السبت، 13 أكتوبر 2012

هات ايدك والحقني

ومرة اخرى يفاجئنا الساسة اللبنانيون بحرصهم ومتابعتهم وتأكدهم من حصول المواطن اللبناني على حقه المقدس ، بإيصال صوته من خلال انتخابات حرة ونزيهة في ظل قانون جيد يراعي العيش المشترك ، ولا يخرق اتفاق الطائف ولا يكسر العرف ولا التقليد .
ومرة اخرى عزيزي القارئ نرى هؤلاء الساسة يتدافعون ويتسابقون بإعطاء الدروس والنصائح، وبتلاوة البيانات البليغة والمؤثرة حول جدية هذا الطرح او ذاك ، وحول مصداقية هذا القانون او ذاك ، وهم بالحقيقة يعزفون جماعات وافرادا على قانونهم الخاص الذي يوصل الكرسي اليهم قبل ايصال صوت الناخب الى المكان الحقيقي والى هدفه المحق والمشروع .
عزيزي المواطن
ما بين قانون الستين ومشروع القوات ، وقانون النسبية وطرح اللقاءات ، ضاعت الديمقراطية ومُررت انتخابات برلمانية بمن بقي وبمن حضر واُنتج مجلسا امتدادا لسابقه في الصراخ والضجيج والانقسام والتباعد. نعم، فلا قانون الستين انتج برلمانا حقيقيا ولا قانون التسعين ( او قانون غازي كنعان ) انتج نوابا بأصوات ناخبيهم ، ولا النسبية ستنجح بالمرور بين الغام الطائفية والمذهبية ، ولن ينجح اي تقسيم للدوائر في ظل تقسيم اداري لإدارة الطائفية والمذهبية . لا اريد الشرح والغوص ، فاللبناني حفظ هذه القوانين عن ضهر قلب ، ولكن الذي لم يدركه حتى الآن مع الاسف هو توقيت الساسة وانتظارهم حتى الدقيقة تسعين لطرح افكارهم وصياغة قانونهم والتسابق بإقناع العامة بذلك قبيل موعد الانتخابات ، وكأنهم بذلك يريدون الضغط والاستعجال ليصل بهم المطاف اخيرا الى نهاية لا جديد فيها ولا قانون ، ويبقى القديم على قدمه وتحصل اللعبة الديمقراطية مع بعض التعديلات الخجولة .
ان مشكلة السياسيين هي التبجح بالحرص على العيش المشترك والحفاظ على ما نص عليه اتفاق الطائف بهذا الخصوص ، ونراهم يصبون جام غضبهم على آراء اخصامهم وافكارهم وقوانينهم ، على انها تنسف هذا العيش والتلاقي بين اللبنانيين .مع العلم بان الانتخابات منذ الاستقلال وحتى هذه اللحظة لم تفرّق ابدا بين اللبنانيين ، بل ان الذي فرّق بينهم هو قادتهم وزعماؤهم ، هم وحدهم من يزرعون بذور التفرقة والكراهية ويدقون طبول الانقسام تحت شعارات وحجج سئمها كل عاقل ومدرك .
اذا كان هناك فعلا اخي المواطن من يريد قانونا انتخابيا عصريا قدر الامكان ، فلماذا التأخير في سن مثل هذا القانون ؟ ولماذا يثار هذا الموضوع في الوقت بدل الضائع ؟ الم يكن بوسعهم دراسة وتجهيز وتركيب كل القوانين والاقتراحات المطروحة خلال السنوات الاربع الماضية ؟ ولماذا يُترك هذا الموضوع للحكومات المتعاقبة  ولوزير الداخلية بالذات ليبت فيه ويقدمه ؟ الا يوجد في البلد رجال فكر وقانون ومختصون يستطيعون انجاز الف قانون وقانون ؟ لماذا لا تؤلف لجنة وطنية مهمتها وضع قانون انتخابات عصري يفي بكل متطلبات القوى السياسية والاجتماعية ؟ رضينا سابقا بالمشرّع اللبناني، ورضينا بمؤلف وملحن النشيد الوطني، فهل من مانع للجنة وطنية لموضوع وطني حساس وضروري ؟ ولماذا لم تزل حتى الساعة مسألة مشاركة المغتربين مرهونة بقرار حكومي مع وقف التنفيذ ؟ تارة تُتهم الحكومة وتارة تُتهم وزارة الخارجية ، وتارة اخرى تُتهم السفارات اللبنانية في الخارج ، حتى وصل الاتهام اخيرا الى المغتربين انفسهم على انهم لا يريدون التسجيل في سجلات لوائح الشطب .لماذا هذا الاستهتار بالمغترب اللبناني او بالأحرى اتساءل ، ما هذا الضعف بالمغترب اللبناني ولماذا هذا السكوت غير المبرر على تقاعس الدولة في ابسط واقدس حق له وهو ابداء الرأي الحر وممارسة الحق المشروع بالانتخاب ؟
اني ادعو المغتربين كافة وعلى مختلف انتماءاتهم الحزبية والطائفية ، ادعوهم للامتناع عن المشاركة بالتصويت الا اذا حصلوا على حق الاقتراع في بلدان انتشارهم ، وادعوهم بكل احترام الى عدم تلبية رغبات الزعماء بالقدوم الى الوطن للإدلاء بأصواتهم ، فان ذلك يعطيهم ما يريدون ويحقق مبتغاهم ويبرر تقصيرهم بواجباتهم تجاه المغتربين ، وهكذا ستمر اربع سنوات اخرى وسنعود الى نفس الحالة . اخوتي ، ان مقاطعتكم للانتخابات كما ذكرت لن تمس بحبكم للوطن ولا باحترامكم للحق الدستوري والقانوني ، بل ستكون ملاحظة هامة وشجاعة للذين يديرون دفة البلاد والعباد .
اخي القارئ
ان الهدف من الانتخابات هو ممارسة الواجب الوطني في تقرير مصير الوطن من خلال برلمان منتخب يقوده ويقرر مصيره . ومن اهداف العملية الانتخابية أيضا ،جعل الديمقراطية تتكلم وجعل الاكثرية المنبثقة عن هذه العملية تحكم وتُحاسب حسب النظم القانونية والدستورية . ان الحقيقة المؤلمة هي ان لا اكثرية نيابية حكمت ولا اقلية عارضت ، واجمل البدعات كانت في حكومة وحدة وطنية لا معارضة لها الا بعض الاصوات التي لا حناجر لها ولا آذانا تسمعها . ان السؤال الذي يطرح نفسه: اذا كنا لا نستطيع ان نحكم بأكثرية فائزة ، ولا نستطيع الحكم بحكومة وحدة وطنية لأنها لا تمثل الوحدة بل المحاصصة، ولا نستطيع ان نحكم لان التشريع في وادٍ والتنفيذ في وادٍ آخر ، ولا نستطيع ان نحكم لان السلاح يحكم قبل القضاء وفوق القانون ، ولا نستطيع ان نحكم لان الطائفة والمذهب والعشيرة قبل الهوية والانتماء والمواطنة ، بعد كل هذا لماذا الانتخابات اذا ؟ ولماذا هذا الصراخ ووجع الراس حول القانون والاسلوب والتوقيت والتحالف ؟
اخي المواطن
نشتم ونلعن الطائفية ونحن نعيشها كل يوم في الدوائر الحكومية وفي الوظائف العامة وفي المناسبات والاعياد وفي الطعام والملبس والمشرب ، اننا في صلب الطائفية وكل من ينكر ذلك فهو احمق وجاهل وحالم يعيش في عالم آخر ، لذلك لندع العواطف جانبا ونحكّم العقل قليلا ولو طائفيا ولنذهب مع الطرح الارثوذكسي ونطرح انتخابات مذهبية علنية ، وليسمحوا لنا ببعض التغيرات الطفيفة بان تنتخب الطائفة ثلثي ما وهبه اتفاق الطائف لها من مقاعد نيابية( بقانون الاكثرية او النسبية او بالتعيين وبكلمة اوضح حسب ما تراه الطائفة مناسبا ، وبذلك نكون قد احترمنا خصوصية كل مكونات المجتمع اللبناني )  والعمل على انتخاب الثلث الباقي ضمن دائرة واحدة لكل لبنان وبقانون النسبيّة بلائحتين فقط 14 و8 آذار مع امكانية الترشح للمستقلين . ربما نكون بذلك على ابواب تجربتين جديدتين : القانون المذهبي (80 نائبا) والقانون النسبي (40 نائبا) ولنقرر على ضوء النتائج خطوتنا التالية .
اخي المواطن
"هات ايدك والحقني " انه النظام اللبناني ، انه النهج ( الديمو- كتاتوري) الفريد من نوعه الذي جعلنا اسرى خياراته المنزلة والمقدسة (مع حرية الكفر) ، وابقانا عبيد الاقطاع السياسي والتطرف الديني (مع امكانية التحرر) ، وسنبقى نكتب ونلحن ونغني للديمقراطية حتى لا ننسى وقعها ككلمة ،ولا نقع فيها كفعلٍ .
ايها المواطن الكريم ، انت الذي يذكرك الزعيم قبيل الانتخابات ، او قبيل زيارة ابوية واخوية للوقوف على اوضاعك لان مهلة السنوات الاربع شارفت على نهايتها ، انت الانسان الطامح  والمواطن الصالح ، انت الساعي للواجبات ومستمهل الحقوق ، انت الذي تسعى الى حياة شريفة ولقمة عيش حلال ،انت الذي تؤمن بمستقبل مشرق لأولادك واحفادك ، اصبحت تردد مقولة " عباس واخيه " عشر ولاد عندو وخيّ ،، وينيّ الدولة ؟
نعم وينيّ الدولة ؟ اين اولادها واحفادها ؟
الاول يئس وسافر،
والثاني هُجّر وطُرد وتشتت في مختلف اقطار الارض ،
والثالث هُجّر وطُرد قسرا داخل وطنه الصغير ،
والرابع مفقود لدى الشقيق ،
والخامس مخطوف من اجل فدية،
والسادس مسجون دون محاكمة،
والسابع مريض دون علاج وتأمين،
والثامن عاطل عن العمل ،
والتاسع خبير مظاهرات واشعال دواليب ،
والعاشر مدمن سلاح ،

وتريدون ايها الساسة اجراء انتخابات ؟

الجمعة، 5 أكتوبر 2012

الرسالة الثالثة

الصديق
اجمل كلمة حاكتها الاحرف ، واجمل لفظة نطق بها لسان ، واجمل صورة رسمها خيال ، واجمل عطاء من صاحب العطاء ،،، انها ،،،،ولدي ...
ولدي الحبيب
تمر الايام مثقلة بالساعات وبعقارب لا تقوى على الدوران ، اخالها منهكة من ثقل الزمن وتدافع الوقت الذي لا يرحم مُتعَبا ولا يرأف بطالب راحة وسكينة . لا ادري ايهما اطلب وأتمنى يا بني ، سرعة الزمن كي تصل الى حريتك ، ام بطء الزمن كي لا اصل الى عكازتي ، ولكنك تعلم جيدا باني افضل الخيار الاول لأنه الخيار الطبيعي والصحيح .
ولدي الحبيب
اريد ان احدثك في هذه الرسالة عن ملاك مجهول ولكنه في متناول الجميع ،منهم من عرفه جيدا فتمسك به ومنهم من جهل قيمته فأضاعه ، انه الصديق يا بني ابن الحاجة والتجربة .
لا تفتش ابدا عن الصديق يا بني ، بل دعه يأتي اليك من خلال تصرفاتك وطباعك ومعاملتك للغير ، فصديقك في داخلك قبل ان يكون بالقرب منك فان شعرت به فهو فعلا موجود . تذكر دائما بانك لا تستطيع صنع صديقا بل يمكنك ان تكون دليله الى قلبك وحياتك ، اره نقاط ضعفك ليتسنى له تجنبها وتقويتها ، اره النور الذي تريده ان يراك به ، اره نفسه في ذاتك كي لا يشعر بالغربة والغرابة قربك ، اشعره بألف سبب لوجوده وبفراغ مطبق لغيابه ، فان نجحت بذلك تكون انت الصديق قبل ان يكون .
هذا هو صديقي يا بني
عرفته في وقت كان فيه الزمن يرمم بقايا اعاصير سنوات خلت ، وفي مكان شهد آثار تلك الاعاصير وعاش غضبها وجنونها . عرفت صديقي في زمنِ تدافع الوجوه من زحمة الحركة ، في مكان لا يُحدد ولا يُرسّم ، عرفته بزمن الحرب ، زمن الالم والعذاب ،  زمن التغيير والتعثر ، عرفته في مكان رويناه دما وعرقا واخذ منا زهرة شبابنا وثمرة عمرنا . هناك تعرفت اليه وتبادلنا الاسماء على صوت الطلقات وقعقعة الآليات ، تشابكت بنا الاصوات فأخرجت لحنا لا زلنا نعزفه حتى اليوم ، واغنية نطرب لسماعها ،،انها الصداقة ،،انه الصديق .
ولدي الحبيب
هكذا تبادلنا السلام واطلقنا التمنيات لنهاية سعيدة لكل ما كنا نؤمن به ونقاتل من اجله . مرت السنين وتأصلت العلاقة وتجذرت وتخطت اللقاء والتعارف ودخلت عالم الانصهار بالذات . ارى فيه وجهي الآخر، واشعر به كما لو كان في داخلي ، اراه دون الحاجة الى العين والمسه كل ما اشتقت اليه بأنامل المحبة والحنين ، اعتمد عليه كل ما الحاجة دعت ، واسند ظهري اليه كل ما احتجت الى سند .
كبرنا وكبُرتْ معنا القيم المشتركة بيننا ، وارتفعت اسهم الاحترام والثقة والتقدير  ، فكانت صداقتنا تقوى كلما ابتعدنا وتخبو كل ما اجتمعنا . هكذا يا ولدي كنت مع صديقي ولا زلت احمّله ما فاض عني من اثقال واحمل عنه ما استوجب من احمال، ننفض غبار اليأس لنتسلح مجددا بالإيمان والتفاؤل . تخمرنا كالنبيذ وتعتقنا في خوابي الصدق والوفاء وشربنا من سبيل جمعنا على ذات الخط والسبيل .
يا بني
هذا هو صديقي ، انه الظل الذي لا يحتاج الى نور ليظهر ،انه الكلمة التي لا تنتمي الى لغة ، انه الانس الذي لا يوازيه سعد ولا طمأنينة . علمني الصبر في وقت كان بأمس الحاجة الى الصبر. علمني التحمل وهو الذي بحاجة الى من ينأى بحمله .علمني الابتسامة في زمن ندر وجودها وعلا سعرها . هذا هو صديقي، افتخر بصداقته واكبر بمرافقته، واعتز بمعرفته، وارفع رأسي باسمه. كم اتمنى ان تحظى كما حظيت انا يا ولدي وكم ارغب بأن تسوقك الاقدار الى مثل هذا الصديق .
 يا بني اوصيك ان
لا تتباهى بعدد اصدقائك بل اكبر بنوعيتهم وبمدى اخلاصهم وثباتهم .
لا تعتذر من صديقك ابدا بل افعل ما هو ضروري لإصلاح ذات البين ، وليكن الاعتذار نهاية ترميم ما تصدع .
لا تترك صديقك بسهولة ، تمسك به وحاول ثم حاول ولا تيأس ،واذا ما حصل عكس ذلك ابقَ على ما كنت عليه ولا تدع غضب اللحظة يهدم ما بُنيَ في سنوات .
اياك التفريط بسر صديقك واعلم انه حامل سرك ايضا ، فاحفظ شعرة التواصل ولا تقطع امل العودة .
يقولون ان صديقك من يجرحك ، وانا اقول لك ان صديقك من يداويك قبل ان يجرحك .
يقال ان الصديق وقت الضيق ، وانا اقول لك ان الضيق هو في عدم وجود صديق .
هكذا نحن يا بني كنا وما زلنا وسنبقى بأذن الله ، وتذكر ان من اضاع صديقا كالذي اضاع يقينا ، فتتملك منه الحيرة لتقوده بعدها الى الشك الذي يحرمه دخول جنة الثقة والايمان .
هذا هو صديقي يا بني ، بداية خاتم المرسلين وبنهاية ما ملأ قلوب المؤمنين ، وما بينهما ما يرغبه الناس اجمعين .
فهل عرفته ؟


                                                       والدك
                                                5-10-2012

السبت، 15 سبتمبر 2012

وسقطت ،،،ورقة التين

وقف امامي مباشرة وقال بلهجة ملؤها العتب واللوم ، اين انت ؟ ولماذا انقطعت عن الكتابة ؟ هل تركت النقد السياسي ام انك اتجهت الى الكتابة الادبية ؟ ماذا حصل ؟ هل فرغت جعبتك ام فسد ما بقي ؟
قلت : اهدأ يا صديقي فأنا لا زلت على قلمي مثابرا ولكن السياسة اصبحت في الآونة الأخيرة محط سخرية وادانة لصاحبها وكاتبها وناقدها وقارئها ، خاصة بعد سقوط ورقة التين وظهور عورة الذين يدعون الوطنية والعروبة والقومية والمحافظة على الارض والعرض والشقيق والأخ والرفيق .
نعم يا صديقي ، بعد كل الذي حصل نجد انفسنا في وضع الحرج والحياء وكيف لنا ان نقنع العالم من حولنا بأننا امة صادقة بولائها لترابها ، ويخرج من مجلسنا النيابي والوزاري مخرب وعميل متواطئ على اشعال فتنة طائفية ومذهبية ووطنية بامتياز ، لم يجرؤ احد على السير بها حتى خلال ايام الحرب الاهلية العصيبة ، والاكثر نكدا من كل هذا هو السكوت المطلق لاتباع النظام السوري في لبنان الذين استوعبوا صدمة الفضيحة بالسكوت تارة ، وبلعنة الاجهزة الامنية تارة اخرى ، والضرب على القضاء والاخطاء التي ارتكبت خلال عملية التوقيف والتحقيق وما الى ذلك من اسباب اقبح من ذنب .
شكرا لك ميشال سماحة على سقوطك السريع والحمد لله على سقوط ورقة التين، حتى يدرك الآخرون من المسيحيين ان نظام البعث في سوريا هو قاهر المسيحيين ومذلهم وليس حاميهم كما يدعي البعض ويروج له في لبنان ومع الآسف حتى من مراجع سياسية واجتماعية وكنسية عالية جدا .وبما ان السياسة اللبنانية او ما تبقى منها اصبحت مكشوفة تماما اتوجه بكل احترام الى التيار الوطني وعلى راسه العماد ميشال عون والى تيار المردة وعلى راسه سليمان بك فرنجية راجيا ومتأملا بان يضعا حدا لهذه المهزلة السياسية –الوطنية- المذهبية ، وان يبادرا الى اتخاذ مواقف مشرفة بإعادة التموضع الجيوسياسي بين تضاريس الاتجاهات المتقلبة ، وان يضعا أيضا حدا لهذا التسيب في قيم الزعامات والاشخاص من قبل النظام السوري وازلامه والذين دأبوا على مداعبة المسيحيين والتلاعب بمشاعرهم وكأنهم اهل الذمة في زمن الفتح المبين . ان القيادات المسيحية مدعوة وبسرعة لأن تقف وقفة صلبة ومشرفة وليكن الوطن اولا ومصلحة لبنان على راس اولويات العمل السياسي .
شكرا لك ميشال سماحة لأنك شرحت لنا كيف يكون تلاحم المسار والمصير .شكرا لك ميشال سماحة لأنك اظهرت لنا كيف ينظر النظام السوري الى لبنان واللبنانيين . شكرا لك ميشال سماحة لأنك اظهرت لنا ان لا حلفاء لسوريا في لبنان ، بل عملاء   وعملاء ( عليهم العين) مخربون يطعنون بكل القيم الانسانية والاخلاقية . شكرا لك ميشال سماحة لأنك شرحت لنا المعنى الحقيقي لمعاهدة الاخوة والتعاون . شكرا لك لأنك اظهرت فعلا ان النظام الامني السوري - اللبناني بخير ويعمل بجد ،والشكر كل الشكر لإسرائيل لأنها لم تخرقنا بزعمائنا ولا بنوابنا ولا بوزرائنا وابقت لنا بعض الشرف وحفظ ماء الوجه على الاقل حتى الآن.
صديقي القارئ
سئمت من الكتابة والنقد لأني لم اعد اجد الكلمات المناسبة لتصف ما يجول في خاطري وخاطر كل لبناني مخلص بعد هذه الاحداث المتتالية .
سئمت من مواقف 8 آذار كلها ، وتحليلاتها وتبريراتها ودفاعها عن اولوياتها ، وسئمت ردة فعل 14 آذار ، اقوال دون افعال ، كلهم يكذبون وكلهم يراوغون لقد طبقوا المثل القائل ( الكذب ملح الرجال )
 سئمت من شهر آذار كله من اوله الى آخره ، حتى انني اتمنى لو يُمحى هذا الشهر من السنة لأن وقعه على المسامع اشد من وقع قنبلة على روضة اطفال .
نعم يا صديقي ، لقد سئمت الكتابة لان في لبنان وللأسف لا يقرأون بل ينصتون وكأننا امام مشهد الحكواتي القديم . ان السياسة في لبنان اصبحت اوامر وتوجيهات وتعليمات ، مواقف طائفية ومذهبية حتى دخلت علينا اخيرا العشائرية . نعم لقد انكفأت المواقف الوطنية لان الوطن اصبح في مكان آخر ، والوطنية اصبحت ولاء لمكان آخر ، والحرية اصبحت رغبة القوي ، والمواطنون هم السلعة والاداة والمنتج .
صديقي القارئ
لا فائدة من العلاج ان لم توضع اليد على الجرح ، وطالما التخوين موجود وعدم الاعتراف بالآخر ساري المفعول فلا مجال للإصلاح . ان من يطالب بالكرامة يجد نفسه مدانا ومن يطالب بالتبعية لا يقبل المناقشة في صحة موقفه ، وبالمناسبة اود ان اسأل الحاج محمد رعد مع كل الاحترام والتقدير:
هل توجه قوى 14 آذار بمذكرة لحماية وصيانة الوطن من الاعتداءات السورية هو فعل خيانة ؟
هل لفت انتباه الشعب اللبناني والسلطات اللبنانية الى مخاطر اعمال النظام السوري هو خيانة ؟
هل المطالبة بالتعامل مع سوريا كجار وكدولة شقيقة وصديقة من الند الى الند وعلى نفس المستويات هو عدوان وخيانة ؟
هل مطالبة السفير السوري بالعمل حسب الاصول الدبلوماسية والسياسية هو خيانة للوطن وللأمة ؟
اشهد اني لست مع 14 آذار ولكنني مع لبنان ، مع الدولة العصرية والديمقراطية لكل ابنائها ، ولست مع 8 آذار ولكنني مع حماية لبنان وصونه من كل اعتداء ومعتدي سواء كان عدوا ام صديقا ام شقيقا . بأي حق تشنون حربا على اسرائيل دمرت اكثر من نصف لبنان من اجل الاسرى والخروقات الاسرائيلية ، ولا يرف لكم جفن من اجل مئات اللبنانيين المعتقلين قسرا وقهرا وبدون اي وجه حق في دهاليز النظام البعثي المجرم منذ سنوات طويلة ؟ لم تحركوا ساكنا ضد الخروقات اليومية ومقتل العديد من اللبنانيين العزل على يد الجيش السوري الفاشي ، وتطبلون وتزمرون وتنفخون ابواق الحرب والتهديد لمجرد كلمة قالها اسرائيلي او موقف اتخذه عسكري في سياق المواقف المعتادة سلفا . هل كل ما يأتي من سوريا مشروعا ومحقا حتى وان كان عدوانا ؟ اترون انفسكم  كل ما تُحشرون تنادون بتطبيق الطائف وانتم من رمى به في سلة التاريخ المنسية ؟ ان المطالبة بالحرية والكرامة وحماية الوطن ليست خيانة بل الخيانة هي بالإطلالة المشبوهة والدفاع عن نظام بائس ومجرم  ، نعم هذه هي الخيانة بذاتها وهذا هو العدوان ليس على الوطن فحسب بل على كل شعور حي ووطني.
ايها السائل الكريم
يؤسفني ان اكتب بمنتهى الصراحة والصدق لأوصل للقارئ الكريم بعض الحقائق المؤلمة ، وما الكاتب الا اداة سهلة وطيعة للدلالة على نقاط ضعف او اخطاء لتجنبها وعدم الوقوع فيها ، او على الاقل اخذ الحيطة والحذر منها، ولكن حتى الحقيقة في لبنان اصبحت مجزأة ومسيّسة ، واصبح الخطأ فضيلة ، والفضيلة جزءا من اخطاء المسيرة المقدسة .
الحقيقة المرعبة ان ميشال سماحة هو حلقة من عدة حلقات لبنانية ستظهر لاحقا ان شاء الله ، والحقيقة ان كل من روج للقاعدة في لبنان ، وجهوزية القاعدة في المناطق اللبنانية وخاصة في الشمال ، وترقب اعمالا ارهابية "قاعدية" في لبنان ، هو حلقة من حلقات ميشال سماحة وعلي مملوك وآخرين من اصحاب الايادي البيضاء .
الحقيقة الكبرى هي خوفي من ان يصبح اتباع النظام السوري في لبنان اتباع  سوريا الجديدة ونعود للدوران في حلقة مفرغة مرة اخرى. والحقيقة المؤسفة بأن لا نهاية قريبة لنظام الاسد الا بعد تدمير سوريا تدميرا شبه كامل وذلك رغبة من الجميع:
ان اميركا واسرائيل تؤيدان استمرار سفك الدماء وتدمير البنى التحتية في سوريا حتى لا يتسنى لهذه الدولة ولنظامها الجديد النهوض مجددا والمطالبة بما لم يطالب به نظام البعث ، الا بعد سنوات من اعادة البناء للحجر وللبشر ، ويخلق الله ما لا تعلمون .
ان ايران التي ايقنت انها ستفقد حليفها حزب البعث ، لا تريد انتقالا سريعا للسلطة والابقاء على قوة سوريا لأنها تعلم بانها " اي ايران " لن تكون حاضرة في سوريا الجديدة .
ان روسيا أيضا تريد انهاك سوريا ليتسنى لها المشاركة في اعادة اعمارها من جديد والاستفادة من الاستثمارات الهائلة فيها مستقبلا . المؤسف ان كل دول الجوار السوري تؤيد تفتت سوريا وتشرذمها حتى يهدأ بالها اقله لعدة سنوات بعد ما مرت به من مكائد وتدخلات بشؤونها الداخلية ايام حكم البعث .
ان السؤال الذي يطرح نفسه ويحير الجميع : ماذا بعد ؟ بماذا يفكر اتباع النظام السوري في لبنان مع العلم بانه قاب قوسين او ادنى من نهايته وهو رهن بموقف القيادة الروسية وحدها ؟ ماذا سيفعل البعث اللبناني بعد وصول البعث السوري الى سيبيريا ؟ ماذا سيحل باستراتيجية حزب الله الدفاعية والهجومية بعد فقدان الحليف الاقرب . ماذا سيحل باستراتيجية 8 آذار كلها وبمواقفها وخياراتها ، وهل من عاقل يدرك مدى اقتراب انزلاق الامور الى الهاوية ؟ ما هي استراتيجية 14 آذار لمرحلة ما بعد الاسد ؟ وما هي مواقفه وطروحاته لشركائه في الوطن ؟
اسئلة تكمن الاجابة عنها في نفس كل لبناني شريف وعلى لسان كل لبناني وطني وهي بسيطة جدا :
ان لبنان يتسع للجميع فليرحل النظام السوري ويقر اتباعه برحيل ذيوله وآثاره ، ونحن اللبنانيون قادرون على استيعاب بعضنا البعض ، وقادرون على المسامحة الحقيقية ، وقادرون على العيش المشترك ، وقادرون على ردع كل التدخلات الخارجية ومن اي مصدر، وقادرون على فهم هواجس بعضنا البعض ومعالجة مخاوفنا ، قادرون على حماية بلدنا وصونه والدفاع عنه بوجه كل معتدي .
ان مواقف فخامة رئيس الجمهورية الاخيرة ، لهي مدعاة فخر واعتزاز لنا جميعا ، فقد اثبت فخامته ان الرئاسة الاولى هي الصخرة التي سيبنى عليها الامل بإعادة رسم لبنان الجديد لبنان الرسالة والحضارة والحرية والكرامة . نعم لنقف كلنا خلف الرئيس وندعمه بكل ما اوتينا من قوة ، ولندعم الجيش ونقف معه لأنه خشبة خلاصنا اليوم وغدا وبعد غد ، وآن الاوان لان نعود الى رشدنا وخيارنا الوحيد الصحيح : لبنان .
اقول كلمة وليحاسبني التاريخ ومن يريد ان يحاسب ، ان الخطر الحقيقي على لبنان هو من سوريا وايران وليس من اسرائيل فقط، ان اسرائيل جربت واتعظت وفهمت ان لا سبيل لها في لبنان الا السلام وعليه ستبني كل خططها وخياراتها . فلنعمل على صون وحدتنا الداخلية والوقوف بوجه كل من يتدخل بشؤوننا ولنكن مستعدين للحرب وللسلام في آن معا ، واننا لقادرون بدون شك .

الأربعاء، 5 سبتمبر 2012

الرسالة الثانية

                                   
كنت اتمنى ان لا اكتب لك ثانية ، ولكن الخامس من ايلول اصرّ ان يقرأ لي مرة اخرى .
نعم يا بني ها انا اكتب اليك راجيا ان تكون بصحة جيدة ، آملا ان لا تحسب الايام والليالي فان حسابها يأتي دائما على حساب الجسد وراحة البال .
احمل القلم مجددا واحاول ان اصنع من عصارته خطوطا تسابق الشوق اليك وتطبع على خدك قبلات وقبلات . اكتب اليك يا بني لأني اجد في الكتابة ملاذا من سأمٍ ويقينا من حيرة، اخاطبك عبر هذه الحروف لأرشدك وانصحك وأقوّم ما اعْوجّ والتوى ،بكلام منه ما وقع على صواب ومنه ما سرح في خبط عشواء، انه القفز فوق الرغبة والسقوط عند اللقاء  .
بني
لا يوجد في الحياة اثمن من الحرية ، ولا توجد حرية اثمن من الروح .الروح تبقى وان غابت الحرية ولكن لا حرية بدون روح ، اكمل طريقك على خط البقاء واعمل لغدك وكأنه سيصبح الامس . ليكن الامل مفتاح يومك وبهجة حاضرك وسبب قيامك، ولا تدع الندم يأخذ منك فرح التوبة ، ان الندم دواء ولكن التوبة شفاء .
ولدي
اوصيك بأخيك ، لا تدع شيئا في الدنيا ابدا ،،ابدا يبعدك عنه او يبعده عنك ، وتذكر دائما بأن تترك بينكما فسحة للحرية الشخصية وابتعد عنه المسافة الكافية لتشتاق اليه . كن دائما السباق للشمل والخاسر من حقك واعطه ما هو لك قبل التزامك بما هو له ، احتقر المال ، وحافظ على الارزاق فأنت الساعي والوكيل ، توصلها كما وصلت اليك، فأعطها كاملة وزدها اذا استطعت واذا لا بد من نقص فليكن في سبيل تدبيرٍ حسنٍ او صالحٍ عائلي او براءة ذمة .
ان الحياة مجموعة عقد مترابطة متراصة جُمعت وأُحكمت لتكوّن العقدة الكبرى الا وهي عقدة البقاء . عقدة النوم وعقدة النهوض ، عقدة العمل والطعام ، عقدة التربية والتعليم ، الى ما هناك من عقد تكبر مع ساعات اليوم والاسابيع والشهور للسير نحو البقاء وهو نفسه مسار السير نحو الفناء . حب البقاء  والصراع من اجله ،هو الوصول للفناء بحد ذاته ، تفاوتت الاوقات واختلفت ساعات الحقيقة ، فاعمل ما بوسعك لإرضاء ربك واراحة ضميرك ، وتذكر ان البقاء في الاعمال الجيدة والسيرة الحسنة ، فاجعلها على شفاه المتكلمين واوراق المدونين .
ولدي الحبيب
تمر الايام مثقلة بالتمنيات وتتراكم الآمال عبر السنين لتولد جبلا من خيال السعادة المرجوة ، وفي ازدحام التاريخ عُصرتْ سنّة الحياة فكانت تلك العصارة ، وامتلأت الكأس بفلذات احب الخلق الى نفسي . انتم عائلتي واحبائي ، انتم رجائي وقسمتي .
لا ادري يا بني كلما حاولت ان انهي اجد نفسي وكأني الآن بدأت ، فمع كل نهاية تبدأ بداية . فاجعلْ من آخر نهاية سعيدة بداية ساعة صفر لمشوار سفر آخر، وتذكر بأن سرعة السنين لا تضاهيها سرعة لأننا لا نشعر بها بل نعيشها ذكرى.
اوصيك بأقوى سلاح تتسلح به ، فهو يحميك في كل زمان ومكان ، انه الايمان ،الايمان المطلق باله الحق والخير دون شراكة ودون شك ودون تردد . اعمل ما يحلو لك وما يطيب ، وما يمليه عليك العقل والمنطق وحتى الرغبة ، ولكن احذر الكذب ،، كن صادقا دائما مع خالقك اولا ومع نفسك ثانيا ومن ثمّ مع المجتمع من حولك . يا بني ،، الصدق صك القيم فان تنازلت عنه ، فلن تمتلك شيئا ولن تغدو اكثر من رخيص .
يا بني
كن ابن مجتمعك ، فهو يدفئك ويحميك ، تكبر ان انتميت له وتُحتقر وتُهان ان عاندته وسرت عكس تقاليده وقيمه .ان الانسان يستطيع ان يجلب المذمة في برهة وجيزة ، ولكن يلزمه وقت طويل وطويل لجلب السيرة الحسنة والكلمة المنصفة .
كن ابن طائفتك ولا تكن طائفيا ابدا ، ناصرها واحميها ولكن ليس على حساب القيم والاخلاق والشرف ولا المعتقد والايمان  .ان الطائفية خلل انساني وهي ادنى درجات العلاقات الاجتماعية والدينية ، ومقبرة الحوار والعيش المشترك . انت اخٌ لكل انسان في المشاعر ومدّ يدِ المساعدة والعون ، فلا تفرق بين لون ولسان وقامة . اننا في يوم الحشر سواء ، ولا فضل الا بالتقوى .
رحم الله أمرئ عرف حده فوقف عنده ، كبُرَ فتواضعَ ، تألمَ فصبر ، سامحَ فأقتدر، اخطأ فعرف ، اساء فاعترف ، انه جبلةُ العواطف وفخرُ المواقف ، وبين هذا وذاك يكمن السر،،،،

                                                           والدك
                                                   5-9-2012

الجمعة، 17 أغسطس 2012

اللعنة

لقد اعتاد البعض على الهروب من الواقع الأليم باللجوء الى بعض الخيال المفرح قليلا ، واعتاد آخرون على الدخول في متاهات التمني والتفاؤل ، ولطم البعض الآخر وجه التشاؤم ببعض الايمان ، وخلص الجميع الى خلاصة واحدة : اللعنة على القدر مع اننا نؤمن كلنا بالقدر ، فهل هذا يعني اللعنة على ما نؤمن به ؟
اخي القارئ
معاذ الله ان اقصد "باللعنة" الايمان بالله تعالى او بيوم الآخرة او بيوم الحساب، بل المقصود هنا هو ما نؤمن به في يومنا الآني ، بالبقاء احياء ، بالعيش الكريم ، بالحقوق الكاملة ، بالاحترام والصدق والثقة ، الى ما هنالك من مرادفات يومية نعيشها ونعيش من اجلها ونتمنى ان نؤمن بها .
ما اضعف الانسان وقت الصعاب حتى ولو كان من اقدر الخلق على التصدي ، ولكل فرد طريقته الخاصة للسير نحو الخلاص ، وهذه قصتي مع اللعنة التي قادتني الى بعض الكفر ، واعود صديقي القارئ واكرر بأن هذا الكفر ليس قصدا ولا نية بل ينزل كلمة ويذوب في بحر المغفرة .
هناك من يطرد السأم قبالة البحر ويغوص في تلك الزرقة اللامتناهية ويخرج من مكان طالما اراد ان يكون فيه او احدى محطات حياته، ومنهم من يجلس قبالة الشمس لمواكبة طلوعها والشعور بدفء الحياة المتجددة لينعم بيوم جديد وامل ورجاء .
اما انا ،فالشمال وجهتي ومحطتي ، اجلس على تلك الرابية المطلة على عرين شبابي على الجنوب بوابة الفخر والعزة لوطن فُقد الامل منه . انطلق من تلك الرابية الى طفولة رافقتها الاحداث وكبرت وسط الحيرة والقلق ، اعود الى السهول والجبال اركض بين الاحراج والجداول ، اعرف كل نقطة تقع عيناي عليها ، راقبت نمو الاعشاب وهجرة الطيور ، عشقت ثلج حرمون وشربت دموعه فزادني الشيخ صحة. ها انا في حلم الاحلام فوق يقظة الايام وبين ما كنت وما انا عليه الآن استفقت على سائل ويقول : من انت ؟ نعم سألني ذلك الحارس وقال : من فضلك هويتك ، اعطيته وانتظرت ... ماذا تفعل هنا ؟ سألني ماذا افعل هنا ؟ ومن انا ؟
اللعنة ....
اللعنة .. من اين ابدأ وكيف ، وماذا باستطاعتي اخباره ؟ ومن هو ليفهم من انا وهل يستطيع ان يستوعب اللعنة التي انا فيها او ان لديه لعنته الخاصة ؟
سألني والح على المعرفة ،، من انا ؟ قلت :
أترى تلك السهول والجبال...أترى تلك الوديان والتلال.. أترى الريح ؟ حدّق جيدا هناك كان التاريخ يُصنع وهنا بعض الخطوط الزرقاء تمنع ، هناك ازدحمت السنين وتراكضت الايام ، وفي عجقة الزمن ، حُشرت اللحظات فولدت المحبة ونبت السلام ،، ولكن ،، اللعنة على.....
صرخ مقاطعا: اللعنة، لقد عرفتك انك لبناني، فقلت له بالله عليك لا تلعن، دع اللعنة لنا فإنها منا وفينا.
اخي القارئ
قاتلت من اجل الحرية والديمقراطية ، نذرت شبابي وزهرة عمري من اجل الانسان وحقه في العيش الحر الكريم، قاتلت الاستبداد والأنا ، قاتلت عبدة الديكتاتورية ومنتهزي الديمقراطية ،،، اللعنة من اجل ماذا ؟ من اجل ان استجدي بعض الديمقراطية ؟ قاتلت العنصرية والطائفية والمذهبية ،،،، اللعنة ، لقد فقدت الهوية واين ابحث ؟ وهل أجرؤ على القراءة بعكس الابجدية ؟
ما ارخص حياة الانسان في النظام الاستبدادي ، وما ارخص قيمة الانسان في النظام الحر ، واللعنة .. والف لعنة ،،،فما بين القيمة والرّخصِ ضاعت القيمُ وكثُرت الرّخَصْ .
يُقال بأننا من العالم الثالث ، العالم التحتي الذي لا يعرف الا الشقاء ولا يعرف قيمة البقاء لأنه لا يملك اي ولاء. العالم الثالث ، عالم الجهل والتخلف كما تقولون او كما تدعون ، اي اننا من المتخلفين والجهلة ، ولكننا نملك المال الوفير وبنوك العالم الفوقي مشرعة الابواب وطالما نحن نضخ الذهب والماس فالتخلف نائم وغائب والاستبداد رحمة والديمقراطية نكتة .
اللعنة ....
نحن الذين حاربنا الطغيان ،، جهلة
نحن الذين وقفنا بوجه التفرقة العنصرية والمذهبية ونادينا بالحق البشري العام، نحن جهلة ومتخلفون.
نعم ، اللعنة علينا لأننا لا نعرف الرياضيات جيدا بل نعرف القيم نحفظها عن ظهر قلب .
اللعنة علينا لأننا لا نتقن الكذب ولا المراوغة ، بل كلنا ايمان ونتوق الى المغفرة .
نحن العالم الثالث نفشل بتعلم ما خلقناه وننجح باكتساب ما عُتق، نحن عنوان قصة لا تحكى ولا تُترجم.
وانتم العالم الاول يا من تظنون بانكم القدوة والمثل الاعلى ، لا ،لا ،انتم الخطأ والخطيئة ، لديكم سيف جدعون وتمساح فرعون ،ولدينا المعرفة بمن نكون وبخالق الكون .دعونا وشأننا وليكن العالم الثاني بيننا فهو يتسع لكلينا ، انزلوا اليه ونحن نصعد بدورنا وربما نلتقي في وسطية الحضارة ، وفي وسطية التطرف ، وفي وسطية الكمال ،،،، ونلعن اللعنة ....
عزيزي القارئ
تركني ذلك الحارس بهدوء ، فقط اشار بيده راحلا بسلام اشبه بالاستسلام ووقف بعيدا وقال :
اللعنة علينا جميعا : انتم لأنكم صدقتمونا ونحن لأننا كذبنا،
ضحكت اخيرا وقلت له : اللعنة على الرياضيات ، فقد ساوت اللعنة ما بين الكذب والصدق .

الأحد، 5 أغسطس 2012

الرسالة الاولى

دمعة امل
اكتب اليك محاولا ان اجمع الحروف المبعثرة ، وان استرجع شكل بعض الجمل بعد ان فلت مني قلم المعرفة . احاول ان اضخّ بعض الحبر على هذه الاوراق علّها تُنبت اشواقا تريح بالي وتهدئ انفعالي .
اشتقتُ اليك والباب لم يغلق بعد خروجك ، اشتقتُ اليك وما زال صوتك يخرق صمت الغرفة ، اشتقتُ اليك وما زالت رائحة عطرك تبعث دفئ وجودك ، اشتقتُ اليك وانا لم انهي وداعك  بعد،
 اشتاق اليك ان لامستك ، واشتاق اليك ان سمعتك ، اشتاق اليك مع كل آخ وكل آه مع كل امنية وكل دعاء ، فان الله سميع مجيب ان رضي وشاء .
يا ولدي ،ان المرء ينال ما قسم الله له ولا تجني النفس الا ما زرعت وما العقاب الا بابا للثواب والله قابل التائبين .
لأول مرة اجد نفسي عاجزا مقعدا مكبل اليدين معصوب العينين ، حائرا تائها في ضياع وحيرة من امر لم اعتد عليه سابقا .نعم يا ولدي لقد مررت بصعاب كثيرة ولكنني كنت فيها المقصود وكانت تدور حولي ، كنت اخرج منها منتصرا بفضل الايمان المطلق والارادة الصلبة وحب البقاء وعناد الشباب ، وها انا اليوم اتأرجح على حبل سنوات العجز والكهولة لا اقوى على النزول ولا اقدر على انزال من احب . اخاف من الفشل ومن خيبة الامل ، اعمل المستحيل لأحصل على الممكن ، ودائما تذكر يا ولدي ان الحياة نجاح وفشل ، حب وكره ، سعادة وحسرة .
لا اذكر يوما سمحت فيه لليأس بأن يأخذ مني ولو اليُسر اليسير ، هكذا كنت وهكذا اريدك ان تكون صبورا صلبا عنيدا قاسيا على الصعاب ، مؤمنا بقدرة الخالق راضيا بقسمتك ، فالرجال تُعرف عند المواقف الصعبة وللشباب مواقف ومواقف لا تهين ولا تلين .
تذكر يا بني ان لا عيب في السقوط بل العيب في البقاء حيث نسقط ،ولا عيب في الخطأ فالأموات فقط لا يخطئون ، وان طلب التوبة والمغفرة  ليس ضعفا بل شجاعة ما بعدها شجاعة . ان الجبان لا يتوب يا بني بل يهرب ، والشجاع يقبل ويتقبل ما كُتب له وما رُسم له .
تذكر دائما يا بني بأني احبك ، تذكر دائما بأنك النور في عيني والنطق والادراك في روحي ومهجتي ، تذكر دائما بأنك الجزء الباقي بعد فناء ذاتي ، تذكر بأنك الرزق والروح ، الحب والعطاء ، تذكر بأنك المُلْكَ من صاحب المُلكِ .
تذكر يا ولدي بأن لك عائلة تدعو لك في كل لحظة وتبتهل الى الله عز وجل بان يعيدك اليها سالما ومعافى ، فاعمل برضاء الله على النقاء والصفاء وابدأ دائما بالدعاء والرجاء .
كن راضيا على ما انت عليه ، وتقبل ما انت فيه وليكن الصبر خبز جوعك وايمانك خشبة خلاصك .


                                                                 والدك
                                                            5/8/2012

الاثنين، 30 يوليو 2012

الوطن الضائع

سئمت الجلوس ومشاهدة الشاشات والاستماع الى الاخبار، سئمت المواقف والاقوال ، سئمت التهديد والوعيد ، سئمت الانذارات والعقوبات ، سئمت المنابر وابطال الحناجر ، سئمت من كل هذا حتى احببت انقطاع الكهرباء شبه المتواصل وهنأت اللبنانيين على خلاصهم من هذه اليوميات المملة .
اخي القارئ
نحن ..؟ وكالعادة نحول الهزيمة الى انتصار ونطبل ونزمر ونختلق ونصدق ،ونحول الانتصار اذا ما حصل ( وباض ديك الزمان ) الى كابوس يطيح برؤوسنا وهاماتنا ويجعلنا اسرى احلام تخطت الواقع والمألوف . هكذا نحن ملاّكي لبنان ومستأجريه نحاول التكيّف بما يناسبنا ويلائم نفوسنا ، بل نحاول ان نجعل انتصار الآخرين هزيمة وهزيمتنا انتصارا فنخرج بوباء وببلاء وبسوء تقدير ليتحول هذا المُنتج الى سوء طالع يطالع النازل والطالع .نهشنا روحنا واجسادنا في حرب لا عرفت الاهلية ولا الاقليمية ولا الدولية ، بل كانت حرب العصبية من عصب المذهبية وتعصب الطائفية ، فقتلنا وطننا الذي لم يولد اصلا كما يجب دون ان نحاكم القتلة ، ودون لائحة اتهام ولو حتى غيابية ، وكأن القتل عندنا تقليد او عرف ، وللأسف اصبح هواية ورجولة ووسيلة لإثبات المواقف ، ونرى اليوم ان من قتل لبنان هو الحاكم بأمره وهو الناهي الآمر وتخطى المقولة المعهودة ( قتل القتيل ومشي في جنازته ) الى مقولة ( قتل القتيل ليرحمو). نعم نقتل لبنان لنترحم على لبنان ، نقتل هذا الوطن كل يوم وكل ساعة ، ونحن الشعب الوحيد الذي يعرف وصل الجنّاز بالقداس بالصلاة بالذكر الحكيم ، فمباركة انت ايتها الامة اللبنانية التقية النقية .لقد سقطنا من قاموس الشرف والاخلاق ، وطعنا بكل اسس الادب الاجتماعي والسلوك الحضاري وسط تلك المعمعة تحت عنوان " الحرب " والاستعداد للحرب والوقوف بوجه كل من نراه يفيد بقاء واستمرار السلاح وحملة السلاح ،اسقطنا معيار الوطنية واستبدلناه بعيار البندقية ، وحولنا هشاشة كبريائنا وفشل حبنا للوطن الى انتصار مخجل وعار ، انتصار فئة على اخرى وللأسف طائفة على اخرى ومذهب على آخر ، وهكذا اصبح الانتصار في حرب الهزائم شعارا لنصر مزيف وعلامة فارقة في تاريخ هذا الوطن لا يمحيها موت جماعي ولا ابادة عرقية .
اخي القارئ
لا تسكت بندقية الا وتصرخ اخرى ، ولا يُهدم متراس الا ويُقام آخر ، ولا يهدأ خاطر الا ويخاطر آخر ، ترى اين نحن ؟
في الغابة يزأر الاسد فيسكت الجميع ويطيع ، وفي القبيلة يشير الشيخ فيتحول المسلك كله بالكبير والصغير، وفي الدولة يتربع القانون فوق الكل ، اين نحن ؟
نحن في لبنان، لا غابة ولا قبيلة، لا دولة ولا كيان، لا قانون ولا مؤسسات. انه شيء من لا شيء يحاول ساكنوه خلق معرفة من نكرة . انه لبنان انشودة الاخرس ونغمة الاطرش ، انه صورة الاعمى وميدان الكسيح . انه لبنان ، النثر والشعر والخيال في الرصاص والقتال والتفرقة والبعد ، في الحب عن بعد والتلاقي عن بعد ، سئمت الوصف وسئمت تلوين الحقيقة لأجعلها كذبة لأننا تعودنا ان نصدق الكذبة ، فيا ليت لبنان كذبة ليهون علينا تصديقها .
اخي القاريء
شيخ من هنا وآخر من هناك وكأنه لا يكفينا رجال السياسة ولا طلاّتهم المقشعرة للابدان . منبر هنا وصدى الآخر يلاقيه لتتكسر الكلمات وتنصهر وتخرج في لغة حجرية ، وبأفكار خشبية من خلال جدل بيزنطي لا يحمله سوق عكاظ ولا نخاسة القرون الوسطى .
ماذا تريدون ؟
في طرابلس ، في صيدا ، في البقاع والهرمل والجنوب في كل مكان من ( هذا الوطن المشاع) ،ماذا تريدون ايها اللبنانيون ؟
محاربة اسرائيل؟ تفضلوا ولما الانتظار، فالطبول شغالة والحناجر مستعدة.
محاربة النظام السوري ؟تفضلوا ،فاليوم هو افضل وقت لمحاربة البعث والاسد
دعم النظام السوري ؟تفضلوا وهو اليوم بأمس الحاجة الى اي دعم ممكن .
محاربة بعضكم بعضا ؟ تفضلوا ، فانتم اليوم في افضل حالة من انقسام وبُعدٍ وقلة احترام ووطنية .
ماذا تريدون ؟
بناء الدولة اللبنانية ؟ تفضلوا ، وهي اليوم بأمس الحاجة الى الاخلاص الحقيقي واليد العاملة الغير مأجورة .
فاذا كنتم لا تريدون محاربة اسرائيل ولا تريدون مقارعة النظام السوري كما تقولون في سياسة النأي بالنفس ، ولا تريدون دعم الشعب السوري ، ولا محاربة بعضكم بعضا ، فلماذا السلاح اذا ؟
ان بناء الدولة لا يتطلب سلاحا الا سلاح الدولة ، فلماذا التمسك به ؟ فاذا كنتم تعتقدون بان سلاحكم هذا سيدمر اسرائيل او سيردعها فانتم حتما مخطئون. ان من يردع اسرائيل هو الدولة فقط والوقوف بوجهها ومقارعتها من دولة لدولة ضمن الشرعية الدولية ومؤسساتها شئنا ام ابينا .
ان مقولة ان السلاح لحماية لبنان قد سقطت منذ السابع من ايار وتوجهه الى الداخل ، ومنذ ذلك الحين وانتم يا اصحاب السلاح تسعون الى التبريرات والاعذار ولكننا نقول لكم لقد سقط سلاحكم نهائيا من معادلة حماية لبنان بعد الاحداث التي عصفت بالشمال اللبناني . الحقيقة تقال وبصراحة تامة ، لو استعمل هذا السلاح بعد تعديات النظام السوري على الارض اللبنانية وانتهاكه لحرمتها وكرامة شعبها ، وبعد الاعتداء على الناس وقتلهم ، اقول لكل لبناني ولكم : لو استعمل هذا السلاح لحماية الشمال لكنتم ربحتم الرهان وانحنينا احتراما لكم ولسلاحكم ولاستراتيجيتكم الدفاعية ولكل ما تنادون به . نعم لقد فوّتم عليكم فرصة اسكات كل الاصوات المعارضة . من هنا نقول لكم ان هذا السلاح هو مُسيّر ومستأجر لأغراض واهداف خارجية ولخدمة الثورة الاسلامية الإيرانية ودعم وحماية النظام السوري وامتداده في لبنان . لم تجرؤوا على استعماله في الوجهة الصحيحة ، وسقط وسقط معه رهانكم وسقطت شعاراتكم .
نعم صديقي القارئ ، نهنئ انفسنا لما وصلت اليه مصر وتونس وليبيا واليمن ونهنئ انفسنا باننا نحن العرب خطونا خطوة بالتجاه تثبيت " الأنا " ، انا مواطن عربي في دولة عصرية وديمقراطية ترعى حقوق الانسان ، نهنئ انفسنا بالتضحيات الكبيرة التي قدمتها هذه الشعوب ولا تزال وخاصة الشعب السوري العظيم ،وفي المقابل نهنئ انفسنا نحن اللبنانيين بتبعيتنا للزعماء وسوقهم لنا وكأننا ارقام انتخابية ، نهنئ انفسنا على اننا اللغز الوحيد الذي لا يفهمه قارئ ولا يفقه فيه محلل .
عزيزي القارئ
ها قد جلس المحاورون وبدأ الكلام، واي كلام يوصل الى نتيجة طالما ان حزب الله لا يزال متمسكا بشعاراته وبمقولته ( الدفاعية). فاذا كانت هذه الاستراتيجية هي ضد إسرائيل فقط وعدوانيتها ، نقول : لقد اعتدى النظام السوري علينا أيضا فلماذا لا يسعى البعض الى التسلح لحماية لبنان من سوريا او تركيا او الفلسطينيين (المرتزقة الراديكاليين)  مثلا ضمن استراتيجية دفاعية اخرى ؟ ان احتفاظ حزب الله واعوانه باستراتيجية مسلحة خاصة ، ستفرض هذه الاستراتيجية تسلحا وسنرى سلاحا سنيا ودرزيا ومسيحيا وووو. ان الخلاص الوحيد هو ببناء الدولة واللجوء الى مؤسساتها البرلمانية والدستورية وترك الامور الدفاعية للقرار السياسي الحكيم. كفانا لعبا وكفانا كذبا وكفانا مراوغة لقد شارفت اللعبة على نهايتها فإما لبنان المؤسسات واما الفوضى ، فلنستغل الوقت الضائع لمصلحة الوطن الضائع.