الخميس، 4 أبريل 2013

الرسالة التاسعة


                                     الوطن

اني اكره لبنان ، لأنه جعلني كافرا بعبادتي له .

جاهلي انا ، جاهلي في الايمان والتقوى في الخشوع والخضوع والطاعة ،في الحب والتضحية والفداء ، جاهلي انا يا وطني ويا ليتها تنمو وتكبر وتنتشر وتعدي من حولي لنصبح جاهليون نعبد هذا الجسم الذي لا حدود له ، انه روح من روح كل مواطن ، انه لبنان انه وطني انه جاهليتي ، انه الذي اعبد واجل رغم الديانات والانبياء والمرسلين . انا عابد الحجر ، عابد الشجر ، عابد لبنان .

يا بني

لا اجد الكلمة المناسبة والملائمة لأبسّط لك الوطن وما يعنيه ، ولا اجد الطريقة السهلة لان اصف وجود الوطن داخل العرق النابض ، ولكنني سأمثّل لك كيفية زراعة الانسان في الارض فينمو بفضل الماء والهواء وينتعش ويشمخ ويكبر ورجلاه تغذياه من تلك الارض الطيبة ، وتأويه وقت يحين موعد الغفو الهنيء ، انه الوطن ... لحاف دافئ وطمأنينة دائمة... وحب لا يبرد.

يا بني

ان الوطن هو انتماء وولاء ،

انتماء في الحضور المميز والرفعة والفخر حين تسأل : من انا ؟ ....

وولاء في التضحية والدفاع والمحافظة حين تسأل : لمن انا ؟

اذا عرفت الاجابة الصحيحة تكون عندئذ قد ادركت وطنك فيك ، وعرف وطنك طريقه اليك ، واعلم يا بني انه حين يضعف الانتماء يصغر الوطن ويضمحل ويتقوقع ، وحين يتجزأ الولاء تتشقق صورة الوطن ويضيع ، فانت ما بين الانتماء والولاء اساس الاستمرار والبقاء .

وطنك ارزة وسنديانة وشجرة زيتون ، انه الجبل والسهل والساحل ، انه النهر والجدول والشلال ، انه صنين وحرمون ، انه الرؤيا التي لا تنتهي والامل الذي لا يفارق ، انه جبلة الاحرار والابطال ، انه السيف والساعد والقلم ، انه لبنان ما قبل التاريخ وما بعد السطور انه الوطن الذي نُحسد عليه ولا يُحسد بمن فيه ، انه انت وانا وهم وهؤلاء ، انه الجمع للجميع والواحد للجميع والباقي للجميع فلا تضيعه ابدا لأنك ستضيع وستضعف وستعود من جديد كطفل رضيع فوق رصيف النسيان والاهمال .

يا بني

عندما كنت صغيرا كنت انتظر يوم الاحد بفارغ الصبر لأرى كاهن البلدة وهو في طريقه الى الكنيسة ولسماع تراتيل لم اكن افهم منها كلمة واحدة بل كانت تأنس لها اذني وترتاح لها روحي ، وكم كنت اجلس كل ظهيرة يوم لسماع آذان جامع بلدتنا ولأهذب نفسي بكلمات قاربت معانيها ما كنت اسمعه في الكنيسة. يا بني ، كنا لا نعلم اذا كان عيد الميلاد للمسيحيين والاضحى للمسلمين بل كنا نعلم بأن هذه الاعياد هي لنا كلنا وانها اعياد الوطن كل الوطن ، كنا نحتفل ونحتفل ونخرج بأبهى حلة ، يد بيد وكتف قرب كتف نعيد ونهنئ وندعو بالخير للجميع .هكذا تربيت في بلدتي وهكذا كبرت على حب هذا المجتمع وهذا البلد وهذا الوطن ، احببته منذ صغري ولم اعرف ابدا ان كان يحبني ام لا ، لم اسأله ولم احاول مجددا ان اسأل بل كنت اكتفي بالهواء النقي والماء العذب والثمر الطازج ، بالرفقة الحميدة والصداقة الصادقة ، بالمجتمع الآمن المسالم ، هذا هو وطني الذي ولدت فيه وهذا هو حبي الذي احيا من اجله .

يا بني

نقف على اطلال وطن بنيناه بالدم والعرق والعزم والامل ، نقف امام شواهد كانت شاهدة على الاقدام والتضحية ، نقف امام حلم تبدد واضمحل من عدم يقظة الحالمين ، نقف يا بني امام بشر قدسوا الحجر فاصبحنا دمى لا حياة فيها ، اسدلوا الشوارب فغابت الابتسامة وارخوا اللحى فتشوه الوجه ، فنحن ما بين الشارب واللحية فم يأكل ويشرب ،،، ويصمت ،، ويصمت .

ان قلبي يعصر الما ، وان خاطري مكسورا ، وانا الملم ذكريات كانت بالأمس القريب مدرسة للوطنية الصحيحة ، اني ابكي على ما كنت اهوى واقدس ، اقف عاجزا عن النطق وعن الفهم وعن الاجابة ،،،، من نحن ؟  ولمن نحن؟ ،،

 

الجمعة، 8 مارس 2013

وزير لقطة

هنيئا لنا،، هنيئا لكم ،، هنيئا لكل محبي لبنان ،، هنيئا لكل محبي سوريا،، لكل محبي الوطن العربي . هنيئا للسياسة والديبلوماسية ، هنيئا لصالونات لعبة الامم ، هنيئا لصانعي القرار في لبنان الذليل والعالم العربي الهزيل . هنيئا لكل من فتح كتابا وتصفح صفحة ، ونطق بكلمة او صرخ بحرف ، هنيئا لنا نحن اللبنانيون بهذا الوزير الذي تمعن جيدا وصاغ بمنتهى الدقة كل كلمة قالها وكل جملة حاكها واوصل بكل امانة الرسالة الواضحة الى من يجب ان يقرأ ويفهم ما للبنان وما لسوريا . هنيئا لنا بهذا الوزير "اللقطة " الذي حطم الرقم القياسي باللعب على قيم المواطنة ، هنيئا لنا بك يا معالي " الزير " انت يا من حفظ مجد لبنان وكرامة وعزة مواطنيه . هنيئا لك سوريا ( النظام ) بمعالي الوزير وبهذا المقام وهذا التكريم وهذا الموقف من اجل الاسد واشباله ، وكم كان السعد ليكمل لو لم تعد الينا ايها الوزير وعرجت وحطيت في جنتك التي تحب ، ولتنعم هي ايضا بدفء حبك لها وبغيرتك على مصالحها القومية .
صديقي القارئ
لقد اتحفنا الوزير عدنان منصور بموقفه المشرّف في اجتماع مجلس الجامعة العربية حيث اصرّ على المطالبة بإعادة سوريا الى ممارسة دورها الريادي في بناء الامة العربية . يطالب هذا الوزير وكأن الوضع في سوريا لا تشوبه شائبة وكأنه لم يسمع عما يدور فيها ولا يفقه من الاحداث الدائرة شيئا ، يطالب دون ان يرف له جفن او تسقط دمعة ولو بالغلط على آلاف الضحايا والمشردين من هذا الشعب المسكين ، ويطالب بعودة الجزار الى حضن الامة ( ولو يا معالي الوزير انطر قليلا حتى يجف الدم السوري من على الطرقات والجدران ).
لقد اساء الينا كثيرا ، نعم لقد اساء الى كل لبناني ، اساء الى الاخلاق اللبنانية الى الشرف اللبناني اساء الى حسن الجوار ، جعل منا اضحوكة بل اكثر من ذلك جعلنا محط سخرية وشتيمة على كل شفة ولسان . اني اسأل الرئيس ميقاتي : هل الوزير عدنان منصور يمثل السياسة الخارجية اللبنانية ؟ فاذا كان يمثل فهذه كبرى مصائب الوطن في النهج الاحمق المتطرف المسيء الى الدولة والى الشعب والى مكانة الوطن على قائمة الدول المحترمة لمواثيق وشرعة الانسان والقانون ، وبالتالي لن يكون الوزير المسؤول وحده عن هذا التردي وهذا الموقف بل ستشاركه دولتك في تحمل كامل المسؤولية ، أوا ليس وزيرا في حكومتك ؟ وكذلك ايضا ان مسؤولية فخامة الرئيس لا تقل عن مسؤولية الحكومة مجتمعة فهو المؤتمن على الدستور وعلى صيانة الوطن ودرء المخاطر . اما اذا كان ينطق بصفة شخصية فالمصيبة اكبر ( يعني فاتح على حسابو ) فعلينا مساءلته جميعا امام ضمير الشعب اللبناني قبل المثول امام الحكومة والمجلس النيابي . فلماذا الانتظار لإقالته من الحكومة ؟ او اقله اعادته الى الطريق القويم ، ام ان الوضع الامني العام والمحافظة على السلم الاهلي يستدعيان السكوت عن كل ذلك لعدم جر الوطن الى متاهات صعبة ومريرة ؟ ولنسلم بالأمر الواقع وبما يمثله هذا الوزير ولنحول راتبه وتكاليف اسفاره واقامته على الخزانة السورية او الايرانية رحمة بالاقتصاد اللبناني وعلى الاقل نكون قد عملنا شيئا بالحد الادنى .
اخي القارئ
الا يجدر بوزير الخارجية ان يكون على علم ودراية بما يدور من حوله ؟ الا يجدر به ان يقرأ السياسة من كل جوانبها بل ان يقرأ ما بين السطور لتبيان المناسب في اتخاذ المواقف ؟ الا يرى ؟ الا يسمع ؟ فلنسلّم جدلا بسذاجة هذا الوزير وغبائه السياسي ، الا يجب ان يكون لديه طاقما سياسيا من المستشارين والحكماء والمراقبين ؟ لماذا لا يهدونه او بالأحرى لماذا لا يلفتون خاطره الى المطبات التي يهوي فيها من خلال تصريحاته ؟ لا يقولنّ لي احد ان الطاقم كله على نفس الخط والنغمة ، فربما آن الاوان لان نقلب الصفحة ونترحم على ما هو بلد ودولة وكيان ورأي حر وموقف .
معالي الوزير المحترم
ماذا تقص لأولادك او احفادك او اصدقائك عن مواقفك السياسية التي تطرحها هنا وهناك ؟ ماذا تقول لمجرد السؤال عما يجري في سوريا والمنطقة ؟
اهي مؤامرة ؟ام خيانة ؟ ام اطاحة بنظام الصمود والتصدي ودحر العدو الصهيوني ؟ اهو القتال من اجل الارض والعرض والوطن والكرامة ؟ وضد من ؟امن اجل تحرير القدس أم الرقة أم حمص؟ اليس هذا القتال من اجل العائلة وبالتالي النظام البعثي البائس ؟ ما هو دورك في كل هذا وماذا يعنيك  من باب السياسة اللبنانية ؟ اليست مهمتك هي في شرح الموقف الرسمي اللبناني النابع من الموقف العام اللبناني بغض النظر عن اختلافات الرأي المشروعة ؟ وكما قال المثل العامي " ليش حامل السلم بالعرض ؟"
اهو تكليف رسمي؟ ام تكليف شرعي ؟ ام تكليف مالي مأجور لا سمح الله ؟انت ادرى الناس وانت اكثر فطنة وحنكة لتنزع عنك هذه الملصقات المخزية . استقلْ من الحكومة بالله عليك واحفظ قليلا من ماء وجهك ووجه هذا الوطن الذي حضنك ورعاك.

الثلاثاء، 5 مارس 2013

الرسالة الثامنة

                                المعرفة
حبست الدموع واطلقت الصراخ فلم انجح ، حاولت ان احبس الانفاس واطلق الدموع فلم انجح ايضا ، فانا ضعيف في الحالتين بل انا في قمة قوة الضعف . لا نفع في الدموع ولا نفع في الصراخ فالنتيجة واحدة وهي الفشل ثم الفشل. احاول الهروب من شيء يهرب مني ويعدو بعيدا عني ،احاول الهروب من ذاتي لأني لا اقدر على فهم واستيعاب ما انا بحاجة اليه . ترى ما الذي احتاجه لأكون انا ، وما ينقصني لأجعل من ذاتي ذات " الأنا " ، ربما افتقد لمعرفة ماهية " الأنا " ومن " أنا " .
انا رجل وجدت الحياة من جهد البقاء ، ورغبت البقاء رغم الشقاء. انه التحدي في جعل الاستمرار سهلا والسعادة هدفا ،فكلما بعُدَ الهدف ازداد الشوق وغاب اليأس ، ترى ايمكن ان اصل قبل الوقت ؟ .
حلّ الوجود ضيفا دون دعوة او اذن ، فأصبحتُ جزءا من ذاك الوجود ، اكافح واناضل ، امرض واتعب واشقى من اجل هذا الوجود ، ولا اعرف في الحقيقة  سبب وجودي او ما اوجب وجودي فيه . هل بقائي سيغير شيئا ؟ هل كان سيتغير شيئا لو لم اكن ؟ هل يأتي هذا البقاء بفارق يساوي هذا الجهد ؟ لا ادري ، كل ما اعرفه هو انني هنا وموجود ، ولهذا سأنطلق بكل قواي وبكل ما اوتيت من ارادة وصبر وطموح .
يا بني،
ان المعرفة هي الحجر الاساس لتحديد الشروط المطلوبة للبقاء والاستمرار ،  فمعرفة الذات قبل كل شيء هي القناعة بالذات وبالتالي القبول بما هي عليه اي بمعنى ان نقبل ذاتنا كما وُجدت وبقبول اقرب الى الايمان بالشكل والمضمون منه الى التسليم بالأمر الواقع ، وبالتالي هي الفكرة الرئيسة التي نبني عليها التطلع الطّموح من خلال تثبيت الحاضر وتهيئته لانطلاقة اخرى بعد تصحيح ما اعوج وانحرف سابقا . لقد قيل " انا افكر اذا انا موجود " ، وانا اثبت العكس الصحيح بالقول " انا موجود اذا انا افكر " وبغض النظر عن قيمة الفكرة او نتائجها فلا وجود دون ادراك بالحد الادنى بدءا من الانسان حتى اسفل الخلق . اذا انّ الوجود يفرض فرضية التفكير من اجل البقاء ، وما يفرضه من تأمين للمأكل والمشرب والمأوى ، ليُصبحَ مقياسَ وجود الانسان وليؤكّدً حضوره بنتيجة وبتأثير .
يا بني
اختلفت مستويات المعرفة بين مجتمع وآخر وبقيت خاضعة للمعرفة الفردية  التي كوّنت مع مجموعة اخرى من "معارف متشعبة " معرفة كبرى رسمت حدود تعريف المجتمع المنتمية اليه . ان تباين مستويات المعرفة لا يمس قيمة هذه المعرفة ولا يمس فعالية دورها سواء في دفع عجلة التقدم او العكس كما الحال في معرفة الاجرام والارهاب والتدمير ، فكل معرفة لها اطارها ومسلكها ونتيجتها . ان معرفة  البناء لا تقل اهمية عن معرفة المختبر مثلا ، وهذا ما يوصل الى مساواة اصحاب هاتين المعرفتين بالقيمة المطلقة لكل معرفة ، وبالتالي فان عالم ذرة لا يستطيع تصليح سيارته كما هو الحال مع عامل الميكانيك الذي لا يفقه ابدا بعلم الذرة . اذاً ان كل معرفة لها قيمتها الخاصة ولها تقديرها ومكانتها وما على الفرد الا اختيار معرفة تناسب امكانياته وعطائه وتناسب بنيته الفكرية والجسدية ليكوّن معها وجودا فاعلا  .من هنا نرى انه يمكننا معرفة انفسنا من خلال ميلنا اولا وقدرتنا ثانيا على اتخاذ المسلك الايجابي في حياتنا .
ايها الشاب
اني انقل اليك خلاصة عشرات السنين من المغامرات والتجارب التي وقفت كلها بأسبابها ونتائجها على قدر المعرفة بظروفها والتصرف حيالها ، فلا تندم على عدم معرفة بل اندم على افساد ما تعرف وسارع الى تقويمه . اذكّرك بأن تجعل الثقافة توأما للمعرفة ، فان المعرفة دون ثقافة كالزهرة دون اريج ، جميلة وجذابة ولكنها من دون روح وتفتقر الى الحياة .
يا بني ، دع الحياة تعطيك ما لديها وتعلّم في صفوفها حساب الزمن وقيمة الايام ، اصغِ الى الكبير واستمع الى الصغير فما بينهما يكمن سر العبور نحو غدٍ اكثر وضوحا وانقى صورة ، واعلم جيدا اين تضع قدميك ، فلا ترتفع دون قيد ولا تغوص دون انتباه ، واعمل على ابقاء جبينك مقابل الشمس ويدك ظاهرة للجميع .

الجمعة، 22 فبراير 2013

حط بالخرج

يُحكى ان رجلين اجنبيين قدما الى لبنان لتمضية بعض الوقت لدى صديق لهما كانا قد تعرفا عليه عندما كان في بلادهما . وهكذا قررا المجيئ والتجوال في ربوع لبنان الجميل بعد ان اصرّ عليهما صاحبهما ليرد لهما بعضا من فضائلهما السابقة عليه .
كم كانت مفاجأتهم كبيرة عندما وجدا صاحبهما على درجة عالية من السمنة، جرّاء عدم اكتراثه بصحته وعافيته وكان يردد دائما ويقول " روح.. حط بالخرج " ، ردا على اي انتقاد او نصيحة .امتدت زيارتهما اسابيعا من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب ، مستمتعان بما لذّ وطاب من المأكولات اللبنانية الشهية ، ومع هذا كانا في قلق وحيرة من امر سمنة وشهية صاحبهما .شارفت الزيارة على نهايتها وازداد القلق على صاحبهما واخذا في شرح ما تؤول اليه هذه الاطعمة وما ستسبب له من ازمات ووعكات صحية مستقبلا ، ومع هذا كله فكان يجابهما بجوابه المعهود " روح حط بالخرج" . انها كلمة محيرة وليست في قاموس السياح ولا الزائرين ، ولدى الاستفسار عنها قال لهما : انها الكلمة اللبنانية المناسبة للإجابة على كل شيء . شو رأيك ب... ؟ روح حط بالخرج، الحياة وفرص العمل ؟ روح حط بالخرج، التعليم والطبابة ؟ روح حط بالخرج ، السياسة والساسة والحاضر والمستقبل ؟ روح حط بالخرج ،،،واذا كنتما لا تريدان الاهتمام بشيء ما وقطع الطريق على كل سائل او متحدث او مشارك فما عليكما الا القول : روح حط بالخرج ، وبالتالي فان الحياة السياسية والاجتماعية والامنية كلها وصولا الى الوطن ، كل الوطن : " روح حط بالخرج " ، لبنان كله " روح حط بالخرج " .
استمرت زيارة الاصحاب لأكثر من شهر ، وفي احدى المناسبات حيث دعيا الى حفلة زفاف انغمس الرجل في طيب المقبلات والمأكولات والحلويات والمشروبات وكل شيء يمت بصلة الى المعدة والأمعاء . شعر صاحبهما ببعض السوء وطلب الاستراحة والانفراد لبعض الوقت آملا بان يستعيد بعض نشاطه وعافيته ، فرافقاه الى البيت وتركاه بعد ان طمأنهما على انه بخير ثم غادرا ، ولكن حالته اشتدت مما استُدعيَ نقله الى المستشفى وما لبث ان فارق الحياة متأثرا بالتخمة الزائدة والشراهة وبعجز المعدة وانسداد المريء .
تأثرا كثيرا على فقدان صاحبهما واتخذا قرارا بالمشاركة في التشييع ، ووقفا حسب العادات اللبنانية مع اهل الفقيد لتقبل التعازي والناس تمر من امامهما مبدين الاسف وطالبين الرحمة لهذا الرجل . احتارا في كيفية الرد على تلك الكلمات غير المألوفة وتابعا وقوفهما بصمت مطبق دون النطق بحرف واحد الى ان تذكرا مقولة صاحبهما الراحل فبادرا الى الرد السريع على الناس " روح حط بالخرج " . فاذ بنا امام مشهد مضحك مبكي في آن ، نحن آسفون " روح حط بالخرج ... الله يرحمو " روح حط بالخرج ...العوض بسلامتكم "روح حط بالخرج " . وهكذا انتهى هذا الرجل الى الخرج ، وانقذ الخرج صاحبيه من اللوم والعتب .
عزيزي القارئ
نُحقن بشتى انواع الادوية الفاسدة ونموت على ابواب المستشفيات ، والساسة عندنا بأتم الصحة والعافية ولا تنقصهم سوى بضعة آلاف بل ملايين الدولارات .نخاف التجوال في الشوارع والذهاب الى اماكن العمل ان وجدت ،ويتملكنا الرعب ليل نهار من قطاع الطرق واللصوص تارة ، ومِن مَن يدّعون حماية الوطن تارة اخرى ، ومن حماة الاستراتيجية التي تحولت بأمر الهيّ الى استراتيجية هجومية دفاعا عن الوطن الضائع في الجهة الاخرى ، تحت شعار السلم الاهلي والنأي بالنفس عن الجار والدار وعدم المس بالشؤون الداخلية لكل قرية ومدينة ومذهب وملّة ، ونقول :" روح حط بالخرج ".
ضقنا ذرعا من عجقة السير على الطرقات وما يتبعها من قتل وخطف وسرقات ، ولكنها افضل من مشاهدة عجقة سير السياسيين بين اروقة المجلس متأبطين حقائب الدولة ومستقبل المواطن ، التي تفيض بفواتير مستحقة لجيوب الغيارى على المصلحة العامة ونقول : " روح حط بالخرج " .
لا ماء ولا كهرباء ولا امن ، ولا خبز ولا وقود ولا طبابة  ، ويأتي احدهم بكل ثقة واندفاع وقناعة ليحثنا ويدعونا الى تحرير الجولان والقدس ، ولننقذ الامة العربية من ربيعها الفاسد بعد ان ننتهي من تضميد جراح الشقيقة وشفاء نظامها ، لتعود بإذن الله وايران الى قيادة مسيرة التدمير والقتل والارهاب ، ونحن نصفق ونلطم الرأس والصدر ونقول : روح "حط بالخرج " .
لقد نفضنا عنا خرج الجمهورية الاولى " 43 " ، وطرحنا خرج اتفاق القاهرة ومنظمة التحرير ، وشلحنا خرج العروبة والقومية ومنابر الاشقاء والاصدقاء ، وافرغنا خرج الوصاية واستبدلناه بخرج التحرير وملأناه فخرا وعزة وكرامة حتى اصبح لباسا اسودا ثقيلا . حملنا خرج ثورة الارز فاعتذرت الارزة وانحنت ، لأنها لا تريد رقما يتاجر بها ، بل يدا تزرعها وامة تربيها، ولا زلنا نلبس خرجا وننزع آخر ونحاول ان نلائم اجسادنا على قياسات تأتينا من بُعد ، والخرج خرج والسوق مزدهرة والباعة كُثر .
اخي القارئ
ايها اللبناني ، هل تعتقد ان الخرج سيمتلئ يوما ما ؟ ولنفرض ذلك... سيأتي الزعيم بخرج آخر وآخر ويكدس فيه غنائمه طالما نحن وراءه ونحمل ذلك الخرج. آن الاوان ، نعم آن الاوان لان نضع الخرج جانبا ونقول لهم : كل واحد يحمل خرجه وعلى مسؤوليته ، فقط عند ذلك سنراهم عاجزين وعاجزين وسيسقطون الواحد تلو الاخر ، وسننتهي من مقولة حط بالخرج لنقول جميعا : حطوهم بالخرج وليركبوا حمار غوار وليتعفنوا في سجن جريمة هضم الدستور وبلع القانون ، وليرحم الله صاحبنا السمين ويسكنه جنّات الخرج ،، آمين . 

الخرج ، هو عبارة عن كيس من الكتان القوي مفتوح بالوسط وتتدلى منه جيبتان متقابلتان توضع بهما اشياء متنوعة ويوضع الخرج عادة على ضهر الحمار .

الثلاثاء، 5 فبراير 2013

الرسالة السابعة

                                    ساندي
لم تسنح لي الفرصة سابقا لأن اتعرف عليك اكثر وان اقترب منك اكثر، ولم يتسنى لي الغوص في بحر ذاتك لاكتشاف اعماقك وخبايا تكوينك ، ذلك لأننا اناس لا نستمتع بالفرص - حتى لا اقول لا نستغل الفرص- نعم لأننا اناس ننظر الى القشرة بإمعان اكثر من اهتمامنا بالمضمون والجوهر. ربما ما يعنينا هو ما الاقرب الينا وما تطاله ايدينا اكثر مما يلمسه فكرنا وادراكنا .نقف عند حدود المعرفة ولا نعرف التقدم الى الامام او فهم النتيجة ، نقف عند حدود الحرية لأننا نتقيد دائما بشروط الحرية التي فقدت قيمة النضال من اجلها . نقف عند حدود الجهل لأننا نجهل انه يجب علينا ان نتخطى حدوده ونفك قيوده . هكذا انتَ كما نراك دائما بعين واحدة وباتجاه واحد، انتَ صاحب المسلك المنفرد والرأي المنفرد والقرار المنفرد، وانا اليوم احاول ان اكون منفردا في رأي وفي موقفي  وفي علاقتي معكَ . احاول ان اكون في حدود حرية التعبير وفي جهل حدود المعرفة وبين اخطاء حب الاستطلاع . انت تعرف جيدا انه بإمكاني ان اقول ما اريد وان اطلق عليكَ ما اريد ، ولكنك لا تعرف انني لا اعرف ماذا اريد وما يمكن ان اصل اليه في محاولة المعرفة، ليس بالضرورة والحاجة بل بقناعة المبدأ وصلابة الموقف .
جميل بدون شك ايها الافق ، مبهر المنظر ساحر الوجه ، جذاب الى درجة الكفر . تخطيت كل الصفات وركبت فوق معاني الكلمات فأضعت حروفا وازلت نقاطا ، قاموسك غني وغني ،،، ولكن أتدرك باننا حفظناه اكثر منك؟
جلستْ ساندي قبالة الافق البعيد والبعيد جدا ، محدقة بذيك البريق الجذاب ، آملة ان يأتي اليوم الذي تتمكن فيه من الوصول اليه ولمسه والاحساس به ، املت ساندي وكلها ثقة ، لأنها ممتلئة نشاطا ومفعمة بالطموح والارادة ، وقررت ... واخذت على نفسها عهدا بالوصول الى ذلك الحلم ولو اصبح قدرا. انطلقت ساندي مغذية ذاك الاندفاع بكل ما اوتيت من عزم وعلم ، ومعرفة وجهد،،، سوف يتحقق ولو بعد حين، كل شيء في وقته واوانه ، وكل شيء مقدر له بشكل او بآخر .
 لمِنَ السّهل النظر الى ذلك الافق ولكن ليس من السهل الوصول اليه ، والاصعب من كل هذا هو المكوث فيه والتأقلم معه والانصهار في ذاته ليصبح من وجودك ، هذا الافق الذي كرّس الحرية والديمقراطية والحقوق الانسانية ، انه حلم كل ساندي اينما وجدت على هذه الارض .
طوال عقود وهذا الافق يعمل ليل نهار في تحسين صورته وتلميع جوانبه ، عمل  على غرس بعض طباعه وتقاليده واعرافه في امكنة حل فيها من غير دعوة او ترحيب . عمل كل ما في وسعه لإظهار لطفه وحسن نيته في المساعدة على التغيير والانتقال بهذه الارض وشعبها الى افق قريب من افقه ، تخبط احيانا واجتاز الصعاب احيانا اخرى ، واقنع الآملين والراغبين في التغيير بأنه سلم الصعود الوحيد الى الافق الام الذي لا يتغير . هكذا انطلقت سانديات عديدة من كل حدب وصوب مرحبة بهذا التعاون وهذا العطاء ، وتجمعت ساندي وراء ساندي للصعود على سلم التدرّج نحو العلا ، باتجاه الافق الفوقي المعصوم بخطوات ثابتة وبصوت واحد ، نعم للحرية نعم للديمقراطية ، نعم لحرية التعبير والفكر والمعتقد ، نعم للأفق الذي لا ينطفئ ولا يخبو ولا يضعف .
ابهر بريق ذاك الافق الناظرين اليه ونال اعجاب من لا يعجب لشيء، وسطع نوره ولامس اطراف الارض وبات متاحا لكل طامح وطامع وطالب وسائل ، واصبح هذا الافق في متناول من يريد. انغمست السانديات في بحر الاكتشاف العظيم والخطير والسهل المميت ، وكم تفاجأت من مطبات هذا القدر المصطنع ، وهوت .. وهوت ساندي وراء ساندي وابتعدت وغابت في غياهب الاحلام المحطمة وعادت ادراجها باكية .
بكت ساندي ودمعت ، وكرجت دموعها وامتلأت جداولا وفاضت انهارا وشلالات زاخرة بقدسية وعذوبة القطرات الحامية ، وهكذا تكونت وانطلقت ساندي كبيرة وكبيرة لإعادة بعض الاعتبار والاحترام والكبرياء ولتطرق باب الافق مذكرة بانه ظلمَ وظلمَ ، وقسى على نعومة الانامل وطيب الخواطر. نعم ، قدمت ساندي اعتذارها لعدم قدرتها على تغيير جسدها ليناسب لباسا جديدا ، وعلى عدم تناغم معتقداتها مع تقاليد واعراف جافة  ويابسة .انحنت واعتذرت على هذا المرور المُدمِّر والمُحطِّمَ ، وهكذا عاد حلم ساندي القديم ليسرح بعيدا مع اسماك التونة البريئة محاولا الابتعاد عن جوع القرش ونهمه وسطوته.
يا بني ، ان دمعتك على فقدان حلمك هي واحدة من دموع الكثيرين الذين تكسرت بهم القوارب على شواطئ صخرية غادرة ، ولتكن هذه التجربة مصدر وحي والهام وارادة لتنهض من جديد وتعبر الى بحر اكثر هدوءً واكثر تفهما واكثر امانا .
انه بحر والديك واخوتك ، انه بحر عائلتك التي تنتظرك بفارغ الصبر ، انه بحر خلاصك وانطلاقك من جديد الى محيط الامل الكبير

الاثنين، 14 يناير 2013

الشرق الديموكتاتوري

لم اتمالك نفسي من اخذ القلم نزولا عند رغبة المعرفة وحب الاستطلاع ، محاولا ان اشرح لنفسي كلمة ترددت اصداؤها في العالم اجمع ، وتغنى بها كل طالب حاجة من سلطة ومركز ونفوذ حتى المسكن والملبس ورغيف الخبز . هذه الكلمة التي اصبح سعرها يُصرف حسب قيمة الانسان من خلال بورصة انسانية واخلاقية وسياسية واجتماعية ، انها الديمقراطية ،،، عنوان لكل شيء من قمة الهرم الى اسفل القاعدة . نعم هذا العنوان الذي يُراق الدم لأجله وتُهدم البيوت وتشتت الامم ، يخلق حروبا ونزاعات ويبني دولا ومجتمعات تتفاوت فيها نسبة الحقيقة وصدق الممارسات ، وتتأرجح النتائج حسب الهوى السياسي . نعم انها الديمقراطية ، سلاح الضعفاء وعذر الاقوياء ، حجة الطامعين ، وحصن المسيطرين وملجأ الخاسرين .
اخي القارئ
ربما منذ القدم ومنذ زمن الفارابي ومقولة المدينة الفاضلة ، التي اشبعناها درسا وحفظا وشرحا ، منذ المدينة الفاضلة تلك ونحن في حيرة من امرنا للدخول في مخيلة الفارابي وفهم فلسفته او بالأحرى حلمه .ربما وجد الفارابي المدينة الفاضلة ولكنه نسي ان يرشدنا كيف نجد سكانا لهذه المدينة ، وكيف يمكننا ان نأخذ مجتمعا شبه عاديا بسيطا ، ونجعل منه مجتمعا فاضلا بحضارة حكيمة تقدس الحريات والمساواة ، والاكثر من ذلك ، منْ مخوّل ومنْ صاحبُ سلطة ليأخذ هذا المجتمع ويعيد هندسته وتشكيله ليناسب حلم الفارابي تماشيا مع مبادئ مدينته ؟ وهل من فاضلٍ قادر وحكيم في هذه الامة يستطيع قيادتها نحو الافضل ؟ وبالتالي نحو الديمقراطية ليتسنى للأفضل ان يكون في المكان الافضل ويُحاسَبْ ويكافأ في هدوء وشفافية ؟ ومن يضمنْ افساح المجال لإنسان عادي المعرفة والتفكير والطامح الى الديمقراطية لمحاولة اللحاق بركب الافضل عبر الوسائل الديمقراطية الفضلى ؟ رحم الله الفارابي واسكنه فسيح مدنه الفاضلة .
اخي القارئ
انا مواطن في هذا الشرق الاوسط الفاضل ، وانا احاول منذ شروق الشمس ان افهم واستوعب الديمقراطية ، واحاول ايضا وجاهدا ان اكون وسطيا في الثقافة الديمقراطية .ان التطرف الديمقراطي هو قمة الحماقة والسذاجة وبالتالي الانزلاق نحو ديكتاتورية الغلمان ،في حين اننا نلعن الديمقراطية احيانا لننعم ببعض منافع الديكتاتورية المتأصلة في هذا الشرق ، نجد انفسنا نميل الى الديكتاتورية لمنع تمتع بعض المستغلين والمنتفعين من الديمقراطية على حساب المجتمع وبالتالي الوطن  .منذ الازل والشمس تشرق على هذا الشرق ولم ولن تشرق عليه شمس الحرية والديمقراطية ابدا ، ومنذ القدم وهو المتوسط بين القارات والحضارات ، وهو الوسطي بين المناخات والتقلبات ، والوسطي بين الديانات والمذاهب والمعتقدات ، وسطي ، وسطي، ولكنه في اعلى درجات التطرف السياسي والاجتماعي والديني والثقافي .غاب لونه من زحمة الالوان فيه ، وغابت جغرافيته الجامعة لكثرة التفرقة فيه ايضا ، هذا هو الشرق الذي انعكس على ذاته انعكاس احرفه ليصبح "قرشا" يأكل ما فيه وما يأتيه .
عزيزي القارئ
اشعر بالكآبة والاحباط حين انظر الى هذه الامة التي لا تعرف الى اين تنتمي ، ولا تعرف العودة من حيث اتت . امة هُزِمتْ فصفقتْ ،اُمِرت فانحنتْ ، امة المنابر وحرب الحناجر ، ويل لها ،،،ويل لهذه الامة التي تنجِبُ انظمة دون قران ، وتدفنها دون مأتم ، ويل لهذه الامة التي تضرب بيد غيرها ، وتأكل ما تشحذ وتستجدي ، وتتباهى بصفعات خدها .
ان الشرق والديمقراطية قطبان متناقضان ينفر احدهما الآخر، واذا حدث احتكاك ما  تثور هنا وتتفجر هناك ، شرارات تؤدي الى حروب وثورات وتراق الدماء وتقطّع الاوصال ، وكل ذلك باسم الديمقراطية .اين نحن من اللعبة الديموكتاتورية السورية  ونسبة الانتخابات الصورية وال 99% من عبدة الرئيس والنظام ، ولنتأمل احداث مصر وما انتجته تلك اللعبة الديمقراطية الاخوانية والتي تتجه مسرعة الى ديموكتاتورية  في "الايمان والتوبة " بمباركة مبارك الذي تبوْرك[1] خلف قضبان مباركة ، الى ان يحين موعد التغيير والوقوف على اطلال ميدان التحرير . كذلك في تونس وليبيا واليمن واخيرا لبنان الذي طالما تغنى بالديمقراطية والحرية والمساواة فاين اصبحنا في مشروع الانسانية عامة وعلى الاقل حقوق الانسان وشرعة الحق بالعيش الكريم . ولنعرّج على اسرائيل واللعبة الديمقراطية فيها التي لا تشبه اية لعبة في العالم وكأن التاريخ وضع ديمقراطيتين لا ثالثة لهما اسرائيل ولبنان. ففي لبنان ، ما بين ديكتاتورية الطوائف والمذاهب والسلاح المشروع والحق للأقوى والبقاء للأقوى ،وديمقراطية الدولة والنظام ، نجد الاتجاه السائر نحو ديموكتاتورية البقاء للبقاء ، وفي اسرائيل ننعم بديمقراطية التنكر للدولة ومحاربة الدولة ونكران وجودها وحتى حقها في الوجود من فئة من شعبها ، وان غادرت البلاد تموت وتنتهي كالسمك حين يترك الماء ، كل ذلك تحت غطاء الديمقراطية والحرية في المعتقد والقول والممارسة .
اخي القارئ
 انا كمواطن شرق اوسطي افهم جيدا ديموكتاتورية لبنان وسورية والعراق وسائر عروش الاباطرة العرب ، ولكني لم افهم ولم استطع ان استوعب واهضم ديمقراطية اسرائيل التي تتيح المحظور وتسمح بالممنوع ، ولا على سبيل الحصر، لعل احدهم يفسر لي كيف لي كمواطن اسرائيلي احمل الجنسية الاسرائيلية وجواز السفر الإسرائيلي واعيش واربي اولادي واعلمهم وابني لهم مستقبلهم في هذه الدولة " دولتي اسرائيل " ، وانا لا اعترف بها كدولة بالمطلق بل احاربها وادعو للقضاء عليها ، ومع ذلك تتيح لي هذه الديمقراطية تثبيت وجودي لأزعزع وجودها ؟.
اللهم خذ بيدي وساعدني وقوي ادراكي علّي استطيع ان افهم هذه الديمقراطية لاحترمها اكثر وادعمها اكثر لتستمر وتزدهر وسط بحر الديموكتاتورية  في هذا الشرق .
اللهم ساعدنا على نشر هذا الفيروس الديمقراطي من حولنا ، ربما نستطيع حينئذ ان ننعم ببعض الهدوء الاجتماعي والسياسي ، وربما آن الاوان ان يتعلم كل من حولنا ان النظام هو لخدمة الشعب وان استمراره رهن بصدق العطاء والشفافية والمحاسبة وان لا احد فوق ارادة الامة .






[1] الذي يزرع من جديد

السبت، 5 يناير 2013

الرسالة السادسة

                                      بائع التين
رُسمت بريشة الهيّة ، تتأرجح بين التلال ، تعانق الهضاب وتأنس الجبال ، تحركها نسيمات وتوقظها قطرات ندى تدحرجت على خدود ازهار فلشت ارضها وحدائقها وغطت سقوفها . انها قرية هَنَأتْ بسكون الطبيعة ونامت على ارجوحة الليل الصامت ، انها القرية التي تنهض لتوقظ الديك ليصيح ويعلن بدء صفحة من صفحات الحياة .
ولد بائع التين وولدت معه حكاية كانون تتنقل بين السهرات الدافئة فكانت على كل شفة ومبسم . ولد وترعرع بين احراج الصنوبر وغابات السنديان والزيتون ، كبُرَ وكبرت معه دوالي الكروم لتحسِبَ له سنوات عمره بعد كل ضيافة تين او لحسة دبس او لقمة معقود .
شبّ على حب الطبيعة وشغف الحرية المطلقة ، تراه قرب الجداول وخلف الصخور ، وسط الحقول بين السنابل والشجر ، بائع التين هذا ، اسطورة الرجال وحلم الاطفال وقصة الاجيال .لم يرغب العلم ولا الحرف ، فكانت الطبيعة مدرسته ،  والعرزال صفه ، قلمه ناي قصب رقيق ومحفظته سلة وكم فيها من سطر وحرف عتيق . لم يقرأ ولم يكتب ولكنه يعرف صاحب كل شجرة وكل نبتة ويحسب المواسم ويعرف مقدار الخير فوق كل غصن وعلى كل جذع، لا يفقه الحساب بل يُحسب له الف حساب . انه كالضباب ينساب فوق الاشجار ويلامس العشب ، دائم الحضور سريع كالشاهين ، انه الفتى الاسمر احيانا والحالك احيانا اخرى ، ذاك الذي طُرِدَ من جنة الآلهة ليعود من آلهة الجنة .
حكايتي مع بائع التين حكاية قصيرة جدا لا تتجاوز بضع سنوات من الطفولة الصاخبة ، فكنا اتباع حارتين متجاورتين تشوبهما علاقة توتر دائمة على خلفية حق اللعب وترسيم حدود جماعات الاولاد المنتشرة بينهما ،فكانت رشقات كلامية احيانا ، وصراخ ورمايات حجارة وحصى احيانا اخرى ، في نزاع حول ملكية بيدر او جلِّ او ظل شجرة . هكذا تجاوزنا بعض المحن الجميلة وبعض قفزات العمر المضيئة وانتقلتُ انا الى بلدة اخرى ومن ثمّ انتهى بنا المطاف كل في مكان ولم نرَ بعضنا البعض منذ ذلك الحين . كنت اسمع عنه الكثير واتابع قصص نضاله في العيش الكريم ودأبه المتواصل على ادب الحياة في السلوك والمعاملة ، فكان يُضرب به المثل كلما دعت الحاجة الى شهادة في الحسن ، فعلا كنت اتابع كل تحركاته وانتابني الفضول لمعرفة المزيد عنه والتقرب اليه اكثر حبا بدراية المجهول وكشف المستور .
لا شك انه لقاء الغرباء بل لقاء المتناقضات ، لقاء عالمين مختلفين ، لقاء الجهل بالمعرفة والحق بالباطل ، لقاء الذكرى بالحاضر والامل بالخيبة . حزمت امري وهيأت نفسي للقاء انتظر منه الكثير لإحياء ما رُسم منذ وقت بعيد وبعيد جدا .
أأنا في حلم ام في حقيقة ، لا ادري كيف ولا اذكر شيئا سوى بضع كلمات تسربت عبر شفاهي ووجدت نفسي امام من كنت لا اصدق ابدا رؤيته في هذا المظهر ، ووجدت نفسي ملتمسا بعض العبارات المُنقذة ،،، أأنت بائع التين ؟
مددت يدي وصافحته طويلا ، ليس من باب الاحتفاء باللقاء بل من شدة الدهشة وعظمة المفاجأة ، وسرحت في واقع اقرب الى الخيال مستنجدا بأعجوبة تحملني بعيدا وبعيدا جدا . افقت على صوت اعادني الى حيت انا : نعم انا بائع التين البّي الطلبات واسهر على حسن التنفيذ ، اراعي الدقة في التسليم واحافظ على المواعيد ، احترم اذواق الناس وحاجتهم الى الجودة والنوعية الممتازة .
نظرت اليه متأملا فاحصا ، وكم ادهشتني تلك البذلة السوداء الرسمية وربطة العنق الملونة ، وذاك الحذاء الايطالي اللماع المتباهي بشرائطه التي تناسب ربطة العنق تلك ، تأملته واقفا امام سيارته السوداء المهيبة وتسألت : منذ متى يُنقل التين بسيارات طويلة ذات ستائر فاخرة وبحماية من اللصوص والغادرين ،ومنذ متى تؤخذ الطلبات عبر الهاتف المحمول والانترنيت ، ربما اصبحنا في عصر تكنولوجيا التين ونحن لا ندري ؟
اعدت طرح السؤال : أأنت بائع التين فعلا ؟
بصوت لا يخلو من العتب والسخرية والامتعاض قال: اسمع يا هذا ، يا صديق الطفولة وبعض ايام الدراسة الخجولة ، انّ كل ما في الامر هو انني تقدمت في العمل بعد ان ازدهر وراج ، وانت تعرف ان موسم التين لا ينتهي بل يتجدد دائما من الطازج الى اليابس وبالتالي الى المعقود .نعم كل ما الامر اني تابعت التقدم ورافقت التكنولوجيا ، وتفتحت عيناي على امور كانت شبه مُحرّمة او تحت شعار ممنوع الكلام والتعاطي ، فاستبدلتُ السلة بالسيارة ، والصراخ للبيع بآلة الهاتف الناعمة الهادئة ، ولمّا كانت تجارتي قد ارتقت الى مستويات اعلى واعلى ودخلت صالونات واروقة برّاقة، اضطررتُ الى تحسين مظهري واتّباع بعض اللياقات التقليدية . يا صديقي ، اني اقابل اناسا يحترمون ما يرون اكثر مما يعلمون ، ويدفعون طالما انهم لا يسمعون . هذا هو بائع التين الذي يقف امامك فلا تعجب للأمر وتقبله على انه عمل لا اكثر ولا اقل .
عاجلته قائلا : اعجب لأمر التين هذا وكم يدر من ارباح وارباح ، واستحلفك بالله ان تجاوبني اتبيع التين ام ورقه ؟
علت ابتسامة عريضة على مُحيّاه ورتّب على كتفي وقال : سأقول لك سرا شائعا بين الناس ، ان بضاعتي مرغوبة جدا والجميع يريدها . اتذكر صراعنا في الحارة حول احقية اللعب في البيدر او جل منصور ؟ انه الآن صراع من نوع آخر ولكن صدّق يا عزيزي ان من يجمع الجميع يفرّقُ الجميع ، وان ما يجمع ما بين الست سلمى والريس فؤاد هو نفسه الذي يجمع ما بين السيد علي والخوري سعد ، والعكس صحيح ، والكل متفق على ان هذا التين هو البلدي الاصيل والجيد ، صحيح ان التين مفيد للصحة ولكن ورقه مفيد للسمعة والسيرة الحسنة ، فهو "يستر العريان ويطمئن الجبان ويشجع على النسيان " .
صافحت بائع التين مودعا على امل ان لا القاه ثانية ، وغادرت بخيبة امل مريعة وبندم عارم . لم اتمالك نفسي من السماح لدمعة صغيرة بالتدحرج فوق خدي البارد واقفلت عائدا مثقلا بألف سؤال وعلامة استفهام .
يا بني،
حكايتي مع بائع التين هي واحدة من آلاف الحكايات والقصص التي تحصل كل يوم في مجتمع مزقته المظاهر الكاذبة والخادعة. انه مجتمع الصدق فيه عار والعار فضيلة، فيه الحلال مسخرة والحرام مفخرة،
يا بني
مهما ساءت الامور وعظمت المآسي ، وتقلبت بك سبل الحياة ، فابقَ على التين ولا تدع اوراقه تغريك ابدا .  تتساقط الاوراق وتتعرى الغصون ، ويبقى الجذع صامدا في وجه الريح والاعاصير، ليعود ويتجدد وتستقيم الامور ، وتدب البركة مرة اخرى .
يا بني
ليست الشجاعة بالساعد المفتول فقط ، ولا بكف العطاء والسخاء ، بل ان ثمة شجاعة اخرى في الادب الاجتماعي العام ومسالك الحياة السليمة والشريفة ،شجاعة الانسان في الانسانية ، وقيمة الاستقامة لدى الانسان .