السبت، 14 أبريل 2012

مرْ ما منو مفرْ

لا ادري اذا كان المجتمع الدولي يشكك في قدرة الشعب السوري على الاستمرار بثورته ، ولا ادري اذا كان هذا المجتمع يظن ان الرئيس السوري غير جدي بقمع هذه الثورة بأية وسيلة وبأي ثمن . لكن الذي يعرفه الجميع ان ما بين الشك والجد ، يلعب اللاعب الروسي بكل حرية ، ويضع النقاط حيثما يريد ويحذف احرفا كيفما يريد دون رادع او حسيب ودون اية مواجهات تذكر من قبل الاعضاء الدائمين في مجلس الامن الدولي . والذي نعرفه أيضا ان الرئيس السوري عرف كيف يلعب على تناقضات المواقف العربية والاقليمية وحتى الدولية وها هو يسعى جاهدا لكسب الوقت اللازم للقضاء على هذه الثورة .
لقد علمتنا الاحداث وبدون شك ان ما من ثورة شعبية الا ووصلت الى اهدافها ،وما من شعب انتفض الا وحقق ما يريد . ان ارادة الشعوب لا تقهرها آلة ولا يثنيها بطش مهما طال الزمن ، وهذا ما اوضحه التاريخ منذ فراعنة مصر وقياصرة روما مرورا بأشد الأنظمة قساوة من الخمير الحمر "كمبوديا" الى مجازر الابادة الجماعية في القارة السوداء ، وتبقى النتيجة ذاتها مهما تغير اللون وتقلب السلاح ، فالنصر للشعب دائما .
اخي القارئ
لا يمكن الادعاء بان ما يحصل في سوريا هو شأن داخلي ولا يمت بصلة الى دول الجوار وخاصة لبنان ، ونقول لبنان خاصة ، لأن في لبنان حلفاءً لسوريا واتباعا للنظام بعثيين اكثر من "ميشال عفلق "نفسه . هنا تكمن خطورة نتائج ما يحدث في سوريا على الساحة اللبنانية في الوقت الذي نرى فيه سياسة الحكومة اللبنانية سياسة ترقيع لا اكثر ولا اقل وهي سياسة " مسح اللحى وتبويس الشوارب "، سياسة ارضاء لهذا وترضية لذاك ، ولا احد يعي الاخطر وهو نتيجة الثورة السورية وما ستؤول اليه الاحداث ، فكلاهما مرٌ على لبنان : نجاح الثورة مرْ ، وبقاء الاسد امرْ ، وللأسف يتحلى اللبنانيون ما بين هذه المرارات بقانون انتخابي لا يعرفون اليه سبيلا ولن يفيدهم بشيء على الاطلاق ، حتى ولو جاؤوا بأفلاطون وسقراط والفارابي ، سيبقى النائب نائبا والمحدلة محدلة والنتائج معروفة سلفا . فلماذا لا يتركون هذا المشروع الفاشل جانبا وتوأمه مشروع الكهرباء ايضا . لن ينعم لبنان بالكهرباء سواء اتت من بواخر او معامل طالما ان المستفيد منها لا يدفع وطالما انها لأشخاص ومناطق ومحسوبيات ، وطالما ان الحاكم لا يعنيه المواطن وما يعانيه . ليعوا هذا الفالج الوطني وليتجهوا الى دراسة النتائج التي ستُفرض عليهم بعد الثورة السورية .
اولا : اذا انتصرت الثورة في سوريا – وهذا ما يتمناه كل حر في العالم – ستنتقل مباشرة الى لبنان ولكنها ليست ضد النظام ولا الدولة ، لان لا وجود لنظام ولا لدولة ، بل ضد نظام الدويلة "دويلة حزب الله " . ان الشعب اللبناني باعتقادي لن يترك ثانية تمر بعد انتهاء الثورة في سوريا لينزل الى الشارع مطالبا بأنهاء سيطرة السلاح وتسليمه للدولة وبانضمام الجميع تحت رايتها بالحوار او بالقوة ،  بالمظاهرات او بتبويس اللحى، بكسر الاذرع او برص الاكتاف. ان الهدف هو وضع لبنان فوق كل اعتبار والعبرة لمن يعتبر من الشعوب اذا نزلت الى الشارع .
ان انتصار الثورة السورية هو انتصار ذو وجهين :
- الوجه السياسي ويعني انتصار الحرية والديمقراطية على انظمة الرأس الواحد – الانظمة العقائدية والديكتاتورية ، وهو آخر عنقود الربيع العربي بإسقاط الانظمة التي حكمت شعوبها لأكثر من نصف قرن تقريبا دون ان تقدم لها شيئا سوى القمع والفقر وحضارة القرون الوسطى . ان هذا الانتصار السياسي هو انتصار على كل من يدور في فلك النظام وبالتالي فان الرسالة واضحة : سيأتيكم الدور فانتم اللاحقون .
- الوجه الديني "المذهبي " فيتمثل بانتصار السنّة في سوريا وانهاء سيطرة اقلية حكمت بيد من حديد وبالتالي انتصار على كل توجه غير سني ضمن الاسلام عامة، وهو موجه الى طهران والى حزب الله في لبنان . ان السنّة في لبنان سيتلقفون هذا الانتصار ليعدوا العدة لانتصار خاصٍ بهم وبنفس المعايير السورية ، انتصار ضد حزب الله وحلفائه "سياسي" وانتصار على الشيعة "مذهبي" . ان الساحة اللبنانية ستكون مفتوحة على جميع الاحتمالات ومن ضمنها الحرب الاهلية لان حزب الله لن يسلم بالأمر ببساطة بل سيدافع عن موقفه وعن مكتسباته ولا اعتقد بانه سيلجأ الى فتح الجبهة الجنوبية ضد اسرائيل لأنه يعلم ان لا احدا سيسانده وان مقولة الجيش والشعب والمقاومة ستكون قد سقطت فعلا. اذا سيكون توجه حزب الله الى الداخل اللبناني بفرض وجوده المطلق بقوة السلاح ومن ثمّ استثمار هذا السلاح وجعله خشبة العبور تجاه الدولة المدنية لعلمه ان الوقت لديه نافذ والمتسع ضيق جدا .
اما اذا بقي نظام الاسد " بقوة قادر" فهنا ستقع الكارثة الكبرى في سوريا نفسها وفي لبنان وبالتالي منطقة الشرق الاوسط ، باستثناء اسرائيل طبعا التي ما زالت على موقفها من نظام عائلة الاسد وهو الرضا وعدم البحث عن بديل تاركة الامور تأخذ مجراها بنفسها .ان اولى نتائج هذا البقاء على الصعيد الاقليمي هو وداع القضية الفلسطينية كلها ووداع الدولة الفلسطينية بشكل خاص لان بقاء النظام وان حصل سيكون نتيجة صفقة لاعبها الاساسي اسرائيل وروسيا ضمن الموافقة الاميركية الضمنية . هذا بالإضافة الى ازدياد نفوذ ايران بالمنطقة وستكون الشريك المحتمل لروسيا في اي محور عالمي جديد ضمن الحرب الباردة الجديدة انطلاقا من محور سوريا – العراق - ايران ، ولبنان (تحصيل حاصل ).
اما على الصعيد المحلي وفيما يخص سوريا نفسها فبعد استباب الوضع للنظام سيعمد حتما على الغاء كل ما عدّله في الدستور ويعود الحكم كما كان " القديم على قدمو" كما يقول المثل اللبناني العامي ، وسيشهد الشارع السوري عملية تطهير لا مثيل لها بين صفوف الجيش والامن والشعب اشد قساوة من الحرب نفسها .
اما بالنسبة الى لبنان فان بقاء الاسد يعني ثلاثة انتصارات :
الاول : سياسي وهذا يعطي الافضلية لحزب الله وحلفائه ويطلق يده في قلب المعادلة اللبنانية من المناصفة الى المثالثة ، وهذا انقلاب على الطائف بالوقت المناسب ودون اي رادع او مُراجِع . ايضا سنشهد بزوغ بعثين جدد وسيتكاثرون الى حد سنخال انفسنا في حضرة "الحوراني وعفلق " . ان هذا الانتصار السياسي سيوجه مباشرة الى تيار المستقبل  وسائر مكونات 14 آذار .
الثاني : وهو عسكري وسيطبق في الاحتلال الكامل للبنان من قبل الحزب والسيطرة المطلقة على الجيش والامن الداخلي وسائر الاجهزة الامنية ، وستشهد الساحة اللبنانية عمليات تخويف وترهيب اقلها الاغتيالات السياسية على غرار ما حصل للدكتور جعجع ، وسيصل لبنان الى معادلة المقاومة فقط وهي صاحبة الكلمة الفصل في السياسة والامن والاقتصاد وقرار السلم والحرب .ان بقاء نظام الاسد في سوريا يعني زوال لبنان الدولة والكيان ، وما على القوى الاخرى فيه الا حزم امرها اما بحزم امتعتها والرحيل والتفتيش عن وطن بديل واما المقاومة وهذه المرة بمقاومة مسلحة بكل معنى الكلمة حتى وان ادت الى حرب اهلية او الى تقسيم البلاد .
الثالث : وهو انتصار ديني ، اي انتصار الطائفة العلوية خاصة ومعها الشيعة عامة على السنة في سوريا ولبنان وبالتالي توجيه رسالة واضحة وقاسية الى الدول العربية وخاصة الخليجية بان هذا المذهب قادم اليكم وهو يتسع للجميع سواء بالعصا او بالجزرة وانه سيكون مصدر قوة الامة العربية كما كان ولا يزال مصدر فخر وقوة الامة الفارسية . هذا الانتصار سيؤجج الخواطر وسيوقظ كل تنظيم سني متطرف من القاعدة الى السلفية وحتى الاخوان المسلمين في الدول العربية والذين هم الآن بموقع شك من الثورة السورية ، وصولا الى "طالبان ،وبوكو حرام " كلهم سيتقاطرون الى اعلان حالة الطوارئ الدينية والمذهبية للوقوف في وجه هذه الهجمة الشرسة . اذا ان بقاء نظام الاسد سيكون كارثيا وسيجعل الشرق الاوسط بركانا وساحة حرب محتملة في كل لحظة ولكنها لن تكون اسرائيلية ابدا .
عزيزي القارئ
ان الكيل بمكيالين في التعامل مع الازمة السورية شأن خطير جدا ، ربما لن تظهر نتائجه في المدى المنظور ولكنه يؤسس لفتنة فكرية واجتماعية وسياسية ، وربما تتطور الى فتنة مسلحة اذا استحالت معها التفاهمات والحوارات وعمليات الاقناع والاقتناع .لقد حاولتُ ان الفت النظر مرارا الى خطورة هذا الموضوع ولكن العامة كما يبدو لا تعيره الاهمية ولا تعتبره ذا شان لأنه خارج اطار التداول الجدي . لذلك ارى ان تبسيط الامور يمكن ان يساعد في تسليط الضوء اكثر .
ان التساهل مع الانتهاكات السورية للحدود اللبنانية هو امر مريب ويصب في خانة الخيانة الوطنية ويدعو الى التوقف والتعمق بالأمر :
هل اطلاق النار من الجانب السوري "الاخوي" علينا نحن اللبنانيين مسموحا ويعتبر طبيعيا ، في حين ان مجرد تحليق للطيران الحربي الاسرائيلي يعتبر اعلان حرب ؟
هل انتهاك الجيش السوري لحرمة الاراضي اللبنانية في وادي خالد وفي القاع وعدة اماكن اخرى هو امر طبيعي جدا ويأتي من ضمن معاهدة الاخوة بين البلدين ، في حين ان اقامة جدار على الحدود الشمالية الاسرائيلية يعتبر عملا عدوانيا ؟
هل انتهاك ايران للسيادة اللبنانية بالتدخل المباشر بدعم وتسليح فئة ضد فئة اخرى وعلى حساب الوطن والقوى الشرعية فيه يعتبر عملا بطوليا تشكر عليه ، في حين ان تدخل مجلس الامن او الدول الغربية يعتبر عملا منافٍ للأعراف الدولية و تدخلا مباشرا بالشؤون الداخلية للبنان ؟
هل مسموحا لهم ان يدمروا نصف لبنان من اجل اطلاق المعتقلين من السجون الاسرائيلية ، ولا يتكرمون على امهات اللبنانيين المفقودين في السجون السورية بإعطائهم ولو بارقة امل صغيرة بانهم سيدرسون الامر مع السلطات السورية حتى ولو بأوقات فراغهم ؟
هل الاستعانة بالأنظمة الديكتاتورية والعقائدية امر مشروع لطرد الاستكبار العالمي الاميركي ، في حين يُسمح لهؤلاء المتنمرين بتلقي العلاج في ربوع اميركا اذا ما تعرضوا لعارض صحي ؟ او الهرب اليها في حال وقوع خطأ ما في حسابات بلدانهم مستغلين الديمقراطية الغربية التي يحاربونها ومستغلين شرعة حقوق الانسان التي غابت من قاموسهم . واني اسأل الجميع : لماذا لا يسحب هؤلاء المعادين لأميركا عائلاتهم واولادهم وارصدتهم وتجاراتهم من اميركا ووضعها  في طهران للتصدي والمقاومة ومقارعة الاستكبار ؟
لماذا لا يستبدلون الدواء الاميركي بالدواء الايراني والسوري والروسي ؟ كما استبدلوا ربطة العنق الغربية بالقبة الفارسية ؟
اخي القارئ
انا لا اعطي الحق لإسرائيل ابدا باستباحة المجال الجوي اللبناني ، ولا اعطي الحق لأي كان باستباحة الارض وانتهاك حرمة الحدود ، بل رغبت بإعطاء صورة الواقع الذي نعيشه في ظل هذه المعادلة غير المنصفة .
هذا التعامل اللامنطقي اوصل البلاد والعباد والمنطق الى ما هم عليه الآن ، ونرى صورة المستقبل واضحة بالأحداث التي نشهدها في الشمال اللبناني وآخرها استشهاد مصور تلفزيون الجديد علي شعبان على يد الجيش السوري .
اما الكيل بمكيالين داخليا فهو في منحى اخطر واشد قسوة اجتماعيا وسياسيا وتفرقة حزبية حتى دينية .ان محاولة اغتيال الدكتور سمير جعجع اظهرت مدى تواطئ بعض اصحاب السلطة وخاصة في مجلس الوزراء . اننا ندين بشدة هذه المحاولة  ولكننا ندين اكثر محاولات طمس الحقيقة وعرقلة مسار التحقيق باختلاق الحجج حول قانونية تسليم "داتا" الاتصالات . اقول لكم ايها السادة : لماذا لدينا داتا اتصالات ؟ولماذا نتعب ونجد في استيراد مثل هذه التقنية ؟ اليست لحماية السلم الاهلي في لبنان ؟ ام انها رهن فئة من الناس دون اخرى ؟ واقول بكل صراحة ، لو ان المستهدف من 8 آذار ،فهل تأخذ داتا الاتصالات وقتا لتصل الى آخر شاويش في التحقيق ؟ ان اظهار الحقيقة امام الرأي العام اللبناني صعب في هذا الوطن المعقد  والذي اصبحت فيه الحقيقة مسيسة ومجزأة .
اما في ملف التعامل مع اسرائيل الذي اضحى اضحوكة اللبنانيين على مختلف انتماءاتهم ، فلا اريد الغوص اكثر بل اناشد كل عملاء اسرائيل في لبنان ان يلتحقوا الآن بالتيار العوني – ولا اريد ان اقول التيار الوطني الحر  لأنه فعلا فقد شرعيته الوطنية ، واصبح حرا في الولاء والتبعية – ليلتحقوا الآن قبل الغد ليضمنوا محاكمة سريعة وسهلة ، وخروجا مشرفا من السجن في حال وقعوا في شرك الدولة ، وانا على يقين بأنهم ربما سيصلون الى الندوة النيابية اذا كانوا على تعامل رفيع المستوى مع اسرائيل .
اما ملف تسليم السوريين النازحين الى السلطات السورية ، فأقل ما يمكن عمله هو احالة المسؤولين على القضاء المختص ، لأن من يسلم لاجئا هاربا من النظام السوري ، كأنه اشترك في عملية اعدامه ، ومن يروج للنظام ويسهر على بقائه كمن يسهل عملية اعدام الشعب بكامله وعلى الشعب السوري الكريم ان يقول كلمته بهم لاحقا .
اخي القارئ
ازاء هذه المعطيات وهذه التقلبات فان بقاء الوطن يبقى رهن قياداته وخياراتهم ورهن ضميرهم ومسؤوليتهم التاريخية . فإما ان يبادروا الى تحصين الساحة الداخلية فعلا لا قولا لمنع امتداد نتائج الثورة السورية الى لبنان ، وذلك بإعلان مشترك باسم الجميع بان لبنان وطن نهائي لكل ابنائه وهو يتسع للجميع على حد سواء ضمن اللعبة الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان ، واما ان يعدّوا العدة لأزمة حقيقية تفوق الحرب الأهلية تأكل "الطائف "، وتعيد التماس محليا واقليميا .


السبت، 7 أبريل 2012

القمة العربية "نقمة ام نعمة "

ومرة اخرى يفشل القادة العرب في اتخاذ موقف موحد تجاه القضية السورية ، ومرة اخرى يفشل القادة العرب في الظهور بمظهر القادة المسؤولين تجاه شعوبهم . ومرة اخرى تذكرنا القمم العربية الحالية بتلك التي كانت تعقد بعد كل نكسة وكل هزيمة ، تلك القمم ولآتها المشهورة تتكرر اليوم بآهاتها :
آه من التضامن العربي                                                                   
آه من الشعب العربي
آه من المجتمع الدولي
اخي القارئ
آه من التضامن العربي الذي اصبح تضامنا استنسابيا وفق مصلحة كل دولة ، بل وفق مصلحة الطوائف وفي بعض الاحيان مصلحة القبائل ، ولعل هذا التضامن كان السبب الرئيسي في تداعي قوة الوحدة العربية ، من حيث استعماله في ضرب  بعض الدول ، وفي ابعاد اخرى ، وفي دعم ما تبقى اذا بقي ما يلزم .
ان التضامن العربي الحقيقي يجب الاّ يتوقف على الدعم المعنوي او المادي كما جرت العادة ، بل يجب ان يتخطى كل هذه القرارات التي اصبحت شكليات معروفة محليا ودوليا ليقفز الى نوعية التضامن الفكري والحضاري بترجمة استراتيجية ضمن خطط مدروسة جيدا، لتصبح تضامنا في فهم العقول العربية وفهم الجماهير في تطلعاتها وابراز ثقافة التنوع الاجتماعي وثقافة الديمقراطية وتداور السلطات .هذا هو التضامن المطلوب الذي يهيئ لأرضية صالحة للحرية والمساواة وحقوق الانسان والاتجاه لأنهاء دور الانظمة العقائدية ذات الراس الواحد بطرق سلمية لا ترتكز على الثورات ولا الحروب ولا الاستعانة بالخارج . للأسف ان التضامن العربي حاليا اصبح داء الوطن العربي كله ، ونراه في القمم كأنشودة الوقوف على الاطلال في استذكار قادة وترحم على انظمة والخوف من الآتي :
قفا نبكي من ذكرى حبيب ومــــنزلِ       ما بين القاهرة وصنعاء حتى الموصلِ
ذرفنا الدمع على القدس واليوم على        انظمة هـوت واخـرى بالدور سترحـلِ

الم يحن الوقت لتغيير ما بأنماط القمم العربية ؟
الم يحن الوقت لوضع مبادئ واسس تقوم عليها القمة علّها تحاكي التطور الفكري والحضاري للشباب العربي ؟
الم يحن الوقت لجعل الجامعة العربية مؤسسة لها قانونها وشروطها ؟
لا اتكلم عن مدينة فاضلة ولا عن ملائكة معصومين ، بل اتكلم بكل بساطة ووضوح: لما لا نجعل بعض الشروط في القمة كما ولو كانت دستورا او قانونا يُطبق في كل بلد منتمي الى الجامعة؟ اي بمعنى آخر لتضع الجامعة العربية شروط انتساب عصرية :
احترام اختيار الشعوب لأنظمة حكمها بالطرق الديمقراطية
لا وجود لأنظمة عقائدية ديكتاتورية في الجامعة العربية
لا وجود لأنظمة وراثية او وليدة الانقلابات العسكرية او ممدد لها تحت اية ظروف
السير بالأنظمة الملكية والاميرية باتجاه النظام الملكي الديمقراطي ضمن استفتاءات تُنظم تحت اشراف الجامعة العربية وبحضور مراقبين امميين .
تعدل القوانين المعمول بها بالدول الاعضاء لتتلاءم مع شروط الجامعة
يشكل مجلس جامعة عربية على مستوى قادة ورؤساء سابقين ممن نقلوا السلطة سلميا او ممن انتهت مدة ولايتهم بالطرق القانونية والدستورية ، ويتمتع هذا المجلس بصفة مراقب عام للقمم العربية واعطائه صلاحيات يقرها القادة العرب.
عزيزي القارئ
هذه بعض النماذج التي يمكننا البناء عليها بعد دراستها وتنقيحها بالطبع مع اهل الخبرة والعلم والقانون ، وما جئت بهذه الافكار البسيطة الا من باب الحث على التغيير ووضع اللمسة عليها ، علّها تسلك الطريق وتصل الى القاهرة .
اننا لا نقل شأنا ابدا عن اوروبا ولا عن انظمة ديمقراطية في العالم ، بل تنقصنا الجرأة لاتخاذ القرارات الشجاعة ،بل تنقصنا بحق جرأة احد القادة او اكثر وذلك للإعلان على الملأ عن نية الجامعة العربية ان تسير في معادلة الديمقراطية والحرية وكرامة الانسان العربي والسهر على حقوقه وتطلعاته وطموحاته .
ان الفيتو الروسي في مجلس الامن الدولي ضد قرار اممي يدين العنف في سوريا هو اذلال للعرب وقادتهم بالقدر الذي اراد منه الروس تذكير الاميركيين بانهم اي الروس لا يزالون قوة عظمى ، وانهم قادرون على اتخاذ قرارات من شأنها ان تضع حدا للسيطرة الغربية على مجلس الامن حسب الرأي الروسي .ولكن الاهم من ذلك ان هذا الفيتو جاء ردا على محاولات القادة العرب وقف حمام الدم في بلاد الشام وايجاد الطريقة المناسبة لأنهاء حكم الاسد ، وقد جاء أيضا ضد الاجماع الشعبي العربي وضد تطلعات شعوب المنطقة باختتام الربيع العربي بإنهاء آخر معقل عقائدي وحكم ديكتاتوري وراثي .ان روسيا اذلّت العرب كلهم قبل ان تضرب بعرض الحائط مصالح الشعب السوري وتطلعاته نحو الديمقراطية والحرية ، وان نجاحها في ذلك جاء نتيجة السكوت الاميركي للدلالة على الرضا من هذا الموقف لأن سوريا ونظامها لا يمثلان الآن اي بعد استراتيجي او قومي لأميركا ولا اي بعد اقتصادي لها او للأوروبيين كما كان الوضع في العراق او ليبيا او اليمن .من هنا رأينا ان الفيتو الروسي "والصيني تحصيل حاصل " لم يجابه بهجمة اميركية شرسة لأبطاله او لثني روسيا على تغييره ، وذلك نزولا عند الرغبة الاسرائيلية بإبطاء عملية الضغط على النظام حتى تنجلي صورة البديل المحتمل له، وبعد اجراء بعض الحسابات حول ايجابيات بقاء النظام الحالي بالمحافظة على هدوء الجبهة الشمالية مع بعض التحفظات عليه بسبب دعمه لحزب الله في لبنان .
ازاء هذه المواقف كان لا بد للقادة العرب من اتخاذ موقف صارم وحاد تجاه روسيا ،وان رد الملك السعودي على الرئيس الروسي ومطالبته بالتحدث مع العرب قبل الفيتو وليس بعده لم يكن كافيا ، بل كان يجب قطع العلاقات الديبلوماسية ووضع روسيا في مواجهة العرب وجها لوجه ، اما القبول بما يراه العرب ومجمعون عليه واما القطيعة الشاملة والكاملة . واني اتساءل : ماذا يخسر العرب من قطع العلاقات مع روسيا ؟ أسيخسرون الاستثمارات الروسية في البلدان العربية ؟ ام شريكا تجاريا مهما ؟ ام ،،ام ،،
ان الوضع الحالي شبيه جدا بالوضع الذي ساد ابّان حرب 1973 حين قرر الملك فيصل " رحمه الله " قطع امدادات النفط عن الغرب وخاصة اميركا نتيجة موقفها الداعم لإسرائيل . فلماذا لا يتخذ القادة العرب موقفا مشابها بموقف السعودية السالف الذكر ووقف كل اتصال مع روسيا حتى تغيّر موقفها؟
اما بالنسبة الى لبنان وسياسة النأي بالنفس ، هذه البدعة المضحكة والتي تدعو الى السخرية اكثر منها الى التعجب ، هذا النأي بالنفس الذي يفرضه الفريق الحاكم في لبنان " حزب الله واعوانه" على فريق 14 آذار وعلى كل مناوئ للنظام السوري ، في حين يُسمح لفريق 8 آذار بل يُطلب منه ابداء التأييد والتطبيل لصالح النظام السوري . ان كل ملاحظة او كل موقف يصدر عن قوى 14 آذار يعتبر تدخلا في الشؤون السورية وخروجا عن سياسة النأي بالنفس ، بينما المواقف الاخرى المؤيدة لسوريا توضع في خانة المصالح القومية العليا للبنان وبالتالي لكلا البلدين حتى ولو جاءت من اسرائيل.
نعم ، وبين الفينة والاخرى يُتحفنا بعض الساسة اللبنانيين بمواقف اقلّ ما يقال فيها " لله العجب "وآخرها تلك التي علت مؤخرا معلنة انتهاء المؤامرة على سوريا وان معركة تدميرها قد انتهت وان سوريا في طريق العودة الى مسارها القومي في قيادة الصمود والتصدي والعودة للممارسة دورها الريادي للأمة العربية .
اخي القاريء
لا بد من سؤال بكل بساطة: ما هو الدور الذي لعبه النظام السوري على مدى خمسة عقود من الزمن ؟ وما هو الفارق الذي احدثه هذا النظام على الصعيد الاقليمي والدولي ؟
اولا : لقد جاء النظام السوري بعد هزيمة 1967 مدعيا بانه الوحيد الذي يمكنه اعادة الكرامة العربية ومحو آثار العدوان .
ثانيا :حرب 1973 " حرب تشرين المجيدة " كما يدعي النظام ، ولولا العناية الاهية والتدخل السوفياتي لدى واشنطن لدخلت القوات الاسرائيلية دمشق .
ثالثا :دخلت القوات السورية الى لبنان تحت غطاء المساعدة وما لبثت ان انقلبت الى قوة احتلال ووضعت لبنان تحت الحكم العسكري المباشر من غازي كنعان والكنعانيين الى رستم غزالي والغزاليين حتى انهاء هذا الاحتلال وخروجه مرغما تحت الضغط الدولي وعلى دم الرئيس الحريري عام 2005 .
رابعا :اجتاحت اسرائيل لبنان عام 1982 ودخلت العاصمة بيروت لتكون بذلك اول عاصمة عربية يدخلها الجيش الاسرائيلي . ماذا فعلت القوات السورية لصد هذا الهجوم ؟ لا اريد اجابة من احد ولا يتكبدنّ احد الغوص لفبركة معارك ومقاومة وانتصارات ، فقد اشتركتُ شخصيا في هذا الهجوم وخاصة على محور وادي التيم ولا اريد العودة الى سرد الاحداث وما شاهدتُ بأم العين ، ولولا تدخل الحبيب "فيليب حبيب " لوصلت القوات الى مشارف دمشق من باب "المصنع " اي الجبهة الغربية . بعد ذلك طُرِدتْ منظمة التحرير من بيرت الغربية وخرج السيد ياسر عرفات ورجاله منها على مرأى من عيون الجيش السوري الذي سرعان ما اكمل المهمة الاسرائيلية واجهز على عرفات والمنظمة بطردهم ثانية من طرابلس في شمالي لبنان الى تونس .
خامسا :لقد دعم النظام السوري حزب الله في لبنان تحت شعار دعم المقاومة على حساب الجيش اللبناني الشرعي ومن ثمّ دعم الحزب بعد عام 2000 على حساب الدولة ومؤسساتها ، والهدف هو السيطرة على لبنان وترسيخ النفوذ السوري الايراني المشترك على هذا البلد ولجعله ساحة حرب "غب الطلب" للضغط على اسرائيل ولابتزاز اميركا . فاين هو الدور السوري الحامي للبنان ؟ .
اخي القارئ
 عدة مواقف للنظام السوري طبعت سياسته العامة في الشرق الاوسط  :
أ – لقد حافظ على هدوء الجبهة الشمالية لإسرائيل بشكل اذهل الإسرائيليين انفسهم
ب- احتل لبنان لثلاثة عقود كاملة، باستعمار جديد تحت اسم "الوصاية "
ت-اجهز عسكريا وبشكل كامل على منظمة التحرير الفلسطينية واخرجها من نطاق الجغرافيا الاسرائيلية .
ج – عمل ولا زال يعمل على تثبيت انقسام البيت الفلسطيني.
ح- عمل جاهدا على زعزعة الاستقرار العربي الشامل ولا سيما بعد اتفاقات كامب  ديفيد تحت شعار الصمود والتصدي .
د- قمع الحريات في الداخل والضرب بيد من حديد على كل محاولة للتطلع الى الحرية والديمقراطية ( أحداث حماه عام 1982 والاحداث الجارية الآن ) .
موقف واحد فقط يمكن ان نقول فيه انه من ضمن التضامن العربي والغيرة على المصلحة العربية وهو وقوف النظام السوري الى جانب تحرير الكويت من الاحتلال العراقي ( وبالطبع كان لبنان الثمن ).
اخي القارئ
منذ عام 1970 وحتى الآن لم يستطع النظام السوري استرجاع شبر واحد من هضبة الجولان لا في الحرب ولا في السلم. فلماذا الاصرار على بقائه ؟ الم يأخذ وقته كاملا في الحكم وادارة البلاد والعباد ؟ الم تكفيه اربعون سنة للاستعداد للمعركة المصيرية ضد العدو ؟ لماذا لا نترك المجال لنظام آخر يختاره الشعب السوري بحرية ؟
نعم ، آن الاوان للساسة اللبنانيين ان يُهدئوا السنتهم قليلا ويريحوا مسامع الشعب اللبناني من هذه النغمة التي اكلها الصدأ ولم تعد تُقنع الا ذوي العقول الصغيرة .وآن الاوان لأتباع النظام السوري في لبنان ان يدركوا بأن الانظمة العقائدية والديكتاتورية آيلة للزوال لا محالة .

                                

الثلاثاء، 27 مارس 2012

لعنة الزعامة


رجلان حكيمان تعبا من الحكمة وثِقَل الوعي ، وسئما من رؤية صفاء الحقيقة وعدالة الاقدار . قررا الخروج الى عالم اكثر مغامرة واقل مداراة ، عالم لا ينقصه كمال ولا يحدّه خيال ، عالم يئسَ منه الملل وأمِلَ ان لا يجده اليأس . خرجا الى طبيعةٍ لا طبع فيها ولا تطبُّع , الى مجتمعٍ لا جماعات فيه ولا افرادا ، وتجولا في ربوع جنة الخلد آملين بموت يخلدهما .
جلسا على رابية مطلة على بلدة كانا قد مرّا بها منذ فترة ، وقد تركت في نفسيهما اثرا عميقا من الألم والحسرة لما لقيا فيها من تباعد وتخاصم ونفور بين مختلف فئات سكانها ، ولِمَا ابدوه من لامبالاة ليس فقط حيال مستقبلهم ومستقبل اجيالهم بل اكثر من ذلك على ما ابدوه من سوء تقدير وتدبير لوجودهم بالذات .
قال احد الحكماء : ليلعن الله هذه البلدة ويصيبها بمرض عضال ليلقى اهلها حتفهم لأنهم غير جديرين بالحياة كما يجب ، فان المجتمعات التي لا تحترم الحياة ولا تحميها ولا تقدس حقوق الانسان كشرع الهي ، لا مجال لها بالحياة ولا تستحق عناء البقاء. ضحك رفيقه وقال : لا ،، لا تقل ذلك ربما يوجد بين اهلها من يستحق الحياة والبقاء وحسن الطالع فلا تخلط الحابل بالنابل ، ولكني انصحك بان تطلب من الله ان ينعم عليهم بأكثر من زعيم . التفت اليه صاحبه متعجبا : أترى ذلك ؟ وهل في ذلك ما يفي الغرض ؟ قال له اسمع يا رفيقي : ان اشد سوءاً تطلبه لأمة هو تعدد الزعامات فيها ، فلا امة عظيمة تستطيع السير قدما وفيها زعماء خاصة ان كانت غالبيتهم عجزة لا يستطيعون الحراك ويكثرون الكلام وفعلهم ما قل وأثمر . ضحكا معا وقالا: اللهم ابعد عن بلدتنا الزعماء واتقنا شر خلافهم بل اتقنا شر تعاونهم. آمين .
اخي القارئ
لقد لعنت الآلهة لبنان وكفرت به واهدته زعماءً وزعماء حتى امتلأت بهم الارض احياء وامواتا . ولكنها بئر لا تنضب ولا تجف ، انه استنساخ ، وصدق من قال " كل مين حد المير مير " ، فالزعيم عندنا زعيم ، وابنه زعيم ، واخوه زعيم ، وسائقه ومدبر منزله ، وحارسه الشخصي وحارس مزرعته وكل من يقربه ويمت اليه بصلة ، كلهم زعماء بزعماء ، ولا مجال لمقارعة من اخرج الأمثال من بطون السنين ومتاحف الأقدار .
ان الزعماء يأتون من عصارة التضحيات ومن آلام المحتاجين ، يأتون من مدرسة الوطن لأنماء الوطن ، يأتون من بقايا المجتمع لبعثه من جديد ، يحتضنهم الشعب ويتشعب حولهم لينمون ويزدهرون ، يأتون من باطن الامة ، تفرزهم وتُكبِّرهم وتدعمهم ليدعموا بدورهم تلك الامة او ذلك المجتمع الذي تبناهم واتخذهم قدوة . للأسف ، صديقي القارئ ، لقد اصبحنا في زعامة تلد زعيما وتُخرِج له من بطن الامة الكبيرة امة خاصة به تدعمه بدورها وتُكبّره ليكبر من جديد وليفرز لاحقا منه زعيما آخر وجسما آخرا من باطن الامة الام . وهكذا دواليك ، تمر السنين وتعدو ونجد انفسنا في حضرة زعماء كثر وامم اكثر تناسلت من امة واحدة وتنازعت وكبرت فيما بينها النزاعات والخصومات والتحالفات والتفاهمات  وكلها على حساب الحضن الاساس الذي انجب الجميع وهو الوطن .
ايها اللبنانيون ، ايتها الامة المشرذمة المهشمة المفعمة بالفساد والانحطاط السياسي والوطني . ايتها الامة التي عقرت ( اي امة عاقر ) بعد فخر الدين وبشير وجبران ونعيمة ، بعد ، وبعد ،،اسماء لا تحصى بقلم ولا بورقة بل بتاريخ كامل وطويل اللهم اذا لم يأتِ احدهم ، زعيما من هنا وزعيما من هناك ليكتب تاريخا على هواه وحسب نهجه السياسي واصله المذهبي .
ايها اللبنانيون، ايها المجتمع المفكك المتناحر السائر نحو الهاوية ونحو النهاية بل انتم سائرون الى اللانهاية ، فلا نهاية لمن لا وجود له وانتم الآن سرابا من حقيقة وخبرا من كان .
لقد آلمتني كثيرا قصة كتاب التاريخ ، وآلمني اكثر تصرف السياسيين الزعماء وكأنهم من صَنع هذا التاريخ وبكل وقاحة يناظرون ويفقهون ويأمرون بإضافة هذا وحذف ذاك ، وغالبيتهم لا يفقه بالقراءة شيئا وان قرأ لا يفهم ولا يُفهِم وان فهِمَ يفهم حسْبَ ما يُرادُ له ان يفهم ، وكأنّ التاريخ عندهم فن من فنون الطبخ ونسوا ان التاريخ يُصنع ولا يُطبخ ، يُدرّس ويُحفظ ولا يعلّب ويجفّف .لكن ما آلمني اكثر من كل ذلك هو الشباب اللبناني الذي حمل راية التصدي للّعبِ بالتاريخ وهو بنفسه يركب اغلاطَ من يريد اللعب بالتاريخ .
ايها الطلاب ، اتوجه اليكم لأنكم انتم من سيدرس وسيدرّس هذا التاريخ ، اتوجه اليكم حزينا كئيبا بعد ما سمعت منكم عبر الشاشات والصحف وتأكدت بان آفة الزعامة ما زالت حية فيكم وترزق ولمست انجراركم نحو العصبية وعدم المرونة .
نحن لا ننكر على احد ما انجزَ ، ولسنا بصدد نكران الحقيقة ونحن لا نخاف الحقيقة ابدا بل نخاف عليها من الضياع . لا ننكر مقاومتكم في تل الزعتر ولا الكرنتينا ولا ننسى ابدا مقاومتكم في زحلة وشرق صيدا . لا ننكر عليكم ايضا انتم شركاؤنا في الوطن مقاومتكم للتدخل السوري في صوفر وبحمدون ولا ننسى تفانيكم بالدفاع عن جبلكم . لا ننكر عليكم انتم ايضا اخوتنا في الوطن تضحياتكم ومقاومتكم ضد الوصاية ودفع ثورة الارز الى الامام حتى خروج المحتل السوري. لا ننكر ابدا مقاومتكم انتم ايضا رفاقنا واخوتنا وشركائنا في الوطن ضد الاحتلال الاسرائيلي في الجنوب حتى خروجه نهائيا . لا احد ينكر مقاومة اللبنانيين على مختلف ميولهم  وفي مختلف المناطق اللبنانية . لا احد ينكر ولا احد يتنكر فإننا نحترم الخيارات والمسارات سواء كانت سلبية ام ايجابية فكل جهة آمنت بشيء وسارت فيه وهذا هو لبنان التعددية والحرية واحترام الخصوصية. ان الذي اجبرني على التوقف هو ما ادمى ضميري وضمير الجنوبين كافة ، هو نكران الحقيقة تجاه مواطنين شركاء لكم ايضا في الوطن . كم حزنت حين سمعت شبابا كنا بالأمس القريب نعتبرهم من اركان البيت . شباب ، طلاب يطالبون بتاريخ خاص بهم شأنهم شأن الآخرين الذين يعتبرون انفسهم اعداء لنا واننا لسنا بشركاء معهم . جميعكم تطالبون بتاريخكم دون التطرق الى الجنوب بكلمة واحدة . اقول لكم ايها الاعزاء : اذا كنتم تريدون تاريخا حقيقيا فعليكم البدء من عندنا لأن التاريخ المعاصر بدأ من الجنوب .
نحن اول مقاومة عرفها لبنان ضد الوجود الفلسطيني المسلح .نحن اول من ابتكر ونفذ " انصار الجيش " لحماية الدولة ومؤسساتها . نحن من بدأ في محاربة من تدركون جيدا انكم في طريق محاربته عاجلا ام آجلا . نحن اول من تصدى لكل من كان يريد المس بالدولة . نحن من ينشر غسيلكم ليجف ويلبسه ثانية بدلا عنكم وانتم تتلهون في فبركة تاريخ بعيدون كل البعد عنه ومشاركتكم فيه شبه معدومة . ان من يريد كتابة تاريخ اصيل عليه ان يعرفه قبل ان يكتبه . عتبي على جيل ظنّ انه قادر على أحداث تغيير واذ به بحاجة الى تصليح وتصحيح ومعرفة تاريخه القريب والبعيد . اقول لكم بصراحة ، اذا كنا نحن الجنوبيين وخاصة الجيش الجنوبي اصدقاءً لكم ، فلماذا تنكرون علينا وعلى الاجيال الصاعدة تاريخا حافلا بالأحداث التي غيرت مجرى التاريخ اللبناني ، واذا كنا اعداءً لكم فعليكم دراسة تاريخنا " تاريخ عدوكم " لمعرفة كل خباياه وكل ثغراته لكسب المعركة ضده ، فبكلا الحالتين وجب عليكم دراسة تاريخنا الذي هو بكل فخر تاريخ من تاريخ لبنان العظيم .
اسمحوا لي ان اعود قليلا بالذاكرة لأذكّر من نسي ، انني مواطن جنوبي حاربت منذ اتفاق القاهرة الى جانب الدولة والجيش ضد المد الفلسطيني المسلح الذي احتل ارضي وصادر قراري ، فاين كنتم ؟
بعد فرط عقد الدولة تحالفت مع الاقرب اليّ جغرافيّا اسوة بمن في الشمال والشرق ، تحالفت مع اسرائيل لمصلحة مشتركة وهي الحفاظ على الارض والعرض لحين عودة الدولة ، وانخرطت بالجيش الجنوبي وحاربت كل من كان يعتبرني عدوا له ، حاربت حزب الله من باب الرفض لاستراتيجيته وخططه ضمن افق ولاية الفقيه التي احترمها في ديارها والدولة الاسلامية التي لا تناسب تطلعاتي في الديمقراطية والحرية والمساواة ، وليس من باب عدم قبوله كشريك في الوطن ، فاين كنتم ؟
والسؤال:
هل هذا تاريخ ام لا ؟ وهل اربع وعشرون سنة من الحرب في الجنوب لا تمثل تاريخا ؟ هل تريدون حذف هذا التاريخ من التداول بسبب تحالفنا مع اسرائيل ومحو سيرة شعب وجيش اتحدا معا طيلة هذه الفترة ؟ وهل نكران هذا التاريخ بسبب احتلال إسرائيل للجنوب ؟ لماذا ندرس تاريخنا مع فرنسا ؟ الم تكن محتلة لأرضنا ؟ ماذا تطلقون على علاقاتكم وتحالفاتكم وتفاهماتكم وولاءكم لسوريا او ايران او السعودية ام مصر ، هل هي تاريخ ام تعامل ؟  وهل علاقتنا مع اسرائيل هي من باب علم الاجتماع ؟ ام الجغرافيا والعلوم عند العرب ؟ انه تاريخ يا ابناء وطني ، تاريخ مجيد ومشرف بُنيَ على اسس وطنية لحماية الشعب والجيش والدولة ، في الوقت الذي كان فيه حكم الوصاية وما بعده بالعاً الدولة والجيش والشعب .
 توحدوا على رؤية واحدة ولا تدعوا لعنة الزعماء والزعامة تلاحقكم لا في مدارسكم و معاهدكم ولا في تاريخكم. ان هذا التاريخ هو ملك لكل واحد منكم فأحفظوه جيدا ولا تنكروه .
اعزائي ابناء وطني
اينما ذهبتم واينما كنتم فانتم لبنانيون ،ولا شيء في الدنيا يمكنه ان يغير ذلك .انت لبناني في كندا وفي البرازيل حتى ولو ازيلت بعض المقاطع من تاريخك . انت لبناني في افريقيا واوروبا حتى ولو اضيفت بعض المقاطع على تاريخك ، ولكنك لن تكون لبنانيا ابدا بدون تاريخ ، تاريخ حقيقي تتسلح به لتعلن عن هويتك بالفخر والاعتزاز ، ولن تكون لبنانيا صالحا على قدر المسؤولية في المجتمع الذي تعيش فيه حين تنكر تاريخك الاصلي او تحرِّفه .اقول لكم وانتم في شتى انحاء العالم اشهروا تاريخكم ولا تتنكروا له ، افتخروا بما عملتم وعمل آباؤكم من قبلكم ، وانتم ايها اللبنانيون في اسرائيل : لا تدعوا لعنة السياسة اللبنانية تتبعكم فيكفي ما تحملتموه من ظلم وجور بحقكم وحق اولادكم . لا تدعوا السياسة اللبنانية تفرقكم عن بعضكم ، لا تسمحوا لأنفسكم او لأولادكم بالانجرار وراء سراب الزعماء اللبنانيين ، اشرحوا لهم وافهموهم من انتم واخبروهم الحقيقة بانكم كبش المحرقة للجميع ، فلا هذا افضل من ذاك لنا ،فنحن واحد بالنسبة لهم : همٌّ وزال ، حمل وازيح عنهم وكل ما يقولوه هو ملح الرجال . استغلّوا كل فرصة ممكنة لتعليمهم وارشادهم واشباعهم ديمقراطية حقيقية غير مزورة وموجهة . ان الذي بين أيديكم في اسرائيل غير متوفر لغيركم في اي مكان في العالم ، حتى ان الذين في لبنان يحسدونكم على ما انتم عليه وفيه . ارحموا انفسكم واهتموا بعائلاتكم فهذه رسالة من ضحوا تجاهكم وهذه رسالتي لكم : لن نكون ابدا نسخة عن سياسيينا ولن نسير في ركب من خاننا وانكر علينا حقنا ، سنكون دائما كما كنا ابناء الجنوب الحبيب المعطاء ، ابناء الجنوب المخلصين ، ابناء الجيش الجنوبي ، ابناء آلاف الشهداء والجرحى سنكون كما عرفنا العالم " اللبنانيون الحقيقيون " .

الخميس، 8 مارس 2012

حقيقة بلا تاريخ

التاريخ ، ذاكرة الشعوب ومرآة الامم ، حكمة الماضي وصلابة الحاضر وامل المستقبل . التاريخ ، صفحات من مواقف ومواقف غيرت صفحات ، التاريخ تحقيق وتدقيق وتوثيق ، انه سيرة ابطال وشجاعة رجال . التاريخ حماية الحقيقة واعتراف بالخطأ ، انه مدرسة الاجيال ومؤسس الآمال ، فالتاريخ وطن لمن اضاع وطنا ، ولا وطن لمن اضاع التاريخ .
ما من شك ابدا بان التاريخ الحقيقي والشفاف يقف من ورائه مؤرخ صادق وموثق حكيم يعرف الحق من الباطل ويميز الصدق من الكذب ، والاستقامة من الخداع، ولنا نعم المؤرخين في هذا المجال برعوا في كتابة تاريخ مشرّف لهذا الوطن الصغير الذي ملأ التاريخ بل ان التاريخ قد فاض من أحداثه ووقائعه . نعم لقد منّ الله علينا بسبعة عشرة طائفة و بسبعة عشرة تاريخا ، فكل واحد منهم مميزا وله نكهته الخاصة له رجاله وله اخصامه ، له كتبه ومدارسه ، له مؤرخوه وله قراؤه .
عزيزي القاريء
كلنا قبلنا بالتاريخ وكلنا درسْناه ودرّسْناه في مدارسنا وفي كلياتنا وجامعاتنا ، وكنا ولم نزل على توافق تام بان هذا التاريخ هو تاريخ لبنان، هو تاريخنا بكل ما تخلله من ثغرات ومن تحفظات هنا وهناك ، ولنا الفخر كل الفخر بهذا التاريخ على مختلف طوائفنا ومذاهبنا، فيه عرفنا الصديق من العدو ، والغريب من القريب ،منه استقينا الاندفاع نحو المستقبل واليه نعود لنأخذ العبر والحكم ، ولكننا الآن لا نرضى ابدا بأية تحويلات في مساره ولم نقبل بمزايدة احد على الآخر طائفة كانت ام مذهبا ام جماعة او اشخاصا . واذا كان احدهم اليوم في موقع القوة والسيطرة فهذا لا يعني انه يمكنه تغيير التاريخ الى ما يريد ويرغب ، ولا يمكنه ان ينسُب اليه ما يريده وينكر على الغير ما كان حقا له . ان تربية الاجيال الصاعدة هي مسؤولية الجميع وليست حكرا على حزب او جماعة وليس ما يراه (الحاكم بأمر الواقع) هو بالضرورة صحيحا ويمكن فرضه وان ادخال " المقاومة " في كتب التاريخ واستفرادها وحدها في هذا الباب لهو ضرب من التعسف والعنصرية والمذهبية والغاء الآخر. لا يمكن ذكر مقاومة ونكران اخرى ولا يمكن ذكر رجال دافعوا عن لبنان خاصتهم دون ذكر من سبقهم في الدفاع عن لبنان خاصتهم ايضا ولا يمكن توثيق مرحلة من عمر الوطن ونسيان اخرى ، فالتاريخ كامل وشامل ولا مجال للتجزئة فيه .
لن اعود الى الوراء كثيرا ، وسأبدأ من اتفاق القاهرة المشؤوم عام 1969 تاريخ بدء المقاومة اللبنانية الجنوبية الاولى ضد الوجود الفلسطيني المسلح هذه المقاومة التي انطلقت قبل اية مقاومة اخرى على الارض اللبنانية. نعم لقد كنا السباقين نحن الجنوبيون وكنا الاوائل في انتهاج نهج المقاومة المدنية السلمية اولا ثم المسلحة ثانيا بعد فشل الدولة في تحمل مسؤولياتها والدفاع عن ابنائها وحمايتهم ، ومن ثم جاءت مقاومة الامام المغيب موسى الصدر بوجه الفقر والذل والحرمان والسيطرة والتهميج فكانت حركة المحرومين ثورة في وجه الطغيان والاستبداد (الحكومي والفلسطيني على حد سواء ) .نعم صديقي القارئ ، كنا في الجنوب الاوائل وطلائع المقاومة الحقيقية التي اضاءت شموع المقاومات من بعدنا على كامل الاراضي اللبنانية . لقد كنا الشرارة الاولى والناقوس الاول الذي ايقظ اللبنانيين على واقعهم الحقيقي وبث فيهم روح الانتفاضة والمقاومة ضد من كان يريد ابتلاع الوطن وازالته .من ثورة علاقة في صور الى ثورة طانيوس شاهين في الشمال الى دولة فخر الدين وثورته على الحكم العثماني ، الى انطلياس وعاميتها ، الى بشامون وراشيا الوادي ، الى الاستقلال ، الى ثورة عام 1958، الى الحرب اللبنانية الفلسطينية ، الى الحرب الأهلية اللبنانية ، الى المقاومة الاسلامية ضد اسرائيل الى ثورة الأرز ضد الاحتلال السوري للبنان ، الى والى ... كلها تاريخ من تاريخ هذا الوطن وإلغاءها هو الغاء للوطن .
ان مسؤولية كتابة التاريخ "كتاب التاريخ " لا تقع على عاتق الحكومة اللبنانية او المجلس النيابي او وزارة التربية فقط ، بل تقع على عاتق كل مفكر وكل مؤرخ ومثقف محب للحقيقة  ومخلص لإنجاح مسيرة السلم الاهلي والتقدم والازدهار والبعد عن النزعة الطائفية والمذهبية ، فان اية كتابة غير منطقية وغير واقعية لتاريخ لبنان ،ما هي الا سببا مبيتا وشرارة مستترة غب الطلب للإشعال نار فتنة جديدة في هذا الاتون الجاهز .
اخي القاريء
لا الرابع عشر من آذار ولا الثامن من آذار ، ولا حزب ولا طائفة ولا اي تجمع سياسي او مذهبي له الحق في كتابة تاريخ مفصل على قياسه او على أيديولوجيته او على مبادئه وتطلعاته ، بل الحق لنا ، نحن اللبنانيون في قراءة تاريخ صادق حقيقي وشفاف بعيد كل البعد عن التحريف والتزييف . لذلك اتوجه باسم الكثير من اللبنانيين وخاصة الطلاب وجمعيات المجتمع المدني ، اتوجه بكل امل ورجاء الى كل من يعنيه الامر وخاصة الاساتذة الكبار " الدكتور خليفة ، والدكتور حكيّم ، والدكتور سنّو ، والدكتور حسن ، هؤلاء الذين اؤتمنوا على اغلى ما يجب ان يُحتفظ به ويحفظه ويعلمه وينقله كل لبناني الى الاجيال اللاحقة "التاريخ " ، اتوجه الى كل من له صلة او علاقة او تواصل في كتابة تاريخ لبنان ، اتوجه اليهم بكل احترام واقول :نريد منكم الحقيقية ، والحقيقة فقط ، نريد تاريخا اصيلا نريد الوقائع كما وقعت ، والاحداث كما حدثت ، نريد سرد الاسباب والنتائج كما كانت وكما اتت ، نريد الاحاطة بكل جوانب الحدث مهما كانت ذيوله ومهما ترتب عنه ، نريد الحدث كما هو مهما كثر المعجبون به او المنتقدون له نريد هذا التاريخ ليكون الذاكرة الجيدة التي نعتز بها ، نأخذ منها الجيد ونفخر به ، وندرس السيئ لنبتعد عنه ونتجنبه . نريد ان يقرأ اولادنا تاريخا منقطا ومنونا ومدونا لا يستثني احدا ولا يتجاهل احدا ولا يحط من قدر هذا ويرفع من قدر ذاك ،ولا يميز فردا ولا جماعة ولا حزبا ولا طائفة على حساب بعضها البعض . ان التاريخ يتسع للجميع ، لمن له الحق في دخوله ولمن كان له العلامة الفارقة في صنع القرار الايجابي والمهم ، ولمن كان له الفضل في التغيير الى الافضل ، كما ان التاريخ يتسع لمن عارض وسلك دربا مغايرا واقتنع بما كان يراه صحيحا فالأحداث لا تحدث الا اذا توفر لها طرفان على الاقل ، والتاريخ لا يُكتب باتجاه واحد ابدا ،نريد المشاركة من الجميع ولا نريد تاريخا الا للجميع .
واذا تعذر ....
واذا اصبح كل طرف يريد الاضاءات الملائمة له ، واذا اصبح كل طرف يريد اضافة ما يراه مناسبا له ، واذا اصبح الطرف القوي يريد الغاء الطرف الآخر بحكم السلطة الحاكمة ، واذا اصبح التاريخ يُطبع بطابع من يريد طبعه ، ارى ان نقف لحظة ونقرر الأقل سوءا ، والأقل كلفة وطنية ونقول : لا نريد كتاب تاريخ ولتذهب الحروف الى الجحيم ،نحن من صنع هذا التاريخ ولا نريد كتابته ، نحن تربينا على ذلك منذ القدم ، نحن من اخترع الابجدية وغيرنا حصد جائزة "نوبل" ، نحن من علّم الطب وغيرنا يداوينا ، فلماذا لا نترك الامور تسير على عادتها ، ربما عزيزي القاريء اذا كتب تاريخنا اجنبي وترجمناه نكون قد رضينا بما كتب هذا "الفيلسوف عن حمقنا " نقبل به ونرضى كما نحن عليه الآن راضون بكل ما يأتي من الخارج . نعم نقول هذا هو تاريخنا وانتبهوا نحن لم نكتبه فاذا عارضه معارض سيعارض من في الخارج واذا ايده مقتنع سيكون ايد من في الخارج ربما نكون في هذه الحالة قد تجنبنا حدثا او احداثا مؤلمة وهذه المرة من الداخل.
اخي القاريء
كما كنا نقول ايام الحرب عندما نريد الهرب من شيء ما نقول: هناك طابورا خامسا يلعب لعبته وبالتالي لعبنا كلنا تلك اللعبة . لنقول الآن ان هناك طابورا خامسا قد كتب التاريخ ولنلعب نفس اللعبة ونقبل به ونتبناه ، ولنجعل هذه الكوكبة من المؤرخين " طابورا خامسا" واقصد هنا طابورا جيدا وللصالح العام ، ونقبل ما سيكتبونه من تاريخ للتاريخ وبما اخرجوه من ذاكرة ضميرهم ووجدانهم وذمتهم وصدقهم واخلاقهم .
والا .....
لندع كل طائفة تكتب تاريخها كيفما تريد وكيفما ترتأي وتدرّسه لأبنائها بمدارسها الخاصة كما هو الحال الآن وليكون كتاب التاريخ اللبناني ،( تاريخ الطوائف اللبنانية )، ولنترك حرية اختيار اكثر من تاريخ للطالب نفسه  ، ولنترك طلابنا يفتشون عن الحقيقة بين كتب فاضت بما جادت علينا طوائفنا الكريمة .
اذا سُئل احد التلاميذ : ما هي اسباب الحرب اللبنانية ؟ اشرح وناقش .
ماذا سيكتب هذا الطالب ؟ اليس من البديهي ان يتوجه توجها طائفيا ؟ سيكتب ما تعلمه عن طائفته وعن مواقفها وعن معاركها وعن بطولاتها ، سيكتب عما سمعه من الواعظ او النائب او الوزير الممثل لطائفته ، سيكتب الماروني عن السني وسيكتب الشيعي عن المسيحي والدرزي عن الارمني وسيحمل المسؤولية للآخرين وهكذا يدور الكل في دوامة التهمة والتهمة المضادة ، والسؤال الاهم : اذا كتب الطالب كتابة موضوعية وحقيقية ولكن الجواب لم يلائم الاستاذ المصحح ولم يأت على هواه السياسي او الطائفي ، فعلى اية علامة سيحصل هذا الطالب ؟
ان من قام بصنع الاحداث السابقة وشارك فيها ولم يكن مباليا بنتائجها وغير خائف منها او من تداعياتها ، فلماذا يخاف الآن مما صنعت يداه ؟ أيخاف من لعنة التاريخ ؟ ام يخاف من كشف الحقيقة ؟
ان التاريخ لم ولن يغير شيئا في الحقيقة بل هو يوثقها ويثبتها لينقلها لأجيال لاحقة ، هذا التاريخ سواء كان مكتوبا او غير مكتوب لن يغير شيئا فالمواطن الصالح سيبقى صالحا ولو كُتب عنه انه عكس ذلك والسيئ سيبقى سيئا وغير مخلصا مهما حاول من كتابة تاريخ ولو بأحرف من ذهب . ان الحقيقة تبقى بتاريخ او بدون تاريخ ، ولكن لا تاريخ يبقى بدون حقيقة .

الجمعة، 24 فبراير 2012

المتلاعبون بالعقول

منذ القدم ونظرية المؤامرة تأخذ حيزا كبيرا من اهتمام عامة الناس في المتابعة والتحليل والحديث عنها بكل ما تملكه من حدس وتبصر وفهم لهذه النظرية. قرون مرت ولم تزل ، ذات الكلمات وذات العبارات في نعت شيء ما لتشتيت الانتباه عن موضوع كان يُراد له ان يُستّر وان يُخبأ . لقد كانت وما زالت نظرية المؤامرة من انجع الطرق واسهلها في اقناع الناس بخط او بنظرية او بموقف ، ولعل الامعان في شرح النظرية وتفصيلها وتبسيطها هو الضرب الصحيح في المكان الصحيح لجعل الباطل حقا ، والكذب حقيقة والخطأ صحيحا .
كانت المؤامرات في العهد القديم تدور رحاها في قصور الملوك والقياصرة ، وكانت تدور غالبيتها حول خلافة هذا الملك او هذا القيصر وابعاد هذا وتقريب ذاك ، ولعل المحور الرئيسي لتلك المؤامرات كانت الخيانة " خاصة خيانة النساء " وهي السبيل الوحيد والاسرع لتغذية الفتنة قبل الخيانة الوطنية ، او خيانة الملك بإفشاء بعض الاسرار او المعلومات . اذا كانت نظرية المؤامرة تعتمد بالدرجة الاولى على " الخيانة" وما على صانع المؤامرة ومُنتِجها الا انتقاء الخيانة الملائمة لها والسير فيها . اضف الى ذلك ان التنفيذ يتطلب عنصرا على درجة محدودة من الذكاء وذلك ليسهل اقناعه اولا ومن ثم يأتي دوره لمساندتها والترويج لها ولتبنيها بمقولة " قيل وقالوا " . ان هذا العنصر يجب ان يكون ايضا من عامة البلاط الملكي اي من درجات الدنيا في السلم التراتبي للحاكم " الملك او القيصر او الزعيم او الرئيس " ، وهذا العامة "البلاطي " يمكنه ان يكون من العامة الشعبية اي انه يستطيع ان ينحدر وينزل الى مستوى الشعب العادي البسيط ليبذر وينشر تعاليم البلاط العلوي ويتابع العمل ليتأكد من نجاح الفكرة وليتأكد من زرعها في تربة صالحة ضمن ادمغة متحجرة فاقت القرون الوسطى حماقة وسذاجة . اننا نرى هذا المشهد كثيرا عندنا في لبنان وفي الشرق عامة ، خاصة لدى الأنظمة الديكتاتورية والاحزاب العقائدية حين يسخّرون حناجر عديدة لنشر ما يريدون وسط العامة من خلال المساواة المؤقتة بين الحاكم والمحكوم .
ان نجاح بث المؤامرة يتطلب العنصر الثالث بعد  التهمة ( الخيانة ) ، والمنفذ اي (رسول الحاكم او البلاط العلوي ) ، انه المصدر ، اي مصدر المؤامرة ،( الجهة المصدرة للمؤامرة ) ويجب ان تكون عالية وعلى مستوى البلاط الملكي فلا يجوز التكلم عن مؤامرة آتية من طبقة سفلى ، فهذه الطبقات لا يمكنها ان تحيك مؤامرات ولا احد يصدق انتاجها ،" تصور عزيزي القارئ ان يأتي احد نواب البلاط العلوي في لبنان او سوريا او العراق ويقول ان الصومال او مدغشقر او النيجر تهدد امننا وتتآمر على بلادنا ، ربما " سيلاحقونه بالبيض او البندورة " ولن يجد آذان صاغية ولكن ان ادعى ان المؤامرة آتية من فرنسا او بريطانيا او اميركا فهذا حديث آخر بالطبع وستأخذه الجماهير على محمل الجد .لذلك نرى ان المنتج للمؤامرة او المصدر هو عنصر اساسي ويجب ان يكون قويا وقاسيا وله القدرة على زرع الخوف والريبة وان يكون متوحشا لا يعرف الرحمة وهذا ضروري حتما للملمة صفوف العامة ورصّها وتجهيزها للوقوف في وجه عدو شرس وغاشم . ( لقد رأينا هذه الحالة في النظام الشيوعي حين كانت المؤامرة تتجه لتأليب الشعب على البلاط اي الحكام ، وكانت (الرأسمالية ) وكل من يقترب منها او يغازلها يعد خائنا ، في حين ان الغرب كان يعتبر ان مصالحه القومية هي هدف الانظمة الراديكالية وليس النظام لان الديمقراطية هي النظام نفسه " تداور الحكم " وان كل من يقترب من الشيوعية يعتبر فاقدا لشرعية المواطنة الصالحة ). ان بقاء هذه العناصر الثلاثة هو شرط لاستمرارية المؤامرات الواحدة تلى الاخرى  ، آلاف السنين وآلاف المؤامرات تنتهي الاولى لتظهر الثانية وهكذا حتى يومنا هذا فلا البلاط المُسيطِر تغير ولا تحضرت العامة ولا نضب نبع المؤامرات او تراجع ، وستبقى هذه النظرية قائمة الا في حالة واحدة وهي نضوج العامة وتقديرها لحاضرها وقدرتها على اخذ العبر من الماضي وعلى امكانية رؤية وفهم الخطوات الواجب اتخاذها من اجل غد افضل ، عندها تنتهي نظرية المؤامرة لأنها لم تعد قادرة على المرور او التسلل عبر ادمغة نُظفت من رواسب البلاط العلوي ومن ينابيع المؤامرات المزيفة .
لا اريد العودة الى الوراء كثيرا، فنحن نعرف الاوضاع التي سادت الوطن خلال السنوات الماضية ولكنني اريد الانطلاق من سبعينيات القرن الماضي عندما بدأت الحرب في لبنان على اساس نظريات المؤامرات المتعاقبة والمتتالية والتي حيكت على نفس طريقة مؤامرات البلاط الملكي والقيصري للقرون الوسطى ، ويؤسفني القول ونحن في عصر الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، يؤسفني القول اننا ما زلنا نستسلم لجاذبية المؤامرة وننقاد اليها بقوة ساحر ، وكم نعجب عندما نرى اناسا على قدر عالي من الثقافة والرقي يجلسون وينصتون بكل ما شُحنوا من هيبة التبعية والانجرار لمن يُركّبَ في عقولهم مؤامرة هو ليس بمقتنع بها . انهم القوم الذي يمثل الوقود لهذه المؤامرة ولاستمرارية ذاك الوقاد ، الهادي والمسيّر ، وضامن الآخرة المنشودة لهم ، مع العلم بان غالبيتهم على دراية ببطلان ادعاءاته وبأكاذيبه ، ولله العجب يقبلون ، ويسيرون ويؤيدون ويباركون . شعب أعمته الطائفية واثارته المذهبية ، وطعنَ بكل آداب المخاطبة والحوار وأخذ المؤامرة عنوانا ومضمونا ونتيجة .
ان تثبيت نظرية المؤامرة يتطلب جهدا كبيرا ونهجا مبرمجا ودقة متناهية لأكثر من حنجرة واكثر من ديوان ، وهذا يأخذنا الى اهمية اختيار المتكلم " الخطيب " الذي يلامس الجماهير بأنامل اللغة الحريرية اللطيفة ويوقظ فيهم حس الثورة للتصدي والصمود في وجه المتآمرين ، وهنا يلعب عنصر التشويق ( الانشائي والنفسي ) دورا بدفع المستمع الى المتابعة الدقيقة وحرصه المتناهي على سماع كل كلمة من امثولة التصدي وبالتالي تكمن بديهة وخاطر وحكمة الخطيب  في جعل المستمع متعطشا لسماع المزيد ولانتظار المزيد في مكان آخر وفي مرحلة اخرى وفي درس آخر . ولا بد ايضا من ذكر المشاركة الفعلية التي يُجرّ اليها المستمع ليؤَكدَ له انه صاحب البيت وانه المحرك الحقيقي في كشف المؤامرة اولا وفي التصدي لها ثانيا ، وهذه هي اهمية اللعب على وتر المساواة بين البلاط العلوي والطبقة السفلى ،( انها مساواة وهمية تنتهي بانتهاء الهدف منها ويعود كل الى موقعه) ،في المشاركة باكتشاف المرض " المؤامرة "، والمشاركة بإيجاد العلاج " الصمود والتصدي " ، والمشاركة في نشر تعاليم الصمود واسسه ومنافعه " الاستمرارية والمتابعة" وبذلك نرى ان الذين يحكمون بنظرية المؤامرة هم انفسهم من استوردها ومن سوقها ومن دعا  للتصدي لها .
منذ الثورة العربية الكبرى والمؤامرات تحاك لسلب العرب ما ليس بحوزتهم ، وهم يتصدون ليحموا ما ليس عندهم .  تصدوا لمؤامرة اقامة الدولة العبرية وهم من ساعد اليهود على اقامة هذه الدولة ، فكانت المؤامرة ان يبقوا في ارضهم وقراهم لإبادتهم فافشلوا هذه الفكرة عبر النزوح الى البلدان المجاورة للبدء بالتصدي ولا تزال هذه المؤامرة سارية المفعول حتى اليوم .  من جهة ثانية كانت الانظمة العربية كلها تتصدى للمؤامرة الغربية والتي هدفت الى سرقة اموال الجماهير العربية ، فتصدت لها انظمة البلاط العلوي وهربت الاموال بسرعة الى تلك البلدان وبذلك ضربت ضربتها القاضية واثبتت للجماهير بانها لم ولن تفرط بدولار واحد من اجل طمأنة الشعب ليستمر بموجبات الدفع والعطاء . هكذا تهلل العامة لهذا الصمود ويبقى النظام قابعا فوق الرؤوس ويدوس على الاجساد والنفوس من اجل حماية الجماهير وحماية الاوطان .
الغريب في الامر ان لغة المؤامرة لا تُسمع الا عند الانظمة العسكرية الديكتاتورية والاحزاب العقائدية وهذا ما انعم الله علينا به في لبنان وفي شرقنا العزيز . ان جميع الأحزاب عندنا وخاصة اليسارية منها لا زالت تطبل لنظرية المؤامرة ، تعددت اهداف هذه المؤامرات وبقيت نفسها تلبس ثوبا وتقلع آخر لتلبي متطلبات الساحة والساعة " بدءا من مؤامرة التقسيم ، الى التوطين ، الى تهجير المسيحيين الى اسلمة لبنان ، الى قضم لبنان من سوريا ومن ثم الى احتلال لبنان من قبل اسرائيل الى ما لا نهاية من مؤامرات ومكائد ". كانت توزع الادوار فتارة يدعي اليسار بالمؤامرة وتارة اخرى يقوم اليمين بالدور ذاته ، والجماهير لا تدري من اين اتت هذه المؤامرات فيتصدون لها بكل قوة ، وهنا تكمن خطورتها بانها مجهولة المصدر ومجهولة الهوية والشكل والمضمون ولكنها معلومة النتيجة وواضحة الاهداف بضرب كل من يغرِّد خارج السرب الحاكم . هذا هو حالنا اليوم مع احزابنا الوطنية المحترمة والتي لا تزال ترهبنا بحجج المؤامرة وتسعدنا بقدرتها على التصدي لها .
القاريء العزيز
الغرابة في الانظمة الحاكمة بانها تعترف فجأة بالمؤامرة الآتية اليها بعد سنوات من الحكم المستبد والظالم ، فاذا طالب الشعب بالحرية فهذه مؤامرة ، واذا طالب بقليل من الديمقراطية فهذه مؤامرة ، واذا طالب بأبسط حقوقه فهذه ايضا مؤامرة ، ولان التصدي للمؤامرات هو من صلب مهمات الانظمة نراها تضرب شعبها بيد من حديد دون هوادة ودون رحمة ومن دون رادع وكل هذا من اجل حماية الوطن من المتآمرين والمهم ان يسلم النظام القائم . وبعد كل هذا نجد ان قسما من العامة يؤمن من جديد بنظرية الوطن الجديد المنبعث من غبار معارك الشرف والكرامة والتصدي وعلى صورة نفس الحاكم السابق ." رحم الله القائل: فالج لا تعالج "
لا اريد ان اقارن بين هذا وذاك ، ولا التفضيل بين سيء واسوأ ، ولا بين جيد وافضل ولكني اريد ان اقلب الادوار في طرح معادلة بسيطة تحدث من وقت لآخر. اذا سلكت ايران طريقا مغايرا كما كانت عليه قبل الثورة الاسلامية عام 1979 ضمن صفقات معينة بين بيع وشراء، من نفط الى برامج نووية الى اذرع قتالية او الى امتيازات اقليمية (افغانستان او العراق وربما البحرين ) وانتهجت ايران نهجا غير عدائي مع اسرائيل " ولن اقول تحالف " ، فماذا سيحصل بنظرية المؤامرة عندنا في لبنان وسورية ؟ وكيف سيطل علينا خطيب التصدي والصمود؟ هل سيمدح ليبرمان ويهاجم احمد الطيبي ؟ وهل سيغازل اوباما ويلعن شافيز؟ ام انه سيحاول العثور على منبع جديد للمؤامرة غير الغرب واسرائيل ، وربما سيتحول الى الصين مثلا على ان تعدادها السكاني يسمح بالقول بانها مصدر المؤامرة وليفتش من يريد بين اكوام البشر ليعثر على الراس المدبر ؟. من ناحية اخرى ونحن على ابواب فصل جديد من الحكم السوري ، اني اتساءل ماذا سيكون مصير العلاقة المميزة بين النظامين ؟ وهل ستبقى كما كانت ام ستتغير وتعدل لتصبح بين دولتين ؟ وهل سيغير لبنان نهجه تجاه السلم العام في الشرق اذا ما غيرت سوريا الجديدة اتجاهها ؟ وهل سيرضى الحاكم اللبناني بالتوجه السوري الجديد ام انه سيقاومه ويرفضه ؟ واذا ما سلمنا جدلا باتفاق سوري- اسرائيلي ، فهل سيتبعه اتفاق لبناني – اسرائيلي ام انها ستكون مؤامرة جديدة على لبنان وسوريا معا وسيهب حماة الثورة عندنا لإنقاذ ما تبقى من صمود وتصدي من اجل " القضية " ؟ والسؤال الاهم في هذه المرحلة : ما هو مصير حلفاء النظام في لبنان بعد وصول الرئيس السوري الى مقره الجديد في سيبيريا – ستالين ؟ هل سينقلون المشهد السوري الى لبنان وبالتالي سيُرَحبْ بهم في سيبيريا ايضا ؟ ام سيقتنعون بأن الوطن يتسع للجميع وان الدولة هي الخيار الاصح؟
عزيزي القاريء
حاولت ان اضع بين يديك نسخة من اسلوب السياسة اللبنانية الفذة  وعينة من السياسيين الحكماء الذين يقودون هذا الشعب باسم المؤامرة ، هذه المؤامرة التي تحولت في الآونة الاخيرة الى مشروع ( منه الامريكي والسعودي والايراني والتركي ناهيك عن المشروع القديم الجديد الصهيوني ) وكل ما عليك فعله اخي القارئ هو اختيار مؤامرة او مشروع يناسبك وسياسي تركن اليه ومتراس جيد لتبدأ منه بالتصدي والصمود والقتال لان قاموس التحالفات والتغيرات غني بالمفردات المتنقلة هنا وهناك ، والله مع الصابرين .


الاثنين، 13 فبراير 2012

الدروز،،،ولاء وعطاء

                                   
انه غني عن التعريف وغني عن الكتابة ، فكل مواطن في الشرق بل في معظم انحاء العالم يعرف تاريخ الدروز ويدرك تماما مواقفهم الوطنية والدينية وحبهم للأرض وتعلقهم بها وحفظهم للكرامة الشخصية ومرتبة الاخوان المقدسة . نعم وبكل فخر نقول انهم جبلة من الوفاء والولاء والمواقف المشرفة .
اخي القاريء
بالعودة الى التاريخ الدرزي المعاصر نتوقف عند الظاهرة الفريدة التي ميزت مواقف الدروز اينما وجدوا. انه الولاء المطلق للدولة التي يعيشون فيها وبذل كل غالي من اجلها ومن اجل صون ارضها وحدودها وهذه هي الميزة التي حفظت الدروز في كل مكان تواجدوا فيه رغم الحواجز الجغرافية احيانا ( كما الحال مع دروز اسرائيل ) ورغم الحواجز الحزبية والسياسية احيانا ( كما الحال مع دروز سوريا ) ، ولكن اثبت الدروز في نهاية الامر ان ما يصيب احدهم يصيب الجميع وهذا ما وثقته الاحداث التي طبعت التاريخ الدرزي منذ عام 1860 وحتى ايامنا هذه .
ثلاثة تجمعات درزية توزعت على ثلاث دول متجاورة في حالة حرب احيانا وحالة انقطاع احيانا اخرى والتواصل بينهما خاضع لشروط معقدة .
دروز اسرائيل ، اعلنوا وبكل وضوح وبما لا يقبل الشك ابدا ، ولاءهم للدولة الاسرائيلية منذ نعومة اظافرها ، واعلنوا انهم جزء لا يتجزأ من هذه الدولة يقومون بواجباتهم ولهم كامل حقوقهم  وبغض النظر عن مدى حصولهم على هذه الحقوق ثبتوا مكانتهم بالدولة وثبتوا في ارضهم وقراهم في وقت كان فيه السكان الفلسطينيون يغادرون وينزحون خلال حرب 1948 وبعدها . منذ ذلك الحين والدروز يحملون راية البقاء والصمود في ارضهم والبندقية للحفاظ على دولتهم، عملوا على تثبيت اقدامهم وانخرطوا في المجتمع الاسرائيلي بإرادتهم وقوة عزمهم واثبتوا انهم اهل للثقة دون الرضوخ لأية عوامل خارجية وعدم تأثرهم بما كان يدور من حولهم بل اخذوا القرار المناسب لبقائهم واستمرارهم .ان ما يميز دروز اسرائيل عن اخوانهم في لبنان وسوريا هو طابعهم السياسي الديمقراطي ضمن اللعبة السياسية والحزبية الاسرائيلية ، تحلقوا حول زعيم روحي كلمته كلمة ورايه امر وخاطره مصان ولا عودة عن قبوله والعمل بموجبه منذ البداية وحتى وفاته ، كان الشيخ امين طريف "رحمه الله" الراس الديني التوحيدي الموحد الجامع لدروز اسرائيل بل تعدت خواطره الحدود وبات رمزا دينيا ونذرا وفيا للطامح للراحة الدينية والرضا والرحمة الالهية . لم تكن لهم زعامة سياسية تقليدية كما معروف لدى الاخرين وذلك للديمقراطية الاسرائيلية التي اعطت حق التقدم والترشح والتحزب والاختيار لكل مواطن درزي فيها .
خلال حرب الجبل في لبنان 1983 هب الدروز في اسرائيل لمساعدة اخوانهم في لبنان على ما كانوا هم بصدده وليس لفرض راي مع هذا او ذاك ، فقط قدموا المساعدة ليتمكن دروز لبنان من تثبيت خيارهم والوصول الى مبتغاهم وهدفهم ، وهذا كان قمة العطاء والوفاء وقمة الديمقراطية الصحيحة بعدم التدخل بشؤون الطائفة في لبنان فهم ( اي اللبنانيون) ادرى بالحال التي يمرون بها وهم ادرى بالحاجة التي يريدونها وهكذا انتهت تلك الامور بالطريقة الصحيحة وجازى الله الخيريين وباركهم .
من جهة اخرى اثبت دروز سوريا ايضا بزعامة سلطان باشا الاطرش (رحمه الله )بانهم قوة لا يستهان بها  وانهم ركيزة من ركائز الاستقرار ليس في سوريا فحسب بل في الدول المجاورة ايضا ، فكانت ثورة 1925 لتبرهن للقاصي والداني بان الوعد الدرزي هو وعد ولو كلف مئات بل آلاف الشهداء وان الولاء الدرزي للأرض والوطن لن تثنيهم عنه فوائد ولا مصالح فكانت فرنسا وبريطانيا وايطاليا والغرب ، كانوا كلهم باعتراف كامل وجلي بقوة باس الدروز ووفائهم لمبادئهم ولأوطانهم ،اضف الى ذلك قادة الثورة العربية الكبرى وابان الحرب العالمية الاولى والثانية ورجال التاريخ كلهم اقروا بان الدروز كانوا و سيبقون الحجر الاساس في بناء الدولة السورية بغض النظر عن نظامها السياسي او خطها العقائدي ، فكان الدروز دائما الى جانب من يروه مناسبا لقيادة الامة بكافة طوائفها ومذاهبها ، من هنا جاء الدعم للرئيس حافظ الاسد قبل دعم نظام البعث فكانت النتيجة رد قاس على ابطال الدروز الذين ساندوه وعلى راسهم سليم حاطوم ورفاقه ، ومحاربة السلطان باشا بشتى الوسائل للحد من نفوذه على قيادة الدروز وبالتالي نزع الصفة الدرزية عن جبل الدروز وتسميته "بجبل العرب " . بالرغم من كل هذا بقي الدروز موالين للدولة واجهزتها وانخرطوا بكل قناعة ووفاء بالجيش وحاربوا اسرائيل وجيشها بمن فيهم الدروز ايضا كما فعل دروز اسرائيل بالمقابل وهذا يثبت مرة اخرى ولاء الدرزي لدولته اينما وجد . الجدير بالذكر ان بعد وفاة سلطان باشا الاطرش لم تتجدد اية زعامة درزية سياسية او عائلية في جبل الدروز وبقيت زعاماتهم محلية عائلية على نطاق ضيق ومحصورة دينيا ورسميا بشيخ عقل الطائفة .من هنا يمكننا القول بان التقارب من دروز لبنان كان ضروريا وحاجة ملحة لصالح الجميع وهذا هو "بيت القصيد " الذي لعب عليه الرئيس حافظ الاسد لاستمالة الدروز اليه ،  بتأييد اعمى ومطلق باستعماله الزعامة الدرزية اللبنانية لإقناع الى حد ما  دروز سوريا ودفعهم الى القبول دون اي تحفظ بما كان يراه الاسد مناسبا له قبلهم ولحزبه قبل الدولة . ان انقطاع دروز سوريا عن دروز اسرائيل بعد عام 1948 وعن بعضهم البعض بعد عام 1967 دفعهم الى دروز لبنان اكثر ، البعد الطبيعي لهم ، لشد اواصر العلاقة الدينية والاجتماعية والسير في خطى المصير المشترك بينهما ، لذلك نراهم الآن يعيرون انتباها واحتراما شديدين لكل ما يصدر عن دروز لبنان ويحاولون ان يكونوا جزءا من الاستراتيجية المشتركة لكلا المجموعتين .
ان دروز لبنان وهم التجمع الاكبر في الشرق الاوسط ولهم باع طويل في كل مجالات الحياة منذ عهد الامير فخر الدين وحتى يومنا هذا . انهم بدون شك الزعماء الحقيقيون من الناحية التاريخية ، لذلك دأبوا منذ البداية على رسم لبنان الوطن الاول والاخير لهم في مواجهة الموارنة الذين يملكون نفس الرؤية التاريخية بالنسبة الى الوطن الام – لبنان - . من هذا المنطلق كانت الخلافات المتعددة بين الطائفتين منذ 1860 والتحالفات بعدها ، ومرورا بعهد الانتداب ومعركة الاستقلال التي خاضها الدروز بكل شرف وكرامة وولاء للوطن الى جانب إخوانهم المسيحيين والمسلمين .
اخي القاريء
لست هنا بوارد كتابة تاريخ الدروز ولست بمؤرخ ولا بموثق ، بل جل ما اردته هو تسليط بعض الضوء على بعض من مواقف الدروز في مختلف اماكن تواجدهم . ازاء هذه المعطيات الا يجدر بنا التوقف والتأمل واخذ العبر والدروس من كل ما جرى سابقا والاحتفاظ بالحد الادنى من القرار الصحيح والموقف الحكيم بما يخص الدروز ؟
لا يخفى على احد بان نظام البعث في سوريا كان ولا يزال يكن العداء للدروز وهو يتحين الفرص لضرب هذه الطائفة او ضرب رموزها ، فكانت البداية بعد انقلاب الاسد في السبعينات وازاحة كل من كان في طريقه او يشكل تهديدا او ازعاجا لنظامه فتخلص من الكثيرين من ضباط وناشطين دروز، ومن ثم الى حصار سياسي وطائفي واجتماعي لدروز الجبل وعدم السماح لهم بالتواصل الحقيقي مع اخوانهم في لبنان ، ولا ننسى لدخول القوات السورية الى لبنان ومحاربة الدروز عام 1976 واغتيال الزعيم كمال جنبلاط لاحقا عام 1977 ، بالرغم من كل هذا بقي دروز سوريا ملتزمون بقرارات دولتهم وبمبادئهم ولم يتدخلوا ابدا لا ايجابا ولا سلبا بمجريات الامور في لبنان ولا بقرارات الطائفة الدرزية فيه .كذلك الامر خلال الحرب الاهلية وحرب الجبل لم يكن لدروز سوريا اي تدخل سياسي او طائفي في تلك الاحداث ولم نكن نرى ابدا زعماء دروز من سوريا يحاضرون عندنا عن هذا او ذاك ولا يفضلون هذا على ذاك .
اخي القاريء
خلال حرب الجبل وبعدها بانت قوة التدخل الدرزي من اسرائيل في قلب الموازين في تلك المرحلة ، وبعد ان وضحت الصورة للقيادة السورية عن مدى قوة الدروز وتأثيرهم على المستوى السياسي والعسكري والاجتماعي على جيرانهم وبعد انسحاب اسرائيل من لبنان وخلو الساحة اللبنانية لها ، اخذت القيادة السورية قرارا بزعزعة قوة واستقرار الدروز في اسرائيل والضرب على ادق وتر في حياتهم وهو الوتر العسكري بالدعوة اليهم لعدم الخدمة في الجيش الاسرائيلي . لم تعط هذه المحاولة ثمارها المطلوبة وفشل هذا التدخل مع العلم اليقين بان الزعيم الدرزي وليد جنبلاط والذي اجبر بطريقة او بأخرى على القيام بهذه المهمة قد عرف فعلا كيف يوصل رسالته هو الى دروز اسرائيل وهي المتابعة بما يرونه مناسبا لهم وعدم الاصغاء الى احد حتى وان كان وليد جنبلاط نفسه، كذلك اثبت دروز اسرائيل بانهم ادرى من غيرهم بوضعهم وبمصلحتهم العليا وبانهم جزء لا يتجزأ من دولتهم دولة اسرائيل وانهم بحكم وجودهم في دولة ديمقراطية تنعم بحرية الكلمة والراي عرفوا فعلا بانهم مطالبون بالبقاء يدا واحدة وقوة واحدة لان دورهم سيستمر تجاه اخوانهم والقادم على الدروز اشد مرارة من الذي مضى.
ان اية مثالثه في المشهد الدرزي ستبوء بالفشل الذريع ، ولا ادري لماذا لا يرى البعض هذا الامر في لبنان ، ان الدروز ومنذ انطلاقتهم السياسية والحزبية والاقطاعية اثنان لا ثالث لهما : الجنبلاطية والارسلانية وستبقى كذلك مهما تغيرت الاسماء من حزب اشتراكي الى حزب ديمقراطي ، فلا دروز في اليمين كله ولا في اليسار كله وكما يقول المثل العامي : " اجر في الفلاحة واجر في البور " ولن تكون هناك رجل ثالثة ابدا وليعلم ذلك من يعنيه الامر واقصد هنا الاستاذ وئام وهاب الذي يلعب دورا غير محمود اطلاقا ولا يخدم المصلحة الدرزية بشكل عام وخاصة تجاه دروز سوريا . فلماذا لا ندع امرهم بأيديهم ولماذا لا نتركهم وشانهم بتقرير مصيرهم واعطائهم حرية الخيار دون وعيد او تهديد " ودون سرامي او ميداليات " ، فان هذا التدخل سيؤدي الى عواقب وخيمة على الصعيد الطائفي الداخلي وعلى صعيد علاقة الدروز ببقية شرائح المجتمع السوري واللبناني . لا احد ضد زيارات الزعماء اللبنانيين الدروز الى اخوانهم في سوريا ، وقد شهدنا عدة زيارات للزعيمين وليد جنبلاط وطلال ارسلان ، وبقيا ضمن حدود المنطق والمعقول وضمن احترام خصوصيات الطائفة ، وضمن نطاق الحدود المتاحة للتدخل في الشؤون الداخلية اجتماعية كانت او سياسية ، حبذا لو يدرك السيد وهاب ان السرماية قد كبرت على قياس رجله وان الحرب بالسرامي قد انتهت وبدأت تنزلق من ساقه .. ويا خوفي من ان تكون سرماية دروز الجبل اشد الما وسطوة من كرباج مخابرات البعث .