الاثنين، 5 أغسطس 2013

الداء الوباء


لا اخفي سرا بأني مللتُ من سماع كلمة الديمقراطية ومن نغمتها ولحنها والترويج لها ،ولا اخفي سرا بأني اصبحت من الحاقدين عليها وعلى كل الذين يتبجحون ويطبلون لها . لماذا يا ترى ؟ وكيف لي ان افسر ما يجول في خاطري عن هذه اللعبة الآفة كما ادعوها ، او عن هذا الوباء الذي اصاب غالبية سكان الارض ، او ربما سيصيب ما تبقى من شعوب لم تلتفت جيدا الى من سبقها في ركب هذه الديمقراطية ، بدءً من الهند وباكستان مرورا بروسيا الحديثة وصولا الى العراق وافغانستان وفنزويلا ودول اوروبا الشرقية المولودة حديثا والقائمة طويلة وطويلة ، بانتظار وصول ابطال التغيير ومنقذي الشعوب من ظلم الديكتاتورية الى عبودية الديمقراطية .

عزيزي القارئ

ربما تتساءل عن الدوافع وراء هذه القراءة الجديدة والمستغربة للديمقراطية ، ويمكن ان تأخذك الظنون الى بعض الجنون في فنون صياغة الكلام واللعب على الحروف . ان الحقيقة تبقى حقيقة ولا شيء يغيرها على الاطلاق ، والوقائع التي تدور كل يوم في العالم اجمع هي خير دليل على اتجاه الديمقراطية المغلوط ، وعلى مفهوم الديمقراطية منذ القدم على انه مفهوم خاطئ وذي قراءة مغلوطة .

ان مفهوم الديمقراطية الرائج منذ القدم هو القبول او الخضوع والمضي بقرار الاكثرية ، اي ان الانسان يخضع لقرار العدد بغض النظر عن نوعية هذا العدد وعن خلفياته الدينية والاجتماعية والثقافية ومدى ادراكه للحس السياسي المسؤول ، اي بمعنى آخر ان القرار الصائب والحكيم والفائز هو نتيجة احتساب الارقام وجمعها ومقايضتها وتجييرها ، والنتيجة النهائية هي ديمقراطية بمفهوم حضاري وان الشعوب تقرر مصيرها بنفسها وان الارقام تشهد على ذلك وما على المجتمع الحريص على النظام الديمقراطي الا الخضوع والقبول والمباركة لقرار الارقام وسلطة الاعداد .

اخي الديمقراطي

لنبسط الامور اكثر ولننزل الى اسفل الهرم في مجتمع نختار عدده على سبيل المثال ونختار مكانه على انه من دول العالم المتطلع الى الديمقراطية .لنقل صديقي القارئ بأننا في بلدة تعدادها خمسة آلاف ناخب وان من يفوز بالأكثرية يصبح العمدة ورأس الهرم الاداري فيها . لنقل ان هذا المجتمع يضم مذاهب مختلفة وتيارات دينية تحتمي بالديمقراطية وتمارس الضغط الديني من جوانب الارشاد والايمان فتأتي نتائج هذا الانتخاب حسب ارقام وعود الجنة والخوف من النار كما هو الحال في ايران مثلا ، وتقرع الطبول وتنفخ المزامير بانتصار العرس الديمقراطي وكلمة الشعب ضد من ؟ لا ادري ، ربما ضد العلمانيين او غير المتدينين الكفرة الملحدين ، او الشيطان او صاحب كل ربطة عنق او حذاء لماع .

لنقل أيضا صديقي الصبور ان غالبية هذا المجتمع هم من الجهلة غير المتعلمين ولا يفقهون القراءة والكتابة ، وينال الاكثرية واحد منهم في انتخابات حرة ونزيهة ويتوج الجاهل عمدة البلدة ويرمى بالمهندس او الطبيب في سلة الخاسرين حسب النظام الموقر ، فنكون بذلك قد وصلنا الى ديمقراطية الجهلة الشفافة .

من ناحية اخرى ، لنقل ان غالبية سكان هذه البلدة هم من اصحاب السوابق وان الحاجة ملحة للإصلاح والتوعية ، فتأتي نتائج هذا الاقتراع بفوز احد اصحاب السوابق او لنسهل الامر احد الاشخاص غير المحمودين ، فبذلك نكون قد وصلنا الى ديمقراطية نوعية تفرز نفس النوع الذي لا رجاء منه للتغيير وبالتالي فقد فقدت العملية الديمقراطية الهدف المرجو منها .

اخي القارئ

ان تسويق الديمقراطية وفرص نجاحها يتطلب شروطا وضوابط في المجتمعات والا كانت من الديمقراطيات التي ذكرت بعضها . اذا لا بد من ذكر بعض المتطلبات لدفع العملية الديمقراطية قدما :

اولا : يجب ان يكون المجتمع متجانسا ومتقاربا بالتحصيل العلمي والثقافة العامة قدر الامكان .

ثانيا : يجب ان يكون هذا المجتمع على قدر متساو في الادراك العام للحس الاجتماعي والتربوي .

ثالثا :يجب ان يحظى هذا المجتمع بالتنوع الاكاديمي ومن اصحاب الاختصاص وبالتالي بالتنوع المهني الذي يدعم فرص التنافس الموضوعي على الخدمة العامة .

رابعا : يجب ابعاد التطرف الديني والعقائدي والعنصري من خلال مجتمع يحترم الدين بالقدر الذي يصون فيه الحرية الفردية وقبول الرأي والرأي المضاد في مستوى واحد من الوعي للذات والكيان .

خامسا : يجب ان يكون مجتمعا مكتفيا ذاتيا وعلى قدر جيد من الدخل الفردي وان ينعم باقتصاد متين وقادر .

ان المساواة التي تنادي بها الديمقراطية تخص الانسان كإنسان فقط اي الانسانية بشكل عام وكلنا خلق الله ولا تمييز في البيولوجيا ،ولكن الا يجب ان تفرق الديمقراطية بين صوت وآخر كما الحال في الراتب بين شخص وآخر ؟ لماذا يتقاضى هذا الشخص راتبا اكثر بكثير من ذاك الأخير ؟ نعم ان هذا الطبيب مثلا تعلم ودفع الكثير من المال حتى وصل الى ما وصل اليه ، كذلك المهندس والمحامي وكل صاحب مهنة علمية او ادبية ، ونرى في المقلب الآخر مجرما قضى وقته في الاجرام او بائع مخدرات زرع الوباء والفساد او آخرا لا يعمل شيئا سوى العيش عبئا على المجتمع ، كلهم في لحظة واحدة نراهم يصوتون ويتساوون في الحقوق المدنية العامة بل اكثر من ذلك يشاركون في صنع قرار مهم يخص المجتمع والعامة دون ان يكون لهم مكانة في هذا المجتمع ودون ان تكون لهم اية مشاركة فعالة في استمرارية وبقاء هذا المجتمع . اذا كان المجتمع المدني قد ميز ما بين الطبيب والقاتل وما بين الامي والمخترع فلماذا لا يميز بينهم في قيمة الصوت الانتخابي ومدى فعاليته في احداث تغيير ما ؟

صديقي القارئ

الا تعتقد ان الدعوة الى الديمقراطية في افغانستان مضحكة بعض الشيء ؟ الا ترى ان الديمقراطية في لبنان هي فيلم كاو بوي من الغرب الاميركي ؟ الا تعتقد ان الديمقراطية في العالم الاسلامي كالرقعة البيضاء على ثوب اسود ؟ الا ترى ان معظم الديكتاتوريات في العالم تختبئ خلف الديمقراطيات المزيفة ؟ وبالنهاية الا ترى معي مدى غباء الغرب وحكوماته بالسعي للتسويق للديمقراطية لدى الشعوب التي تراها شيطانا وكفرا واستعمارا ؟ الا ترى معي بان كل تغيير باسم الديمقراطية يجيء بديكتاتورية اشد ظلما وقهرا من سابقتها ؟

اخي القارئ

 حتى نعي ما نحن فيه وحتى نعي ما نريد ان نكون سنبقى ندفع ثمن الديمقراطية دون ان ندرك اننا واياها خطان متوازيان لا يلتقيان ابدا ، ابدا ،،، ابدا ..

الاثنين، 15 يوليو 2013

وسنبقى النموذج


لقد تعودت بين الحين والآخر ومنذ سنوات خلتْ ، ان ازور الحدود الشمالية واقف على ذكريات امتدت لأكثر من ثلاثين عاما ،كانت مليئة بالفرح والحزن ، ومشبعة بالأمل والخيبة .هذه الزيارة التي اتت بعد ثلاثة عشرة عاما على نبوءة باراك العظيمة التي انعمت على الشرق الاوسط بالهدوء والسلام ، وبورِكتْ فيها خطوات الحكمة والدراية .

وقفت متأملا بالشمال البعيد مستأنسا بتلك النسمة الشمالية ولسعتها الباردة ، لتذكرني بجبل حرمون وبهالة الشيخ الوقور . وقفت امام تلك البوابة التي عبرتْ من خلالها آلاف الأحلام والامنيات على امل نهاية السلام السعيدة وحسن جوار آمن وحر وكريم . وقفت امام تلك البوابة التي صدأت واكلتها الذكرى واحالتها الى التقاعد المبكر ، وقفت استرجع ايام التواصل والالفة والمحبة ، شاردا في الغد المجهول ، الى ان همس بقربي احد الزائرين سائلا : من اين انت ؟ اشرت له باني من لبنان ، قال : انا من تل ابيب ،  فقلت اهلا وسهلا ووو.... وسكتنا برهة ثم اشار بيده ناحية الشمال وقال : أيمكنك ان تدلني على مكان يدعى تلة الرحيّات ؟ اجبته بنعم واشرت له عن مكانها بالتحديد . وقف هذا الرجل متأملا بتلك التلة البعيدة وسرعان ما اغرورقت عيناه بالدمع ومسح خده والتفت الي وقال : هناك مات ابني ... هناك استشهد ولدي كما تقولون بلغتكم... لقد كان شابا يافعا ابن الخامسة والعشرين من عمره ، كان ضابطا شجاعا ومقداما ، لقد قالوا لي بانه سقط في مواجهة ضد اعداء السلام . شددت على يده وقلت له :هناك ،، في كل مكان لديّ ذكرى لاحد الرفاق ،، هناك فقدت جنودا وضباطا ، شيوخا واطفالا ، دفاعا عن حلم حلمنا به ربما  قبل اوانه ، او انه لا يجوز لنا ان نحلم بأكثر من اليقظة التي نعيشها ، بكى هذا الرجل وابكاني معه ، لعن ولعنت بدوري ، فكان تعارف اللعنة والدمعة وذكرى الولاء والانتماء .

اخي القارئ

لنا فوق كل تلة شاهد ، ولنا شواهد تشهد على البطولات والتضحيات ، وسبل مياه خلف كل زاوية ومنعطف تطفئ لهيب عطشى الحرية والوطنية ،لنا اسماء حُفرتْ في ذاكرة التاريخ ولنا رسائل تشهد على الايام المشهودة ، لنا ذكريات لا تمحيها فواصل ولا حواجز ، ذكريات تعتق ولا تصدأ ، انها ذكريات اجيال مرّت واجيال تمر ، واخرى ستمرّ محملة بالفخر والعزة والكرامة .

ما احوجكم الينا وما احوج هذا الوطن المسكين الى رسالتنا الوطنية الحقيقية ، وما احوج لبنان الى لبنانيين حقيقيين يعرفون لبنان الوطن ، لا كم لبنان في الوطن ، يعرفون كيف يحبونه لا كيف يدمرونه ، يعرفونه الوطن النهائي ، لا نهاية وطن ، كم احوجكم الى روح الجنوبي واخلاص الجنوبي وصبر الجنوبي ، كم احوجكم الى من يهديكم الى الالفة والمحبة والتآخي ، هكذا كنا في الجنوبي وهيهات ان تصبحوا كما كنا عليه الا اذا اقسمتم قسمنا وتعهدتم عهدنا ، فيا ايها اللبنانيون قفوا صفا واحدا وارفعوا الصوت عاليا ورددوا نعم للبنان لا لسواه ، نعم للوطن لا لسواه ، نعم لهذا التراب لا لسواه . كونوا القاعدة الصلبة من دون راية سوداء ، كونوا المستقبل بلا عباءة زرقاء ، كونوا مؤمنين بالله ولكن من دون حزبه ، كونوا الامل له ولكن من دون حركته ، كونوا احرارا من دون تيارات ولا تنظيمات وامشوا درب الصليب من دون تحية ولا اناشيد ، كونوا مثلنا وتعلموا امثولتنا ، والله ما صاح ديك جنوبي الا وولّدت الوطنية شبلا لكل لبنان ولأمة لبنان ولأرز لبنان .

ايها اللبناني

دع التعصب جانبا ، ودع الطائفة والمذهب والحزب والتنظيم ، ولنلقي نظرة سريعة على ما آلت اليه الاوضاع في وطن الاوجاع ، هذا الوطن البلد الذي استبحته انت اولا بولائك الأعمى لزعيمك ورئيسك ووزيرك ونائبك ، واقول قف وتأمل :

وطن بلا ولاء ،، وطن بلا انتماء ،،وطن في خبط عشواء ،وطن دون ماء ودون كهرباء ، دون دواء ولا استشفاء ، وطن الذل والعناء، والحمد لله بانك ما زلت تمتلك فيه حذاء، ولا زلت تركض خلف هؤلاء البلهاء ؟

تذكر ايها الأخ الكريم

سنبقى النموذج الذي يجب ان يعمّم على جميع مكونات الشعب اللبناني ، من احزابه وتنظيماته الى مؤسساته وجمعياته . لم نكن حزبا بل كنا موالاة ،لم نكن تنظيما بل  وطنيون مخلصون ، لم نكن جمعية بل كنا المجتمع اللبناني الاصيل وروح الامة اللبنانية الصالحة .

ايها اللبنانيون

سنبقى النموذج الذي لا بديل عنه ، سنبقى التاريخ الذي سيكتبْ تاريخ لبنان الحديث ،سنبقى الامثولة التي سيتناقلها الاطفال ،وسنبقى المثل الاعلى لكل شاب ومحب ومخلص .

سنبقى النموذج ،،، وستعودون الينا بعد ان تتلاشى نماذجكم وتختفي .

ستبقى هذه الظاهرة الفريدة من نوعها والتي لن تعود ابدا لأننا لا نستحقها .

سنبقى النموذج ،، للفخر والكرامة والحرية والاباء .

الجمعة، 5 يوليو 2013

الرسالة الثانية عشرة


                           الكلمة الاخيرة 

عدتُ ادراجي والخاطر في سباق مع الزمن ليطوي الساعات والايام والشهور ، عدتُ ادراجي والامل يكبر ويكبر في تسريع عجلة الزمن والتاريخ ، احثُّ السنين على التدافع والتزاحم لتخرج من فوهة الاعداد رقما لن انساه ما حييت . عدت ادراجي لأضع فوق ادراجي رسائل وعناوين واسماء ،هكذا عدت من الغروب الغامق الحالك الى الشروق الناصع الذهبي ، علّني امدُ ضعفي بقوة الصبر على امل ان لا يضيع المفتاح ولا السبيل .

سقطتْ من عينيّ قيم وتلاشت مبادئ كنت بالأمس القريب من اشد المدافعين عنها ، نعم سقطت من عينيّ الحرية التي اصبحت استفزازا يحميه نصّ جاهل وجامد ،  سقطت من عينيّ الحقوق التي اصبحت هدف تجار الانسانية والحقوق ، سقطتْ من عينيّ هالة كانت تضيء سماء عمري بل اخذت مني كل عمري المضيء والمعتم على حد سواء ، سقطت من عينيّ رموز وعناوين وسقطتُ معها رغم سلاحي وكل وسائل حمايتي . سقطتُ الى هاوية الامم ولعبة المصالح والاستقواء بالنص الفوقي المنزل فكلهم ساقطون كأوراق الخريف ومتلاشون كيوم الامس .

قفلتُ عائدا واُقفلَ خلفي باب لا يهوى احد الدخول منه ،انه باب ذو ضجيج يزعج الآذان بل الابدان . تركتُ خلفي وردة تحيط بها اشواك سوداء لا تعرف الا اللدغ والقرص ، تركت خلفي حصنا اشبه بقلاع القرون الوسطى تنتصب حوله اشبال تيمورلانك وهولاكو ، وقلت بنفسي : أيعقلُ هذا ؟ أأصدقُ ما اراه ام اصدق ما اعرفه ؟

يا بني

لقد انزلَ ثقل عن كاهلي وازيحت جبال كنت لا ازال ارزح تحتها حين رأيتك وعانقتك وقبلتك بعد مرارة التساؤلات المحيرة . لقد اثلجتَ صدري بكلماتك وابتسامتك وقوة تحملك وصبرك وقلت هذا هو ابني الذي اريده ، وهذا هو الرجل الذي سأنتظره بفارغ الصبر، هذا هو عصارة هذه التجربة المريرة اللئيمة وهذا القدر الذي غدر .صدق يا بني بانني نسيت اين انا ونسيت كل ما كان يقلقني حين رأيت فيك الجرأة والمسؤولية ولو بعد ثمن باهض ، نعم جلّ من لا يخطئ .

يا بني

لتكن كلمتك الكلمة المنتظرة المشبعة بالحكمة والتقدير، لتكن كلمتك الرأي والقرار، لتكن لك كلمة المسار والتوجه، كلمة الدرس والفحص والتحليل لتكن الكلمة التي تنطق بالموقف وليكن لك الموقف الذي تحميه الكلمة.

يا بني

لا تتراجع ولا تتغير حسب الهوى بل كن صلبا حين يتطلب الامر ولينا عندما تدعو الحاجة والمراعاة. لتكن لك الكلمة حين يخشى الآخرون الكلام ، ولتسكت حين يعلو الضجيج .

اشد على يدك واقبّل خدك وانت تكمل عامك الاول في عزلتك ، اضع تقتي بك واعطيك كلمتي ووعدي بان اكون الى جانبك ، امد لك يدي واحملك كصديق ورفيق وارعاك كأب . انتظرك ولن اسأم ولن امل وادعو لك في يقظتي واحلم لك في نومي عسى الله ان يجمعنا ، انه سميع مجيب .

 

الأربعاء، 5 يونيو 2013

الرسالة الحادية عشرة


                                           اللقاء

اغمض عيني لكي اراك وافتحها على امل ان القاك ،فكم من لقاء اشد وطأة من فراق ، وكم من سعيد في الاسر راضيا وكم من طليق تعيس انهكه الشقاء . يا بني ،، تطول المسافات على شوق العيون وتقصر عند التفاؤل والامل ، وتنضب الدقائق في لقاء تنجرف فيه الدموع وتيأس امام الواقع الاليم الذي اشبع الخيال حقيقة ، ولكن تبقى الارادة بعد ان تُسدل الستارة وتنحني جوقة الآخ والآه والعتب ، ويستيقظ العقل على الحكمة واليقظة .

لقد ارتطم خيالي بفكرة ادمت مخيلتي ، فعجز لساني عن الافصاح فأوكلت المهمة الى قلمي علّه ينفس احتقاني ويثأر لي .

تبّا لخطوط الطول والعرض وتبّا للمقلب الآخر ،فوالله افضل الوقوف مدى الحياة ولا الراحة على وسادة لا اعرف متى يتطاير ريشها .

تبّا للوجه الآخر ، فقبح ما اراه افضل بكثير من جمال ما تعطيه عدسة لاصقة او شاشة مبهرة .

تبّا لعصر السرعة والتواصل، فركوب الحذاء أأمن وانفع بكثير من ركوب بساط الريح.

حملتُ رجلاي او حملتني ،، لا فرق في ذلك ، وصعدتُ الدرج او ربما انزلق ناحيتي ، ودخلتُ من فوهة القفل لا بسبب الضعف بل من رقة الشعور والاحساس ، دخلت من ثقب العولمة الى فناء القيم ، وطرحت الصباح ،، وقلت صباح الخير ، لأنني من الشرق ومن مكان الشروق العظيم فالواجب يفرض احترام الشمس في طرح صباحها بصباح الخير كل صباح .

احلق عاليا لأدخل قصرك المحكم الاغلاق والموصد بأقفال القانون اليابس الناشف الاعمى والجاهل .

احلق عاليا لأنقل اليك عطر الشرق واشعة الشرق الدافئة ،واحمل اليك عبق وعبير الشوق المشبع بالحنين والحق والعدالة والرأفة .

احلق عاليا ، وانا اخاف التحليق لأني لا اجيد الهبوط ، فأنا مدمن المطبات الارضية وغدرات الزمان المفاجئة ، فكيف لي بكوارث اعالي الهواء واقاصي الفضاء ،،،

ها أنذا امامك بكل ما فيّ وبكل ما حصلت عليه بعد سنوات التعب والارهاق ،ها انا امامك لأضع قبلة على خدك واقول لك : قم ْ واجتزْ هذه الحواجز ، فأنا بانتظارك وكل افراد عائلتك واحبائك وكلنا امل بنهاية قريبة ومرضية .

يا بني

لا قيد لحرية طالما صاحبها حر بقرارة نفسه ، ولا مرارة من الذنب طالما اعترف صاحبه به وقبل نتيجته وتاب واستغفر ، ولا فرح من الانطلاق اذا لم يسبقه توقف وحجز وقيد . توقف ، وتأمل ، وقرر ، وانطلق في حلة جديدة ولباس جديد وامل آخر ، وانزع عنك تلك الذكريات البالية الرثة وقل : ها انا ابن اليوم والساعة ابن الحدث والدرس والقصة .

الأحد، 5 مايو 2013

الرسالة العاشرة


                                           الفرح المجروح

تمرد قدر ما تشاء ، فأنا لن اعيرك اي اهتمام ولن ابدّد عليك ثانية واحدة من وقتي الثمين .

تمرد كيفما تريد واعمل ما يحلو لك فأنا لن اجادلك ولن اناقشك ، فأنت اصم وابكم وجامد وغير رحوم ولن يفيد معك شيء سوى القبول بما تحمله وما تجلبه ، وانا سعيد جدا بمجابهتك وقتالك في هذا التسليم البسيط والانتصار عليك باستيعابك واحتوائك .

تصرف على هواك فأنت الممنوع من الصرف والوحيد الذي لا يُصرف ولا يُباع ولا يُستبدل ، انت الواقع الذي لا نعيه الا عند حصوله ، ننساه في النعيم ونتذكره عند اقتراب الجحيم انت ايها القدر ، لا جدال في عنفوانك ولا يقظة في انقلابك الا بالاتكال على صاحبك وخالق فرصك .ايها القدر ،،، تفضل وتعالى فأنا الذي سيعبث معك حتى تُنكرَ ما تجيد ، وسألبسك خيبة الامل واتلِفُ فيك التفاؤل واجبرك على المُقدّر لك في تقديرك لي .

يا بني

وقفت متأنقا بين الرفاق اوزع بسيمات الفرح المجروح والدمعة المعلقة ، وقفت وسط الصحاب وفرحتي الاولى تشهد مخاضا عسيرا مولدة رغبة الواجب المقدس ومساواة حق الفلذات ولو كان على حساب الذات .

تزدحم الممرات وتتشابك الخواطر وتتوزع الامنيات ، ما بين راضي ومقتنع وآمل بحسن طالع منصف وعادل ، هكذا تتعانق الكلمات وتُشدّ الايادي والدعاء واحد بتكملة الحدث الجميل بقدوم الغائب وبلسمة الجراح ،، وانا ،،،بين هذا وذاك نظرة تائهة وحائرة لا تجد غصنا تحط عليه ولا فسحة لهروب مشرّف ، الا تلك الدمعة المتلألئة المتأرجحة فوق خد اختك الفرحة الممتلئة غبطة بحدث تحلم به كل فتاة منذ ولادتها . تحط نظراتي المشردة لارتاح ويرتاح معها ضميري كأب وراعي اعطى كل ذي حق حقه برفقة شريكة وقفت كالمارد الابيض بوجه سواد الليالي وعتمة الايام .

يا بني

تساوى الحق والباطل ، الخير والشر ، الحزن والفرح ، تساوت قوى تلك الصفات ونصبت ميزانها الدقيق في قلب وعقل كل انسان وتميل حسب الميول والاهواء . فتش يا بني عن تلك الثغرات الدقيقة وادخل في قلب المعادلة واعمل على غلبة الحق والخير والفرح.

كم تمنيت وجودك قربي وقرب اختك واخيك واهل بيتك ورفاقك ، وكم تمنيت لو كنت تمسح بنفسك دمعة السعادة ، ولكن حضور غيابك يا بني كان اكبر من حقيقة واصدق من واقع كنت محور الحركة والانفعال ، لقد قمت بالواجب وقدمت الواجب اكثر من اي وجود فعلي .

يا بني

اوصيك بالعدل في بيتك وما بين ذريتك واعطي ما تعطيه بالمساواة ، ولا تدع الم الحزن يطغي ، ولا بهجة الفرح تغري ، فالخط المستقيم اقصر طريق الوصول الى هناء العطاء .

يا بني
اعرفُ حقيقة شعورك ، واعرفُ حقيقة فرحتك بفرحتنا وفرحة بيتنا ، واعرفُ كم انت سعيد من اجل اختك ، جازاك الله خيرا وانعم عليك بالصبر لتصل الى حرية تعود بك الينا وتتجدد كالربيع وتتفتح براعم شبابك من جديد

الاثنين، 8 أبريل 2013

المسيحيون ما بين الاقدام والأقدام


يحكى ان رجلين حكيمين كانا يتجولان بين القرى والبلدات مستطلعين احوال الناس وطرق عيشهم وحسن تدبيرهم لأمورهم . صدف انهما مرّا بقرية احسن اهلها استقبالهما وضيافتهما ، ففتحوا لهما صدورهم وبيوتهم ، فاستمتعا وطابت لهما الاقامة في ربوع تلك البلدة الهادئة الهانئة .لكن لكل شيء نهاية، فقد حان وقت الرحيل فودِعوا كما استِقبلوا بنفس الحفاوة والتكريم والدعاء بالتسهيل. غادر الرجلان وهما في حنين العودة والمكوث مطولا في تلك البلدة ،وقادهما هذا الحنين والشوق الى بلدة مجاورة فدخلاها على امل لقاء شبيه بذاك اللقاء السابق .

كم كانت المفاجأة كبيرة ومريرة عندما لم يلقيا الترحيب ولا الاستقبال ولا حتى الرد على السلام وطرح الوقت ، وجوه سوداء لا تأنس النور ولا البسمة ، ابواب موصدة ونوافذ مغلقة وان صدف ان وجِد بعضها مفتوحا فهو من سوء صناعة او خراب مستجد .التفت احدهما وقال : لنغادر بسرعة قبل ان نرى المزيد المخزي ، عجبا  عجبا ،،، لا تفصل بينهما سوى بضع تلال ، يشربون نفس الماء ويأكلون ذات الثمار ، ويتكلمون اللغة الواحدة ، فلماذا هذا التباين والاختلاف ؟

لا ادري ، اجابه رفيقه ،،، ولكن الذي اعرفه جيدا هو وجوب المغادرة فورا وبسرعة . لعن الله هذه البلدة واللعنة على سكانها وقاطنيها وحتى عابري سبيلها ، فوالله ما مررت بحياتي ببلدة اسخف واحط وانذل منها ، لعنها الله وقطع دابر اهلها . قاطعه صاحبه قائلا: لا،،، لا ،،، لا تدعي عليهم يا صاحبي بل ادعي لهم . قال له : ادعي لهم ؟ نعم ادعي لهم بتعدد رؤوسهم وزعاماتهم فهذا كفيل بأذيتهم وتفرقتهم وهدم حياتهم ، واعلم يا صاحبي : ان اردت اهلاك امة او شعبا فادعي لهم بتعدد الزعماء والمسؤولين ، فكلما تعددت الزعامات كثرت التفرقة والنزاعات ، فوالله ما قاد راس حكيم امة الا ونجحت وازدهرت ، وما تعداد الزعماء الا لكثرة البلاء والوباء .

عزيزي القارئ

لا اقصد الاذية ولا اقصد الاهانة ولا الحط من القيمة او القدر ، بل كل ما ابغيه هو تسليط بعض الضوء على حقائق عشناها منذ فجر الاستقلال . لا شك في ان المسيحيين كان لهم الدور الاكبر والابرز في استقلال هذا الوطن ووحدة اراضيه ولا شك ابدا في ان الدور المسلم لا يقل اهمية بحيث ان هذا الدور قد حافظ على عروبة لبنان بوجهها الغربي ، وبمعنى  آخر ان المسيحي قد ثبت الاستقلال من الغرب والمسلم حافظ على هذا الاستقلال من العرب . ولكن.....

عزيزي القارئ

منذ الاستقلال واللبنانيون وعلى مختلف طوائفهم ومذاهبهم وقعوا ضحية الخيار المسيحي والقرار المسيحي بدءًا من ميثاق 1943 وصولا الى المارونية السياسية التي ابدعت في رسم الدور المسيحي الوحيد المنقذ للبنان ، ورغم ذلك فان غالبية اللبنانيين كانت مؤيدة بطريقة او بأخرى لتوجهات المسيحيين وخاصة بعد اتفاق القاهرة وبدء ضياع لبنان بين اقدام الاخوة العرب .

ان الخيار المسيحي وخاصة في عقود الجمهورية الاولى ، قد قضى بشكل تام على خيارات الفئات المعتدلة لدى الطوائف الاخرى في لبنان ، اي انه قضى على ما كان يسمى باليمين المسلم والدرزي . ان العودة الى الوراء ولو بسرعة نرى مدى تأثير هذه الخيارات بالقضاء على اليمين اللبناني المعتدل المتمثل :

اولا : بالزعامة الشيعية في الجنوب المتمثلة " الرئيس كامل الاسعد" وزعامة الرئيس صبري حمادة في البقاع ، وصولا الى القضاء على زعامة ودور الرئيس حسين الحسيني بعد اتفاق الطائف وبداية الجمهورية الثانية .

ثانيا :الزعامة السنية في بيروت المتمثلة بالرئيس صائب سلام والرؤساء من آل الصلح والذين كانوا امتداد الزعامة السنية اليمينية لرياض الصلح ، ناهيك عن الزعامات الاخرى من آل شهاب والبزري وغيرهم .

ثالثا : الزعامة الدرزية اليمينية المتمثلة بالارسلانيين بزعامة الامير مجيد ارسلان

ان الصراعات المسيحية على الزعامة اللبنانية ،وعلى زعامة لبنان العربي ، والخوف على عروبة لبنان ، والنأي عن العروبة ، والابتعاد عن الغرب ،وتبني القضية الفلسطينية ، وخيار الحياد وقوة الضعف ، قادت الى صراعات وخيارات كان فيها لبنان الوطن بين الاقدام السياسية والقرارات العبثية ، اذ مزقته الحروب الطائفية والمذهبية . انصافا للتاريخ ، لم يكن المسيحيون وحدهم في هذا السياق بل ان المسلمين ايضا قاموا بتحالفات خارجية والدروز كذلك ولكن الخيار المسيحي يبقى الخيار الاكثر تأثيرا على مجريات الامور في الداخل اللبناني . هذه الخيارات التي مزقت الصف المسيحي وهدمت البيت المسيحي على رؤوس ساكنيه جميعا ، نرى ان بعضها قد عبر الحدود وانطلق الى المحاور الاقليمية القريبة والبعيدة بدءا من اسرائيل وسوريا وصولا الى العراق ومصر وايران مرورا بالسعودية وقطر ، هذا بالإضافة الى التحالفات التقليدية او التبعية المتبعة للغرب وانظمته .

ان القضاء على اليمين المعتدل في لبنان قد فتح الباب على مصراعيه لنمو التطرف والاخذ بالنظام الاحادي الراس والقرار ،وايديولوجيات غريبة عن النسيج الوطني اللبناني وغريبة عن التربية السياسية اللبنانية وهذا الامر تجلى بحزب الله الذي اشتد عوده بعد تحالفه المتين بالنظام السوري ، علما بانه مُنتج ايراني ونسخة عن ولاية الفقيه واولوياته تأتيه عبر البريد وفقا لأجندة صانعه. ان تعاظم هذا التطرف قاد الآخرين اليه من الطوائف الاخرى والذين اعتنقوا التطرف الديني والسياسي والعقائدي بوجه الآخرين بعد ان كانوا بالأمس القريب محسوبين على اليمين المُدمّرْ بالخيار المسيحي سابقا . الغريب في الامر ان هذه الخيارات قد وصلت الى نقطة الدمار الذاتي والضياع لصاحب القرار نفسه ، وعلى سبيل المثال لا الحصر ، ورقة التفاهم بين التيار العوني وحزب الله ، هذا الخيار المسيحي الذي اعطى الحزب الغطاء المسيحي اللازم للمرور بين نقاط الانتقادات العالمية ، وبين سطور الديمقراطية الدينية والتعددية المسموح بها من خلف الكواليس المظلمة ، هذا الغطاء الذي غطى لبنان كله وادخله في ليل حالك من السياسة العمياء المدمرة واذ بنا نرى ان المسيحيين قد انتقلوا بالبعض منهم من الإقدام على القرارات الشجاعة الى الأقدام التي داستهم ولا زالت تدوسهم في سياسة التبعية والانجرار ، ايضا على سبيل المثال لا الحصر (الارمن ) ، هذا بالإضافة الى الخيار المسيحي السابق المتمثل بالرئيس الراحل سليمان فرنجية ، وبتيار المردة بزعامة سليمان فرنجية (الحفيد) والذي كان لهما الفضل في اعطاء الغطاء الاول للنظام السوري واعطاء الضوء الاخضر للانقسام المسيحي الحاد بعد احداث كان من الممكن التعالي عليها والمرور فوقها حقنا للدماء وصيانة للصف المسيحي وبالتالي صيانة للوطن كله .هذا لا يعني ابدا بأنني اعفي ساحة القوات اللبنانية والكتائب والذين كان لهم الدور المدمر والمقسم في خيارات جنونية اوقدت نار الانقسام الطائفي والوطني خلال الجمهورية الاولى والتي دفعت بالمسلمين الى الارتماء بأحضان منظمة التحرير الفلسطينية في مواجهة الجبهة اللبنانية ، مرورا بحرب الجبل والتي فرضها قرار احمق مرتبط بخيار خارجي اشد حمقا وخطورة ، وصولا الى حرب الالغاء المسيحي او حرب فرض الطائف والقبول به بين عون وجعجع ، وعلى امل الاتعاظ من تلك الاحداث والعودة الى سياسة الاعتدال وقبول الآخر نرى ان تعدد الخيارات المسيحية القاتلة في الجمهورية الاولى والثانية يجب ان تكون محط بحث ودراسة واعادة تموضع وتفكير خوفا على الجمهورية الثالثة التي انطلقت شرارتها بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وصحوة اليمين اللبناني ثانية واعادة استنهاض القوى التي غُيبت او غابت عن الساحة السياسية اللبنانية على مختلف مذاهبها .

اخي القارئ

لا بد من وقفة مسيحية صادقة ، دينية بالدرجة الاولى بعد ان ذهب المسيحيون الى حد الانقسام الكنسي المتمثل برأس الكنيسة المارونية وبسيد بكركي ما بين الكاردينال صفير والكاردينال الراعي ، وكأننا امام كنيستين ومارونيتين سياسيتين جديدتين وبكركي مقسمة الى قسمين ، وهل هذا هو خيار يخص المسيحيين فقط ؟

 

اخي القارئ

بالعودة الى المقالة التي كتبتها بتاريخ 25-11 -2011 (الخوف المسيحي ) ، ارى نفسي ملزما بشدة بإعادة التركيز مرة اخرى حول ما كتبته بالنسبة الى اليقظة المسيحية المطلوبة والالحاح ايضا على القادة المسيحيين للالتفاف مجددا حول مصلحتهم هم بالدرجة الاولى ،

ايها المسيحيون :

 

آن الاوان للتوحد ، آن الاوان للتكتل ، آن الاوان للتنازل الايجابي ، آن الاوان لقبول الاخر ،،،

آن الاوان للعودة كلنا الى الإقدام والخروج من بين الأقدام

 

 

 

 

الخميس، 4 أبريل 2013

الرسالة التاسعة


                                     الوطن

اني اكره لبنان ، لأنه جعلني كافرا بعبادتي له .

جاهلي انا ، جاهلي في الايمان والتقوى في الخشوع والخضوع والطاعة ،في الحب والتضحية والفداء ، جاهلي انا يا وطني ويا ليتها تنمو وتكبر وتنتشر وتعدي من حولي لنصبح جاهليون نعبد هذا الجسم الذي لا حدود له ، انه روح من روح كل مواطن ، انه لبنان انه وطني انه جاهليتي ، انه الذي اعبد واجل رغم الديانات والانبياء والمرسلين . انا عابد الحجر ، عابد الشجر ، عابد لبنان .

يا بني

لا اجد الكلمة المناسبة والملائمة لأبسّط لك الوطن وما يعنيه ، ولا اجد الطريقة السهلة لان اصف وجود الوطن داخل العرق النابض ، ولكنني سأمثّل لك كيفية زراعة الانسان في الارض فينمو بفضل الماء والهواء وينتعش ويشمخ ويكبر ورجلاه تغذياه من تلك الارض الطيبة ، وتأويه وقت يحين موعد الغفو الهنيء ، انه الوطن ... لحاف دافئ وطمأنينة دائمة... وحب لا يبرد.

يا بني

ان الوطن هو انتماء وولاء ،

انتماء في الحضور المميز والرفعة والفخر حين تسأل : من انا ؟ ....

وولاء في التضحية والدفاع والمحافظة حين تسأل : لمن انا ؟

اذا عرفت الاجابة الصحيحة تكون عندئذ قد ادركت وطنك فيك ، وعرف وطنك طريقه اليك ، واعلم يا بني انه حين يضعف الانتماء يصغر الوطن ويضمحل ويتقوقع ، وحين يتجزأ الولاء تتشقق صورة الوطن ويضيع ، فانت ما بين الانتماء والولاء اساس الاستمرار والبقاء .

وطنك ارزة وسنديانة وشجرة زيتون ، انه الجبل والسهل والساحل ، انه النهر والجدول والشلال ، انه صنين وحرمون ، انه الرؤيا التي لا تنتهي والامل الذي لا يفارق ، انه جبلة الاحرار والابطال ، انه السيف والساعد والقلم ، انه لبنان ما قبل التاريخ وما بعد السطور انه الوطن الذي نُحسد عليه ولا يُحسد بمن فيه ، انه انت وانا وهم وهؤلاء ، انه الجمع للجميع والواحد للجميع والباقي للجميع فلا تضيعه ابدا لأنك ستضيع وستضعف وستعود من جديد كطفل رضيع فوق رصيف النسيان والاهمال .

يا بني

عندما كنت صغيرا كنت انتظر يوم الاحد بفارغ الصبر لأرى كاهن البلدة وهو في طريقه الى الكنيسة ولسماع تراتيل لم اكن افهم منها كلمة واحدة بل كانت تأنس لها اذني وترتاح لها روحي ، وكم كنت اجلس كل ظهيرة يوم لسماع آذان جامع بلدتنا ولأهذب نفسي بكلمات قاربت معانيها ما كنت اسمعه في الكنيسة. يا بني ، كنا لا نعلم اذا كان عيد الميلاد للمسيحيين والاضحى للمسلمين بل كنا نعلم بأن هذه الاعياد هي لنا كلنا وانها اعياد الوطن كل الوطن ، كنا نحتفل ونحتفل ونخرج بأبهى حلة ، يد بيد وكتف قرب كتف نعيد ونهنئ وندعو بالخير للجميع .هكذا تربيت في بلدتي وهكذا كبرت على حب هذا المجتمع وهذا البلد وهذا الوطن ، احببته منذ صغري ولم اعرف ابدا ان كان يحبني ام لا ، لم اسأله ولم احاول مجددا ان اسأل بل كنت اكتفي بالهواء النقي والماء العذب والثمر الطازج ، بالرفقة الحميدة والصداقة الصادقة ، بالمجتمع الآمن المسالم ، هذا هو وطني الذي ولدت فيه وهذا هو حبي الذي احيا من اجله .

يا بني

نقف على اطلال وطن بنيناه بالدم والعرق والعزم والامل ، نقف امام شواهد كانت شاهدة على الاقدام والتضحية ، نقف امام حلم تبدد واضمحل من عدم يقظة الحالمين ، نقف يا بني امام بشر قدسوا الحجر فاصبحنا دمى لا حياة فيها ، اسدلوا الشوارب فغابت الابتسامة وارخوا اللحى فتشوه الوجه ، فنحن ما بين الشارب واللحية فم يأكل ويشرب ،،، ويصمت ،، ويصمت .

ان قلبي يعصر الما ، وان خاطري مكسورا ، وانا الملم ذكريات كانت بالأمس القريب مدرسة للوطنية الصحيحة ، اني ابكي على ما كنت اهوى واقدس ، اقف عاجزا عن النطق وعن الفهم وعن الاجابة ،،،، من نحن ؟  ولمن نحن؟ ،،