الاخرى ، وعدم تغذية الاضطرابات والفوضى في كل مكان تستطيع ايران الوصول اليه ولن اقول في كل مكان تتواجد فيه الطائفة الشيعية ، نعم للأسف صديقي القارئ ومع احترامي وتقديري لهذه الطائفة الكريمة على اختلاف تسمياتها نرى ان البعض منها ينجر وراء اغراءات السلطة باسم الله عز وجل ،لا لشيء بل لبسط النفوذ والهيمنة . وانا اطرح السؤال على السيد كيري : هل تقبل ايران بالتخلي عن تصدير الثورة اي التخلي عن حزب الله في لبنان وعن الشيعة المعارضة في البحرين وعن الحوثيين في اليمن وعن النظام الديكتاتوري البعثي العلوي في سوريا ، مقابل سلاح نووي عن كل تخلي؟ اقول لك لا يا سيد كيري فان الهيمنة اهم بكثير من السلاح النووي وان كل هذا الحوار هو تغطية المطامع بالاحتلال والتاريخ يذكر بأن هتلر احتل اوروبا كلها بدون سلاح ذري ، فإلى اين ايها المحاور الفطن الذكي والى ماذا تسعى بعد كل ما رأيته من كلام هنا وعمل مناهض هناك ؟

اخي القارئ

ربما صحي الفكر العربي وتنبه لما يجري على الساحة الشرق اوسطية وخاصة المملكة العربية السعودية التي شعرت بالنار تقترب منها رويدا رويدا وبعد الاستهتار الاميركي بالاعتدال العربي الذي تمثله غالبية الدول العربية ، وبعد السياسة الفاشلة الاميركية بتدفيع العرب ثمن اخطاء الساسة الاميركيين بدءا من القاعدة بأفغانستان حتى الحوار الايراني الغربي الاميركي بامتياز مرورا بالعراق وسوريا وليبيا ولا ننسى مصر والموقف الأميركي من الاخوان المسلمين وما الى ذلك من تبعات اساءت كثيرا الى الدور الاميركي الراعي للتوازن العالمي والحافظ للاستقرار والامن العالميين ، وبعد كل ذلك وجراء كل ذلك انتفضت العربية السعودية ومعها كل القوى السنية المعتدلة للوقوف بوجه الهجمة الايرانية في اليمن لوضع حد للتدخل الاقليمي بالشؤون العربية الخاصة .

بوركت مصر والسعودية وبورك الخليج برمته الذي عودنا دائما على الانتفاض والوقوف مع الشعوب المضطهدة بالمساعدات المالية والدعم السياسي ولكن هذه المرة تغيرت اساليب الدعم لتتوجه الى مكان الجرح ومعالجة الجرح بالجراحة اللازمة . هذا ما كان يجب ان يكون منذ زمن بعيد ، بوضع الامور في نصابها واخذ القرارات المناسبة التي يجب ان تكون على قدر المسؤولية وعلى قدر الرهان الحقيقي .استمروا بهذا النهج ولا تتوقفوا ولا تترددوا ولا تعيروا انتباها للأبواق النافخة من هنا وهناك ، ولا تتراجعوا حتى يعي كل من تتوق نفسه لإمبراطورية او لخلافة بان زمن المبايعات قد ولىّ وزمن الولاء قد انتهى .

اخي القارئ

لقد ضقنا ذرعا بتفاهات الخطابات ، والكذب بالحجج والبراهين ، واللعب على اوتار المذاهب والدين ، نعم ضقنا ذرعا بأقليات تنتفخ بتخمة السلطة والجاه لتظن انها الاكثرية تحت دولاب الديمقراطية الغربية السخيفة ، ضقنا ذرعا بالمتاجرة بأرواح الناس على انها اسهم بورصة النفوذ والتحكم ، ربما آن الاوان لان ننزل الى الشارع ونقول لهم : كفى ،،، عودوا الى ضمائركم ،، عودوا الى بيوتكم .

 

 

 

 

الجمعة، 27 فبراير 2015

الرسالة الاخيرة


كتبت حتى تعب قلمي واشتد المي ، وابت الكلمات الا ان تبقى حيث لا نقط ولا حروف ،لتتساقط على الاوراق بقعا ترطب ما يبس وقسى . ويْحي لهذا السكون المزعج وهذا السكوت المرعب ، ويْحي مني ومن شكوكي فقد تأكدت الآن ، نعم ولا ضير في قول الصحيح ، لقد تقدمت في السن بل تقدمت على السن ولكنني لا ازال انتظر بلوغ الرشد علّي اعي ما انا فيه وعليه .

بالأمس تسلقت شجرة التين ونافست عصافير الصيف في تذوق ما طاب لها ولذ، عانقت الحور والدلب والصفصاف ولامست مناقيد الدوري والحسون ، غمرت بعض الغيوم الشاردة واحتضنت الغروب ، ورافقت الليل الى سهر الليل... بالأمس كان الغد لي واليوم امسيت اتوق لعودة الامس ، فما بين الغد والامس الا لحظة لا نستطيع اعادتها ولا الاحتفاظ بها . هذا هو حالي اليوم هيكل من اماكن وازمنة وغبار وصفحات مهترئة .

وقفت على حافة الزمن ونظرت الى الخلف محاولا استرداد ما بعُدَ وغاب وانقضى ، جهدت بالعودة الى رفوف علتْ ، استعنت بكرسي صغير وصعدت برجل واحدة خوفا من الانزلاق، حملت دفتري الوحيد الباقي من دفاتر الذاكرة، وبدأت اقلّب صفحاته من اليسار الى اليمين بدءً من الماضي القريب الى الابعدِ والابعدْ ، الى حيثما تستطيع العين المشاهدة وتستطيع الذاكرة التعرّف. اجمل ما في هذه المطالعة هي بأني اقرأ دون الخوف من رهبة الامتحان نهاية الفصل، لقد اُقفِلتْ المدرسة ورحل الاساتذة وذبلت الشهادات وباتت رسوما خرساء تعانق الحائط الرطب ، تشير فقط الى اسم وتاريخ وبقايا فخر واعتزاز .

اليوم وقد انهيت وظيفتي في البناء والتربية ووصْل القديم مع الآتي المجهول في استمرارية البقاء، اليوم اكتب الذي لم استطع كتابته ولم اجرؤ على رسمه او نشره او الحديث عنه ، اكتب اليوم عن الامس بقلم الامس لأمجّد الامس وافتخر بالأمس لأنني لا انتظر من الغد غدٍ ، بل الغد عندي نهاية غير مرغوبة وهدوء لا يطلبه الكثيرون .

يا بني

لا تدع هذه الكلمات تحبطك بل خذ منها الجبروت والقوة لتعرف ما ستستغرقه سنينا لفهمه وادراكه . يقولون كبرنا ، نعم كبرنا ، وانا اقول عكس ذلك ، لقد صغرنا ؟ لا ، فكلما نكبر نصغر ، نصغر امام هذه السنوات الطوال ، نصغر امام الصعاب والمحن ، نصغر امام هول الذكرى والذاكرة ، نصغر لأننا نتراجع ونعود ادراجنا ، نصغر في الفعل ونكبر في الادراك والصبر ،نكبر في التجربة ونصغر امام النتيجة ، نصغر على التحمل ونكبر على التذمر ، نصغر امام الحاجة ونكبر على الطلب والمعونة ، نصغر ونصغر الى درجة ان نرى الكبر فيكم انتم . اكبرُ بك يا ولدي ، وافتخرُ بك بعلمك وبشهادتك ، اكبر بسلوكك واخلاقك ، اكبر بتواضعك وعطائك ، اكبر فيك لأنك تمثل كبريائي ومبادئي وخط حياتي . يا ولدي اصغر امامك في تقبيل وجنتيك وملامسة جبينك ، هكذا اكبر وهكذا اصغر وما بين الصغر والكبر نجد العبر وبصمات القدر فدع بصمتك تقوى وتشتد لا يمحيها زمن ولا يخفيها عمل .

اقف امام صور وكلمات ، امد اليد فترتجف الاصابع ولا اخفيك سرا بوجود بعض الصعوبة للدلالة على ما اقصد ، انحرف قليلا ثمّ استقيم بعدها لأجد السبيل في الاشارة ولأعطي الوقت الكافي للنطق بالكلمة المناسبة . لا همّ عندي ولا حسرة طالما يغنيني الوجود بوجودكم ، ولا صعاب امامي طالما انتم بالقرب مني ، استجمع النشاط وابذل القوة فور سماع ما تريدون ،والبّي النداء قبل ما تطلبون ، فان عجزت فلا تتوقفون عن المناداة فصوتكم يقويني ويشد من عزيمتي ، فوالله لو كنت بيد واحدة وبرجل واحدة فهذا لن يثنيني عن تلبية ما ترغبون .

يا بني

هذا ما انا عليه وهذا ما اريده ان تكون ، بوركت وبوركتم جميعا ، افتخر بكم واكبر بكم واصغر من اجلكم ، حفظكم الله ،،

حفظكم الله

السبت، 17 يناير 2015

بين الوقاحة والصراحة


                               

خطاب بليغ والصدق فيه ابلغ، وكم من كلمات كادت ان تجرح الشاشة وتخرج لتصفع الاذن وتثقب الجمجمة وتدخل وتتغلغل بين وحدات الذكاء البشري ،

كم من خطاب بليغ بلغ حد الامساك بالزناد والبدء بالثورة واعلان النصر وقيام الجمهورية الخامسة والسادسة ولا زلنا امام الشاشة ،

كم من خطاب بليغ بلغ حد اخذ الريشة والقرطاس والبدء بنص دستور جديد صادق امين منصف وعادل يعطي الحق لأصحابه وينزع السلطة من ذوي العاهة السلطوية ، وينقذ البلد من الفوضى الخلاقة والخلابة والمنظمة والمتفق عليها ، هذه الفوضى التوافقية من طرابلس والقلمون الى الضاحية والقرى الجنوبية ونحن لا زلنا امام الشاشة بانتظار ان يتوقف صاحبنا لا لنفهم بل لنصفق فهم يفهمون ولسنا بحاجة لتكرار المواقف .

كم من خطاب لعين ايقظ فينا لعنة المسؤولية ، وكم من خطاب فصيح ايقظ فينا حس الاهمال والاتكالية ،

كم من خطاب من خطيب امّي صحّى فينا الاممية النائمة ، وكم من خطاب من خطيب بليغ اعمى عيوننا عن حقيقة كوننا امة لبنانية فينيقية ، عربية ازدواجية ، شرق اوسطية او شرق كروية ،

كم من فصاحة اوقعتنا بين الصراحة والوقاحة فاصبحنا بلا منازع دمى الساحة ، نجلب الهم لنُهمْ ،ونجلب العار لنُذم ،ونجلب التفرقة لنُلمْ ،فلا عذر لامة شلحت لأنها لا تبرد ، ولبست حبا بمصممي الازياء والتسريحة .
صديقي القارئ

صراحة او وقاحة يقولون كل شيء ببساطة متناهية وكأن البلد على كف الجن والملائكة ،والعفريت غادر مستودعات المطار والبور او عنابر القمح والسكر ،نحمل الموضوع على محمل الجد اللبناني ونجعل منه نكتة الموسم واضحوكة الاسبوع ونقول : طيب نحن نموت من الاكل فلماذا لا نموت من الضحك ؟ اليس ذلك ابهج وارحم؟ نتجاهل الواقع والحقيقة بالهروب الى الاسطورة ويُحكى انّ...نصفق ونصفق الى ان تتورم كفوف اليد ، ونقصد العيادة ،، ولكن اين الطبيب ؟ انه في المستشفى فنتابع الطريق ونصل الى باب هذا الصرح الطبي الشامخ والذي يستقبلك باللغة الاجنبية فتستعين بمترجم ليقودك الى المكتب الصحيح او العيادة المقصودة وتطرق الباب واذ بك خارجا : الدفع اولا وبالدولار، الليرة ممروضة وربما تحمل بعض الفيروسات القاتلة ولا تستطيع سوى الخروج الى الخارج ،،الخارج البعيد متألما صارخا ولكن باللغة ذاتها حتى يفهمك جيدا مصورو وصحافيو الحرية المستوردة :je suis malade او I don’t have money  و freedom وتنتقل الاخبار شرقا وغربا شمالا وجنوبا وتأتينا المساعدات الدولية والشقيقة والاخوية صناديق ذخيرة وكلاشينكوف معدل ليواجه التصحر وشدة الحر وتعدد الاستعمال ، شكرا لكم كم انتم مهذبون –انتم كرماء ونحنا منستاهل--، وننساق الى جولة قتال والى جولة محاكمة : انت ايها الخائن الم ترى ما فعلت اسرائيل في غزة والضفة؟ تتظاهر اولا ضد الحكومة والدولة ، وتساند الارهاب ثانية؟ الم ترى ما فعل الاميركيون بالعراق وبلاد الشام؟ وتأتي وتتكلم بلغة الشيطان ؟

لا ادري كم يلزمنا من الوقت ليدرك السوريون عندنا انهم لاجئون لا ناخبون ، وليدركوا انهم مشردون وليسوا بسائحين ، وان المسؤول عن تشردهم ليس الاميركي ولا العدو ولا انا ولا انت صديقي القارئ، ولا يزال عبد الكريم كرّم الله وجهه يصول ويجول بحماية زلم الله وابطال الثلاثية وسرايا الدعم الدمشقية ، يصول ويجول ويطمئن بأن اللبنانيين بخير في السجون السورية وهم ضيوف شرف عندنا ، ويقفز فوق الحواجز الديبلوماسية ويهدد ويضرب بكلام من فولاذ يصل الى حد ال سي 4 ، ملوحا بجائزة نوبل للسلام ، رحم الله نوبل على عدد النبلات التي اصابنا بها منذ ولادة طفلته المدللة " ديناميتا" .
صديقي القارئ
ومع هذا وذاك لا مسؤول سوى هو، ولا احد سيحاكم سوى هو ،ولا احد سيسجن مؤبدا الا هو وحده لا شريك له في الاعمال الشريرة، هو وحده سيحال الى دائرة كم الافواه وثقب الآذان ، وحده سيدفع الثمن لأنه لم ولن يفهم ان الانتصار في المعركة هو اكثر من رومية واكثر من تدمر والقلمون ، واكثر من جبهات نصرة ودواعش ، الانتصار هو بوقفة واحدة خلف وحدة القرار ووحدة السلاح ووحدة الانتماء ووحدة الولاء. وحده المواطن هو المسؤول ، كفى تحزبا وكفى تعصبا وكفى تفرقة وكفى تصفيقا وكفى..... كذبا ...

عزيزي القارئ
وقاحة الى حد الجرأة، وصراحة الى حد الجرأة ، وسكوت العامة تخطى الجرأة بكثير وقطع الخط الفاصل بين البسيط والاحمق ، وبالتالي يتحدث اللبناني عن الحرية والديمقراطية والقصر الجمهوري على  قاب قوسين من تأجيره شققا برسم الاخوان العرب ام منتجعا للأصدقاء الغُرُب ،ووزراء ونواب برسم التمديد والتجديد والتجليس والتبسيط والتجليد .

عفوك وطني ،، ما زلت لبنان فهل ما زلنا لبنانيون؟؟؟