الأحد، 5 مايو 2013

الرسالة العاشرة


                                           الفرح المجروح

تمرد قدر ما تشاء ، فأنا لن اعيرك اي اهتمام ولن ابدّد عليك ثانية واحدة من وقتي الثمين .

تمرد كيفما تريد واعمل ما يحلو لك فأنا لن اجادلك ولن اناقشك ، فأنت اصم وابكم وجامد وغير رحوم ولن يفيد معك شيء سوى القبول بما تحمله وما تجلبه ، وانا سعيد جدا بمجابهتك وقتالك في هذا التسليم البسيط والانتصار عليك باستيعابك واحتوائك .

تصرف على هواك فأنت الممنوع من الصرف والوحيد الذي لا يُصرف ولا يُباع ولا يُستبدل ، انت الواقع الذي لا نعيه الا عند حصوله ، ننساه في النعيم ونتذكره عند اقتراب الجحيم انت ايها القدر ، لا جدال في عنفوانك ولا يقظة في انقلابك الا بالاتكال على صاحبك وخالق فرصك .ايها القدر ،،، تفضل وتعالى فأنا الذي سيعبث معك حتى تُنكرَ ما تجيد ، وسألبسك خيبة الامل واتلِفُ فيك التفاؤل واجبرك على المُقدّر لك في تقديرك لي .

يا بني

وقفت متأنقا بين الرفاق اوزع بسيمات الفرح المجروح والدمعة المعلقة ، وقفت وسط الصحاب وفرحتي الاولى تشهد مخاضا عسيرا مولدة رغبة الواجب المقدس ومساواة حق الفلذات ولو كان على حساب الذات .

تزدحم الممرات وتتشابك الخواطر وتتوزع الامنيات ، ما بين راضي ومقتنع وآمل بحسن طالع منصف وعادل ، هكذا تتعانق الكلمات وتُشدّ الايادي والدعاء واحد بتكملة الحدث الجميل بقدوم الغائب وبلسمة الجراح ،، وانا ،،،بين هذا وذاك نظرة تائهة وحائرة لا تجد غصنا تحط عليه ولا فسحة لهروب مشرّف ، الا تلك الدمعة المتلألئة المتأرجحة فوق خد اختك الفرحة الممتلئة غبطة بحدث تحلم به كل فتاة منذ ولادتها . تحط نظراتي المشردة لارتاح ويرتاح معها ضميري كأب وراعي اعطى كل ذي حق حقه برفقة شريكة وقفت كالمارد الابيض بوجه سواد الليالي وعتمة الايام .

يا بني

تساوى الحق والباطل ، الخير والشر ، الحزن والفرح ، تساوت قوى تلك الصفات ونصبت ميزانها الدقيق في قلب وعقل كل انسان وتميل حسب الميول والاهواء . فتش يا بني عن تلك الثغرات الدقيقة وادخل في قلب المعادلة واعمل على غلبة الحق والخير والفرح.

كم تمنيت وجودك قربي وقرب اختك واخيك واهل بيتك ورفاقك ، وكم تمنيت لو كنت تمسح بنفسك دمعة السعادة ، ولكن حضور غيابك يا بني كان اكبر من حقيقة واصدق من واقع كنت محور الحركة والانفعال ، لقد قمت بالواجب وقدمت الواجب اكثر من اي وجود فعلي .

يا بني

اوصيك بالعدل في بيتك وما بين ذريتك واعطي ما تعطيه بالمساواة ، ولا تدع الم الحزن يطغي ، ولا بهجة الفرح تغري ، فالخط المستقيم اقصر طريق الوصول الى هناء العطاء .

يا بني
اعرفُ حقيقة شعورك ، واعرفُ حقيقة فرحتك بفرحتنا وفرحة بيتنا ، واعرفُ كم انت سعيد من اجل اختك ، جازاك الله خيرا وانعم عليك بالصبر لتصل الى حرية تعود بك الينا وتتجدد كالربيع وتتفتح براعم شبابك من جديد

الاثنين، 8 أبريل 2013

المسيحيون ما بين الاقدام والأقدام


يحكى ان رجلين حكيمين كانا يتجولان بين القرى والبلدات مستطلعين احوال الناس وطرق عيشهم وحسن تدبيرهم لأمورهم . صدف انهما مرّا بقرية احسن اهلها استقبالهما وضيافتهما ، ففتحوا لهما صدورهم وبيوتهم ، فاستمتعا وطابت لهما الاقامة في ربوع تلك البلدة الهادئة الهانئة .لكن لكل شيء نهاية، فقد حان وقت الرحيل فودِعوا كما استِقبلوا بنفس الحفاوة والتكريم والدعاء بالتسهيل. غادر الرجلان وهما في حنين العودة والمكوث مطولا في تلك البلدة ،وقادهما هذا الحنين والشوق الى بلدة مجاورة فدخلاها على امل لقاء شبيه بذاك اللقاء السابق .

كم كانت المفاجأة كبيرة ومريرة عندما لم يلقيا الترحيب ولا الاستقبال ولا حتى الرد على السلام وطرح الوقت ، وجوه سوداء لا تأنس النور ولا البسمة ، ابواب موصدة ونوافذ مغلقة وان صدف ان وجِد بعضها مفتوحا فهو من سوء صناعة او خراب مستجد .التفت احدهما وقال : لنغادر بسرعة قبل ان نرى المزيد المخزي ، عجبا  عجبا ،،، لا تفصل بينهما سوى بضع تلال ، يشربون نفس الماء ويأكلون ذات الثمار ، ويتكلمون اللغة الواحدة ، فلماذا هذا التباين والاختلاف ؟

لا ادري ، اجابه رفيقه ،،، ولكن الذي اعرفه جيدا هو وجوب المغادرة فورا وبسرعة . لعن الله هذه البلدة واللعنة على سكانها وقاطنيها وحتى عابري سبيلها ، فوالله ما مررت بحياتي ببلدة اسخف واحط وانذل منها ، لعنها الله وقطع دابر اهلها . قاطعه صاحبه قائلا: لا،،، لا ،،، لا تدعي عليهم يا صاحبي بل ادعي لهم . قال له : ادعي لهم ؟ نعم ادعي لهم بتعدد رؤوسهم وزعاماتهم فهذا كفيل بأذيتهم وتفرقتهم وهدم حياتهم ، واعلم يا صاحبي : ان اردت اهلاك امة او شعبا فادعي لهم بتعدد الزعماء والمسؤولين ، فكلما تعددت الزعامات كثرت التفرقة والنزاعات ، فوالله ما قاد راس حكيم امة الا ونجحت وازدهرت ، وما تعداد الزعماء الا لكثرة البلاء والوباء .

عزيزي القارئ

لا اقصد الاذية ولا اقصد الاهانة ولا الحط من القيمة او القدر ، بل كل ما ابغيه هو تسليط بعض الضوء على حقائق عشناها منذ فجر الاستقلال . لا شك في ان المسيحيين كان لهم الدور الاكبر والابرز في استقلال هذا الوطن ووحدة اراضيه ولا شك ابدا في ان الدور المسلم لا يقل اهمية بحيث ان هذا الدور قد حافظ على عروبة لبنان بوجهها الغربي ، وبمعنى  آخر ان المسيحي قد ثبت الاستقلال من الغرب والمسلم حافظ على هذا الاستقلال من العرب . ولكن.....

عزيزي القارئ

منذ الاستقلال واللبنانيون وعلى مختلف طوائفهم ومذاهبهم وقعوا ضحية الخيار المسيحي والقرار المسيحي بدءًا من ميثاق 1943 وصولا الى المارونية السياسية التي ابدعت في رسم الدور المسيحي الوحيد المنقذ للبنان ، ورغم ذلك فان غالبية اللبنانيين كانت مؤيدة بطريقة او بأخرى لتوجهات المسيحيين وخاصة بعد اتفاق القاهرة وبدء ضياع لبنان بين اقدام الاخوة العرب .

ان الخيار المسيحي وخاصة في عقود الجمهورية الاولى ، قد قضى بشكل تام على خيارات الفئات المعتدلة لدى الطوائف الاخرى في لبنان ، اي انه قضى على ما كان يسمى باليمين المسلم والدرزي . ان العودة الى الوراء ولو بسرعة نرى مدى تأثير هذه الخيارات بالقضاء على اليمين اللبناني المعتدل المتمثل :

اولا : بالزعامة الشيعية في الجنوب المتمثلة " الرئيس كامل الاسعد" وزعامة الرئيس صبري حمادة في البقاع ، وصولا الى القضاء على زعامة ودور الرئيس حسين الحسيني بعد اتفاق الطائف وبداية الجمهورية الثانية .

ثانيا :الزعامة السنية في بيروت المتمثلة بالرئيس صائب سلام والرؤساء من آل الصلح والذين كانوا امتداد الزعامة السنية اليمينية لرياض الصلح ، ناهيك عن الزعامات الاخرى من آل شهاب والبزري وغيرهم .

ثالثا : الزعامة الدرزية اليمينية المتمثلة بالارسلانيين بزعامة الامير مجيد ارسلان

ان الصراعات المسيحية على الزعامة اللبنانية ،وعلى زعامة لبنان العربي ، والخوف على عروبة لبنان ، والنأي عن العروبة ، والابتعاد عن الغرب ،وتبني القضية الفلسطينية ، وخيار الحياد وقوة الضعف ، قادت الى صراعات وخيارات كان فيها لبنان الوطن بين الاقدام السياسية والقرارات العبثية ، اذ مزقته الحروب الطائفية والمذهبية . انصافا للتاريخ ، لم يكن المسيحيون وحدهم في هذا السياق بل ان المسلمين ايضا قاموا بتحالفات خارجية والدروز كذلك ولكن الخيار المسيحي يبقى الخيار الاكثر تأثيرا على مجريات الامور في الداخل اللبناني . هذه الخيارات التي مزقت الصف المسيحي وهدمت البيت المسيحي على رؤوس ساكنيه جميعا ، نرى ان بعضها قد عبر الحدود وانطلق الى المحاور الاقليمية القريبة والبعيدة بدءا من اسرائيل وسوريا وصولا الى العراق ومصر وايران مرورا بالسعودية وقطر ، هذا بالإضافة الى التحالفات التقليدية او التبعية المتبعة للغرب وانظمته .

ان القضاء على اليمين المعتدل في لبنان قد فتح الباب على مصراعيه لنمو التطرف والاخذ بالنظام الاحادي الراس والقرار ،وايديولوجيات غريبة عن النسيج الوطني اللبناني وغريبة عن التربية السياسية اللبنانية وهذا الامر تجلى بحزب الله الذي اشتد عوده بعد تحالفه المتين بالنظام السوري ، علما بانه مُنتج ايراني ونسخة عن ولاية الفقيه واولوياته تأتيه عبر البريد وفقا لأجندة صانعه. ان تعاظم هذا التطرف قاد الآخرين اليه من الطوائف الاخرى والذين اعتنقوا التطرف الديني والسياسي والعقائدي بوجه الآخرين بعد ان كانوا بالأمس القريب محسوبين على اليمين المُدمّرْ بالخيار المسيحي سابقا . الغريب في الامر ان هذه الخيارات قد وصلت الى نقطة الدمار الذاتي والضياع لصاحب القرار نفسه ، وعلى سبيل المثال لا الحصر ، ورقة التفاهم بين التيار العوني وحزب الله ، هذا الخيار المسيحي الذي اعطى الحزب الغطاء المسيحي اللازم للمرور بين نقاط الانتقادات العالمية ، وبين سطور الديمقراطية الدينية والتعددية المسموح بها من خلف الكواليس المظلمة ، هذا الغطاء الذي غطى لبنان كله وادخله في ليل حالك من السياسة العمياء المدمرة واذ بنا نرى ان المسيحيين قد انتقلوا بالبعض منهم من الإقدام على القرارات الشجاعة الى الأقدام التي داستهم ولا زالت تدوسهم في سياسة التبعية والانجرار ، ايضا على سبيل المثال لا الحصر (الارمن ) ، هذا بالإضافة الى الخيار المسيحي السابق المتمثل بالرئيس الراحل سليمان فرنجية ، وبتيار المردة بزعامة سليمان فرنجية (الحفيد) والذي كان لهما الفضل في اعطاء الغطاء الاول للنظام السوري واعطاء الضوء الاخضر للانقسام المسيحي الحاد بعد احداث كان من الممكن التعالي عليها والمرور فوقها حقنا للدماء وصيانة للصف المسيحي وبالتالي صيانة للوطن كله .هذا لا يعني ابدا بأنني اعفي ساحة القوات اللبنانية والكتائب والذين كان لهم الدور المدمر والمقسم في خيارات جنونية اوقدت نار الانقسام الطائفي والوطني خلال الجمهورية الاولى والتي دفعت بالمسلمين الى الارتماء بأحضان منظمة التحرير الفلسطينية في مواجهة الجبهة اللبنانية ، مرورا بحرب الجبل والتي فرضها قرار احمق مرتبط بخيار خارجي اشد حمقا وخطورة ، وصولا الى حرب الالغاء المسيحي او حرب فرض الطائف والقبول به بين عون وجعجع ، وعلى امل الاتعاظ من تلك الاحداث والعودة الى سياسة الاعتدال وقبول الآخر نرى ان تعدد الخيارات المسيحية القاتلة في الجمهورية الاولى والثانية يجب ان تكون محط بحث ودراسة واعادة تموضع وتفكير خوفا على الجمهورية الثالثة التي انطلقت شرارتها بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وصحوة اليمين اللبناني ثانية واعادة استنهاض القوى التي غُيبت او غابت عن الساحة السياسية اللبنانية على مختلف مذاهبها .

اخي القارئ

لا بد من وقفة مسيحية صادقة ، دينية بالدرجة الاولى بعد ان ذهب المسيحيون الى حد الانقسام الكنسي المتمثل برأس الكنيسة المارونية وبسيد بكركي ما بين الكاردينال صفير والكاردينال الراعي ، وكأننا امام كنيستين ومارونيتين سياسيتين جديدتين وبكركي مقسمة الى قسمين ، وهل هذا هو خيار يخص المسيحيين فقط ؟

 

اخي القارئ

بالعودة الى المقالة التي كتبتها بتاريخ 25-11 -2011 (الخوف المسيحي ) ، ارى نفسي ملزما بشدة بإعادة التركيز مرة اخرى حول ما كتبته بالنسبة الى اليقظة المسيحية المطلوبة والالحاح ايضا على القادة المسيحيين للالتفاف مجددا حول مصلحتهم هم بالدرجة الاولى ،

ايها المسيحيون :

 

آن الاوان للتوحد ، آن الاوان للتكتل ، آن الاوان للتنازل الايجابي ، آن الاوان لقبول الاخر ،،،

آن الاوان للعودة كلنا الى الإقدام والخروج من بين الأقدام

 

 

 

 

الخميس، 4 أبريل 2013

الرسالة التاسعة


                                     الوطن

اني اكره لبنان ، لأنه جعلني كافرا بعبادتي له .

جاهلي انا ، جاهلي في الايمان والتقوى في الخشوع والخضوع والطاعة ،في الحب والتضحية والفداء ، جاهلي انا يا وطني ويا ليتها تنمو وتكبر وتنتشر وتعدي من حولي لنصبح جاهليون نعبد هذا الجسم الذي لا حدود له ، انه روح من روح كل مواطن ، انه لبنان انه وطني انه جاهليتي ، انه الذي اعبد واجل رغم الديانات والانبياء والمرسلين . انا عابد الحجر ، عابد الشجر ، عابد لبنان .

يا بني

لا اجد الكلمة المناسبة والملائمة لأبسّط لك الوطن وما يعنيه ، ولا اجد الطريقة السهلة لان اصف وجود الوطن داخل العرق النابض ، ولكنني سأمثّل لك كيفية زراعة الانسان في الارض فينمو بفضل الماء والهواء وينتعش ويشمخ ويكبر ورجلاه تغذياه من تلك الارض الطيبة ، وتأويه وقت يحين موعد الغفو الهنيء ، انه الوطن ... لحاف دافئ وطمأنينة دائمة... وحب لا يبرد.

يا بني

ان الوطن هو انتماء وولاء ،

انتماء في الحضور المميز والرفعة والفخر حين تسأل : من انا ؟ ....

وولاء في التضحية والدفاع والمحافظة حين تسأل : لمن انا ؟

اذا عرفت الاجابة الصحيحة تكون عندئذ قد ادركت وطنك فيك ، وعرف وطنك طريقه اليك ، واعلم يا بني انه حين يضعف الانتماء يصغر الوطن ويضمحل ويتقوقع ، وحين يتجزأ الولاء تتشقق صورة الوطن ويضيع ، فانت ما بين الانتماء والولاء اساس الاستمرار والبقاء .

وطنك ارزة وسنديانة وشجرة زيتون ، انه الجبل والسهل والساحل ، انه النهر والجدول والشلال ، انه صنين وحرمون ، انه الرؤيا التي لا تنتهي والامل الذي لا يفارق ، انه جبلة الاحرار والابطال ، انه السيف والساعد والقلم ، انه لبنان ما قبل التاريخ وما بعد السطور انه الوطن الذي نُحسد عليه ولا يُحسد بمن فيه ، انه انت وانا وهم وهؤلاء ، انه الجمع للجميع والواحد للجميع والباقي للجميع فلا تضيعه ابدا لأنك ستضيع وستضعف وستعود من جديد كطفل رضيع فوق رصيف النسيان والاهمال .

يا بني

عندما كنت صغيرا كنت انتظر يوم الاحد بفارغ الصبر لأرى كاهن البلدة وهو في طريقه الى الكنيسة ولسماع تراتيل لم اكن افهم منها كلمة واحدة بل كانت تأنس لها اذني وترتاح لها روحي ، وكم كنت اجلس كل ظهيرة يوم لسماع آذان جامع بلدتنا ولأهذب نفسي بكلمات قاربت معانيها ما كنت اسمعه في الكنيسة. يا بني ، كنا لا نعلم اذا كان عيد الميلاد للمسيحيين والاضحى للمسلمين بل كنا نعلم بأن هذه الاعياد هي لنا كلنا وانها اعياد الوطن كل الوطن ، كنا نحتفل ونحتفل ونخرج بأبهى حلة ، يد بيد وكتف قرب كتف نعيد ونهنئ وندعو بالخير للجميع .هكذا تربيت في بلدتي وهكذا كبرت على حب هذا المجتمع وهذا البلد وهذا الوطن ، احببته منذ صغري ولم اعرف ابدا ان كان يحبني ام لا ، لم اسأله ولم احاول مجددا ان اسأل بل كنت اكتفي بالهواء النقي والماء العذب والثمر الطازج ، بالرفقة الحميدة والصداقة الصادقة ، بالمجتمع الآمن المسالم ، هذا هو وطني الذي ولدت فيه وهذا هو حبي الذي احيا من اجله .

يا بني

نقف على اطلال وطن بنيناه بالدم والعرق والعزم والامل ، نقف امام شواهد كانت شاهدة على الاقدام والتضحية ، نقف امام حلم تبدد واضمحل من عدم يقظة الحالمين ، نقف يا بني امام بشر قدسوا الحجر فاصبحنا دمى لا حياة فيها ، اسدلوا الشوارب فغابت الابتسامة وارخوا اللحى فتشوه الوجه ، فنحن ما بين الشارب واللحية فم يأكل ويشرب ،،، ويصمت ،، ويصمت .

ان قلبي يعصر الما ، وان خاطري مكسورا ، وانا الملم ذكريات كانت بالأمس القريب مدرسة للوطنية الصحيحة ، اني ابكي على ما كنت اهوى واقدس ، اقف عاجزا عن النطق وعن الفهم وعن الاجابة ،،،، من نحن ؟  ولمن نحن؟ ،،

 

الجمعة، 8 مارس 2013

وزير لقطة

هنيئا لنا،، هنيئا لكم ،، هنيئا لكل محبي لبنان ،، هنيئا لكل محبي سوريا،، لكل محبي الوطن العربي . هنيئا للسياسة والديبلوماسية ، هنيئا لصالونات لعبة الامم ، هنيئا لصانعي القرار في لبنان الذليل والعالم العربي الهزيل . هنيئا لكل من فتح كتابا وتصفح صفحة ، ونطق بكلمة او صرخ بحرف ، هنيئا لنا نحن اللبنانيون بهذا الوزير الذي تمعن جيدا وصاغ بمنتهى الدقة كل كلمة قالها وكل جملة حاكها واوصل بكل امانة الرسالة الواضحة الى من يجب ان يقرأ ويفهم ما للبنان وما لسوريا . هنيئا لنا بهذا الوزير "اللقطة " الذي حطم الرقم القياسي باللعب على قيم المواطنة ، هنيئا لنا بك يا معالي " الزير " انت يا من حفظ مجد لبنان وكرامة وعزة مواطنيه . هنيئا لك سوريا ( النظام ) بمعالي الوزير وبهذا المقام وهذا التكريم وهذا الموقف من اجل الاسد واشباله ، وكم كان السعد ليكمل لو لم تعد الينا ايها الوزير وعرجت وحطيت في جنتك التي تحب ، ولتنعم هي ايضا بدفء حبك لها وبغيرتك على مصالحها القومية .
صديقي القارئ
لقد اتحفنا الوزير عدنان منصور بموقفه المشرّف في اجتماع مجلس الجامعة العربية حيث اصرّ على المطالبة بإعادة سوريا الى ممارسة دورها الريادي في بناء الامة العربية . يطالب هذا الوزير وكأن الوضع في سوريا لا تشوبه شائبة وكأنه لم يسمع عما يدور فيها ولا يفقه من الاحداث الدائرة شيئا ، يطالب دون ان يرف له جفن او تسقط دمعة ولو بالغلط على آلاف الضحايا والمشردين من هذا الشعب المسكين ، ويطالب بعودة الجزار الى حضن الامة ( ولو يا معالي الوزير انطر قليلا حتى يجف الدم السوري من على الطرقات والجدران ).
لقد اساء الينا كثيرا ، نعم لقد اساء الى كل لبناني ، اساء الى الاخلاق اللبنانية الى الشرف اللبناني اساء الى حسن الجوار ، جعل منا اضحوكة بل اكثر من ذلك جعلنا محط سخرية وشتيمة على كل شفة ولسان . اني اسأل الرئيس ميقاتي : هل الوزير عدنان منصور يمثل السياسة الخارجية اللبنانية ؟ فاذا كان يمثل فهذه كبرى مصائب الوطن في النهج الاحمق المتطرف المسيء الى الدولة والى الشعب والى مكانة الوطن على قائمة الدول المحترمة لمواثيق وشرعة الانسان والقانون ، وبالتالي لن يكون الوزير المسؤول وحده عن هذا التردي وهذا الموقف بل ستشاركه دولتك في تحمل كامل المسؤولية ، أوا ليس وزيرا في حكومتك ؟ وكذلك ايضا ان مسؤولية فخامة الرئيس لا تقل عن مسؤولية الحكومة مجتمعة فهو المؤتمن على الدستور وعلى صيانة الوطن ودرء المخاطر . اما اذا كان ينطق بصفة شخصية فالمصيبة اكبر ( يعني فاتح على حسابو ) فعلينا مساءلته جميعا امام ضمير الشعب اللبناني قبل المثول امام الحكومة والمجلس النيابي . فلماذا الانتظار لإقالته من الحكومة ؟ او اقله اعادته الى الطريق القويم ، ام ان الوضع الامني العام والمحافظة على السلم الاهلي يستدعيان السكوت عن كل ذلك لعدم جر الوطن الى متاهات صعبة ومريرة ؟ ولنسلم بالأمر الواقع وبما يمثله هذا الوزير ولنحول راتبه وتكاليف اسفاره واقامته على الخزانة السورية او الايرانية رحمة بالاقتصاد اللبناني وعلى الاقل نكون قد عملنا شيئا بالحد الادنى .
اخي القارئ
الا يجدر بوزير الخارجية ان يكون على علم ودراية بما يدور من حوله ؟ الا يجدر به ان يقرأ السياسة من كل جوانبها بل ان يقرأ ما بين السطور لتبيان المناسب في اتخاذ المواقف ؟ الا يرى ؟ الا يسمع ؟ فلنسلّم جدلا بسذاجة هذا الوزير وغبائه السياسي ، الا يجب ان يكون لديه طاقما سياسيا من المستشارين والحكماء والمراقبين ؟ لماذا لا يهدونه او بالأحرى لماذا لا يلفتون خاطره الى المطبات التي يهوي فيها من خلال تصريحاته ؟ لا يقولنّ لي احد ان الطاقم كله على نفس الخط والنغمة ، فربما آن الاوان لان نقلب الصفحة ونترحم على ما هو بلد ودولة وكيان ورأي حر وموقف .
معالي الوزير المحترم
ماذا تقص لأولادك او احفادك او اصدقائك عن مواقفك السياسية التي تطرحها هنا وهناك ؟ ماذا تقول لمجرد السؤال عما يجري في سوريا والمنطقة ؟
اهي مؤامرة ؟ام خيانة ؟ ام اطاحة بنظام الصمود والتصدي ودحر العدو الصهيوني ؟ اهو القتال من اجل الارض والعرض والوطن والكرامة ؟ وضد من ؟امن اجل تحرير القدس أم الرقة أم حمص؟ اليس هذا القتال من اجل العائلة وبالتالي النظام البعثي البائس ؟ ما هو دورك في كل هذا وماذا يعنيك  من باب السياسة اللبنانية ؟ اليست مهمتك هي في شرح الموقف الرسمي اللبناني النابع من الموقف العام اللبناني بغض النظر عن اختلافات الرأي المشروعة ؟ وكما قال المثل العامي " ليش حامل السلم بالعرض ؟"
اهو تكليف رسمي؟ ام تكليف شرعي ؟ ام تكليف مالي مأجور لا سمح الله ؟انت ادرى الناس وانت اكثر فطنة وحنكة لتنزع عنك هذه الملصقات المخزية . استقلْ من الحكومة بالله عليك واحفظ قليلا من ماء وجهك ووجه هذا الوطن الذي حضنك ورعاك.

الثلاثاء، 5 مارس 2013

الرسالة الثامنة

                                المعرفة
حبست الدموع واطلقت الصراخ فلم انجح ، حاولت ان احبس الانفاس واطلق الدموع فلم انجح ايضا ، فانا ضعيف في الحالتين بل انا في قمة قوة الضعف . لا نفع في الدموع ولا نفع في الصراخ فالنتيجة واحدة وهي الفشل ثم الفشل. احاول الهروب من شيء يهرب مني ويعدو بعيدا عني ،احاول الهروب من ذاتي لأني لا اقدر على فهم واستيعاب ما انا بحاجة اليه . ترى ما الذي احتاجه لأكون انا ، وما ينقصني لأجعل من ذاتي ذات " الأنا " ، ربما افتقد لمعرفة ماهية " الأنا " ومن " أنا " .
انا رجل وجدت الحياة من جهد البقاء ، ورغبت البقاء رغم الشقاء. انه التحدي في جعل الاستمرار سهلا والسعادة هدفا ،فكلما بعُدَ الهدف ازداد الشوق وغاب اليأس ، ترى ايمكن ان اصل قبل الوقت ؟ .
حلّ الوجود ضيفا دون دعوة او اذن ، فأصبحتُ جزءا من ذاك الوجود ، اكافح واناضل ، امرض واتعب واشقى من اجل هذا الوجود ، ولا اعرف في الحقيقة  سبب وجودي او ما اوجب وجودي فيه . هل بقائي سيغير شيئا ؟ هل كان سيتغير شيئا لو لم اكن ؟ هل يأتي هذا البقاء بفارق يساوي هذا الجهد ؟ لا ادري ، كل ما اعرفه هو انني هنا وموجود ، ولهذا سأنطلق بكل قواي وبكل ما اوتيت من ارادة وصبر وطموح .
يا بني،
ان المعرفة هي الحجر الاساس لتحديد الشروط المطلوبة للبقاء والاستمرار ،  فمعرفة الذات قبل كل شيء هي القناعة بالذات وبالتالي القبول بما هي عليه اي بمعنى ان نقبل ذاتنا كما وُجدت وبقبول اقرب الى الايمان بالشكل والمضمون منه الى التسليم بالأمر الواقع ، وبالتالي هي الفكرة الرئيسة التي نبني عليها التطلع الطّموح من خلال تثبيت الحاضر وتهيئته لانطلاقة اخرى بعد تصحيح ما اعوج وانحرف سابقا . لقد قيل " انا افكر اذا انا موجود " ، وانا اثبت العكس الصحيح بالقول " انا موجود اذا انا افكر " وبغض النظر عن قيمة الفكرة او نتائجها فلا وجود دون ادراك بالحد الادنى بدءا من الانسان حتى اسفل الخلق . اذا انّ الوجود يفرض فرضية التفكير من اجل البقاء ، وما يفرضه من تأمين للمأكل والمشرب والمأوى ، ليُصبحَ مقياسَ وجود الانسان وليؤكّدً حضوره بنتيجة وبتأثير .
يا بني
اختلفت مستويات المعرفة بين مجتمع وآخر وبقيت خاضعة للمعرفة الفردية  التي كوّنت مع مجموعة اخرى من "معارف متشعبة " معرفة كبرى رسمت حدود تعريف المجتمع المنتمية اليه . ان تباين مستويات المعرفة لا يمس قيمة هذه المعرفة ولا يمس فعالية دورها سواء في دفع عجلة التقدم او العكس كما الحال في معرفة الاجرام والارهاب والتدمير ، فكل معرفة لها اطارها ومسلكها ونتيجتها . ان معرفة  البناء لا تقل اهمية عن معرفة المختبر مثلا ، وهذا ما يوصل الى مساواة اصحاب هاتين المعرفتين بالقيمة المطلقة لكل معرفة ، وبالتالي فان عالم ذرة لا يستطيع تصليح سيارته كما هو الحال مع عامل الميكانيك الذي لا يفقه ابدا بعلم الذرة . اذاً ان كل معرفة لها قيمتها الخاصة ولها تقديرها ومكانتها وما على الفرد الا اختيار معرفة تناسب امكانياته وعطائه وتناسب بنيته الفكرية والجسدية ليكوّن معها وجودا فاعلا  .من هنا نرى انه يمكننا معرفة انفسنا من خلال ميلنا اولا وقدرتنا ثانيا على اتخاذ المسلك الايجابي في حياتنا .
ايها الشاب
اني انقل اليك خلاصة عشرات السنين من المغامرات والتجارب التي وقفت كلها بأسبابها ونتائجها على قدر المعرفة بظروفها والتصرف حيالها ، فلا تندم على عدم معرفة بل اندم على افساد ما تعرف وسارع الى تقويمه . اذكّرك بأن تجعل الثقافة توأما للمعرفة ، فان المعرفة دون ثقافة كالزهرة دون اريج ، جميلة وجذابة ولكنها من دون روح وتفتقر الى الحياة .
يا بني ، دع الحياة تعطيك ما لديها وتعلّم في صفوفها حساب الزمن وقيمة الايام ، اصغِ الى الكبير واستمع الى الصغير فما بينهما يكمن سر العبور نحو غدٍ اكثر وضوحا وانقى صورة ، واعلم جيدا اين تضع قدميك ، فلا ترتفع دون قيد ولا تغوص دون انتباه ، واعمل على ابقاء جبينك مقابل الشمس ويدك ظاهرة للجميع .

الجمعة، 22 فبراير 2013

حط بالخرج

يُحكى ان رجلين اجنبيين قدما الى لبنان لتمضية بعض الوقت لدى صديق لهما كانا قد تعرفا عليه عندما كان في بلادهما . وهكذا قررا المجيئ والتجوال في ربوع لبنان الجميل بعد ان اصرّ عليهما صاحبهما ليرد لهما بعضا من فضائلهما السابقة عليه .
كم كانت مفاجأتهم كبيرة عندما وجدا صاحبهما على درجة عالية من السمنة، جرّاء عدم اكتراثه بصحته وعافيته وكان يردد دائما ويقول " روح.. حط بالخرج " ، ردا على اي انتقاد او نصيحة .امتدت زيارتهما اسابيعا من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب ، مستمتعان بما لذّ وطاب من المأكولات اللبنانية الشهية ، ومع هذا كانا في قلق وحيرة من امر سمنة وشهية صاحبهما .شارفت الزيارة على نهايتها وازداد القلق على صاحبهما واخذا في شرح ما تؤول اليه هذه الاطعمة وما ستسبب له من ازمات ووعكات صحية مستقبلا ، ومع هذا كله فكان يجابهما بجوابه المعهود " روح حط بالخرج" . انها كلمة محيرة وليست في قاموس السياح ولا الزائرين ، ولدى الاستفسار عنها قال لهما : انها الكلمة اللبنانية المناسبة للإجابة على كل شيء . شو رأيك ب... ؟ روح حط بالخرج، الحياة وفرص العمل ؟ روح حط بالخرج، التعليم والطبابة ؟ روح حط بالخرج ، السياسة والساسة والحاضر والمستقبل ؟ روح حط بالخرج ،،،واذا كنتما لا تريدان الاهتمام بشيء ما وقطع الطريق على كل سائل او متحدث او مشارك فما عليكما الا القول : روح حط بالخرج ، وبالتالي فان الحياة السياسية والاجتماعية والامنية كلها وصولا الى الوطن ، كل الوطن : " روح حط بالخرج " ، لبنان كله " روح حط بالخرج " .
استمرت زيارة الاصحاب لأكثر من شهر ، وفي احدى المناسبات حيث دعيا الى حفلة زفاف انغمس الرجل في طيب المقبلات والمأكولات والحلويات والمشروبات وكل شيء يمت بصلة الى المعدة والأمعاء . شعر صاحبهما ببعض السوء وطلب الاستراحة والانفراد لبعض الوقت آملا بان يستعيد بعض نشاطه وعافيته ، فرافقاه الى البيت وتركاه بعد ان طمأنهما على انه بخير ثم غادرا ، ولكن حالته اشتدت مما استُدعيَ نقله الى المستشفى وما لبث ان فارق الحياة متأثرا بالتخمة الزائدة والشراهة وبعجز المعدة وانسداد المريء .
تأثرا كثيرا على فقدان صاحبهما واتخذا قرارا بالمشاركة في التشييع ، ووقفا حسب العادات اللبنانية مع اهل الفقيد لتقبل التعازي والناس تمر من امامهما مبدين الاسف وطالبين الرحمة لهذا الرجل . احتارا في كيفية الرد على تلك الكلمات غير المألوفة وتابعا وقوفهما بصمت مطبق دون النطق بحرف واحد الى ان تذكرا مقولة صاحبهما الراحل فبادرا الى الرد السريع على الناس " روح حط بالخرج " . فاذ بنا امام مشهد مضحك مبكي في آن ، نحن آسفون " روح حط بالخرج ... الله يرحمو " روح حط بالخرج ...العوض بسلامتكم "روح حط بالخرج " . وهكذا انتهى هذا الرجل الى الخرج ، وانقذ الخرج صاحبيه من اللوم والعتب .
عزيزي القارئ
نُحقن بشتى انواع الادوية الفاسدة ونموت على ابواب المستشفيات ، والساسة عندنا بأتم الصحة والعافية ولا تنقصهم سوى بضعة آلاف بل ملايين الدولارات .نخاف التجوال في الشوارع والذهاب الى اماكن العمل ان وجدت ،ويتملكنا الرعب ليل نهار من قطاع الطرق واللصوص تارة ، ومِن مَن يدّعون حماية الوطن تارة اخرى ، ومن حماة الاستراتيجية التي تحولت بأمر الهيّ الى استراتيجية هجومية دفاعا عن الوطن الضائع في الجهة الاخرى ، تحت شعار السلم الاهلي والنأي بالنفس عن الجار والدار وعدم المس بالشؤون الداخلية لكل قرية ومدينة ومذهب وملّة ، ونقول :" روح حط بالخرج ".
ضقنا ذرعا من عجقة السير على الطرقات وما يتبعها من قتل وخطف وسرقات ، ولكنها افضل من مشاهدة عجقة سير السياسيين بين اروقة المجلس متأبطين حقائب الدولة ومستقبل المواطن ، التي تفيض بفواتير مستحقة لجيوب الغيارى على المصلحة العامة ونقول : " روح حط بالخرج " .
لا ماء ولا كهرباء ولا امن ، ولا خبز ولا وقود ولا طبابة  ، ويأتي احدهم بكل ثقة واندفاع وقناعة ليحثنا ويدعونا الى تحرير الجولان والقدس ، ولننقذ الامة العربية من ربيعها الفاسد بعد ان ننتهي من تضميد جراح الشقيقة وشفاء نظامها ، لتعود بإذن الله وايران الى قيادة مسيرة التدمير والقتل والارهاب ، ونحن نصفق ونلطم الرأس والصدر ونقول : روح "حط بالخرج " .
لقد نفضنا عنا خرج الجمهورية الاولى " 43 " ، وطرحنا خرج اتفاق القاهرة ومنظمة التحرير ، وشلحنا خرج العروبة والقومية ومنابر الاشقاء والاصدقاء ، وافرغنا خرج الوصاية واستبدلناه بخرج التحرير وملأناه فخرا وعزة وكرامة حتى اصبح لباسا اسودا ثقيلا . حملنا خرج ثورة الارز فاعتذرت الارزة وانحنت ، لأنها لا تريد رقما يتاجر بها ، بل يدا تزرعها وامة تربيها، ولا زلنا نلبس خرجا وننزع آخر ونحاول ان نلائم اجسادنا على قياسات تأتينا من بُعد ، والخرج خرج والسوق مزدهرة والباعة كُثر .
اخي القارئ
ايها اللبناني ، هل تعتقد ان الخرج سيمتلئ يوما ما ؟ ولنفرض ذلك... سيأتي الزعيم بخرج آخر وآخر ويكدس فيه غنائمه طالما نحن وراءه ونحمل ذلك الخرج. آن الاوان ، نعم آن الاوان لان نضع الخرج جانبا ونقول لهم : كل واحد يحمل خرجه وعلى مسؤوليته ، فقط عند ذلك سنراهم عاجزين وعاجزين وسيسقطون الواحد تلو الاخر ، وسننتهي من مقولة حط بالخرج لنقول جميعا : حطوهم بالخرج وليركبوا حمار غوار وليتعفنوا في سجن جريمة هضم الدستور وبلع القانون ، وليرحم الله صاحبنا السمين ويسكنه جنّات الخرج ،، آمين . 

الخرج ، هو عبارة عن كيس من الكتان القوي مفتوح بالوسط وتتدلى منه جيبتان متقابلتان توضع بهما اشياء متنوعة ويوضع الخرج عادة على ضهر الحمار .

الثلاثاء، 5 فبراير 2013

الرسالة السابعة

                                    ساندي
لم تسنح لي الفرصة سابقا لأن اتعرف عليك اكثر وان اقترب منك اكثر، ولم يتسنى لي الغوص في بحر ذاتك لاكتشاف اعماقك وخبايا تكوينك ، ذلك لأننا اناس لا نستمتع بالفرص - حتى لا اقول لا نستغل الفرص- نعم لأننا اناس ننظر الى القشرة بإمعان اكثر من اهتمامنا بالمضمون والجوهر. ربما ما يعنينا هو ما الاقرب الينا وما تطاله ايدينا اكثر مما يلمسه فكرنا وادراكنا .نقف عند حدود المعرفة ولا نعرف التقدم الى الامام او فهم النتيجة ، نقف عند حدود الحرية لأننا نتقيد دائما بشروط الحرية التي فقدت قيمة النضال من اجلها . نقف عند حدود الجهل لأننا نجهل انه يجب علينا ان نتخطى حدوده ونفك قيوده . هكذا انتَ كما نراك دائما بعين واحدة وباتجاه واحد، انتَ صاحب المسلك المنفرد والرأي المنفرد والقرار المنفرد، وانا اليوم احاول ان اكون منفردا في رأي وفي موقفي  وفي علاقتي معكَ . احاول ان اكون في حدود حرية التعبير وفي جهل حدود المعرفة وبين اخطاء حب الاستطلاع . انت تعرف جيدا انه بإمكاني ان اقول ما اريد وان اطلق عليكَ ما اريد ، ولكنك لا تعرف انني لا اعرف ماذا اريد وما يمكن ان اصل اليه في محاولة المعرفة، ليس بالضرورة والحاجة بل بقناعة المبدأ وصلابة الموقف .
جميل بدون شك ايها الافق ، مبهر المنظر ساحر الوجه ، جذاب الى درجة الكفر . تخطيت كل الصفات وركبت فوق معاني الكلمات فأضعت حروفا وازلت نقاطا ، قاموسك غني وغني ،،، ولكن أتدرك باننا حفظناه اكثر منك؟
جلستْ ساندي قبالة الافق البعيد والبعيد جدا ، محدقة بذيك البريق الجذاب ، آملة ان يأتي اليوم الذي تتمكن فيه من الوصول اليه ولمسه والاحساس به ، املت ساندي وكلها ثقة ، لأنها ممتلئة نشاطا ومفعمة بالطموح والارادة ، وقررت ... واخذت على نفسها عهدا بالوصول الى ذلك الحلم ولو اصبح قدرا. انطلقت ساندي مغذية ذاك الاندفاع بكل ما اوتيت من عزم وعلم ، ومعرفة وجهد،،، سوف يتحقق ولو بعد حين، كل شيء في وقته واوانه ، وكل شيء مقدر له بشكل او بآخر .
 لمِنَ السّهل النظر الى ذلك الافق ولكن ليس من السهل الوصول اليه ، والاصعب من كل هذا هو المكوث فيه والتأقلم معه والانصهار في ذاته ليصبح من وجودك ، هذا الافق الذي كرّس الحرية والديمقراطية والحقوق الانسانية ، انه حلم كل ساندي اينما وجدت على هذه الارض .
طوال عقود وهذا الافق يعمل ليل نهار في تحسين صورته وتلميع جوانبه ، عمل  على غرس بعض طباعه وتقاليده واعرافه في امكنة حل فيها من غير دعوة او ترحيب . عمل كل ما في وسعه لإظهار لطفه وحسن نيته في المساعدة على التغيير والانتقال بهذه الارض وشعبها الى افق قريب من افقه ، تخبط احيانا واجتاز الصعاب احيانا اخرى ، واقنع الآملين والراغبين في التغيير بأنه سلم الصعود الوحيد الى الافق الام الذي لا يتغير . هكذا انطلقت سانديات عديدة من كل حدب وصوب مرحبة بهذا التعاون وهذا العطاء ، وتجمعت ساندي وراء ساندي للصعود على سلم التدرّج نحو العلا ، باتجاه الافق الفوقي المعصوم بخطوات ثابتة وبصوت واحد ، نعم للحرية نعم للديمقراطية ، نعم لحرية التعبير والفكر والمعتقد ، نعم للأفق الذي لا ينطفئ ولا يخبو ولا يضعف .
ابهر بريق ذاك الافق الناظرين اليه ونال اعجاب من لا يعجب لشيء، وسطع نوره ولامس اطراف الارض وبات متاحا لكل طامح وطامع وطالب وسائل ، واصبح هذا الافق في متناول من يريد. انغمست السانديات في بحر الاكتشاف العظيم والخطير والسهل المميت ، وكم تفاجأت من مطبات هذا القدر المصطنع ، وهوت .. وهوت ساندي وراء ساندي وابتعدت وغابت في غياهب الاحلام المحطمة وعادت ادراجها باكية .
بكت ساندي ودمعت ، وكرجت دموعها وامتلأت جداولا وفاضت انهارا وشلالات زاخرة بقدسية وعذوبة القطرات الحامية ، وهكذا تكونت وانطلقت ساندي كبيرة وكبيرة لإعادة بعض الاعتبار والاحترام والكبرياء ولتطرق باب الافق مذكرة بانه ظلمَ وظلمَ ، وقسى على نعومة الانامل وطيب الخواطر. نعم ، قدمت ساندي اعتذارها لعدم قدرتها على تغيير جسدها ليناسب لباسا جديدا ، وعلى عدم تناغم معتقداتها مع تقاليد واعراف جافة  ويابسة .انحنت واعتذرت على هذا المرور المُدمِّر والمُحطِّمَ ، وهكذا عاد حلم ساندي القديم ليسرح بعيدا مع اسماك التونة البريئة محاولا الابتعاد عن جوع القرش ونهمه وسطوته.
يا بني ، ان دمعتك على فقدان حلمك هي واحدة من دموع الكثيرين الذين تكسرت بهم القوارب على شواطئ صخرية غادرة ، ولتكن هذه التجربة مصدر وحي والهام وارادة لتنهض من جديد وتعبر الى بحر اكثر هدوءً واكثر تفهما واكثر امانا .
انه بحر والديك واخوتك ، انه بحر عائلتك التي تنتظرك بفارغ الصبر ، انه بحر خلاصك وانطلاقك من جديد الى محيط الامل الكبير