الجمعة، 24 فبراير 2012

المتلاعبون بالعقول

منذ القدم ونظرية المؤامرة تأخذ حيزا كبيرا من اهتمام عامة الناس في المتابعة والتحليل والحديث عنها بكل ما تملكه من حدس وتبصر وفهم لهذه النظرية. قرون مرت ولم تزل ، ذات الكلمات وذات العبارات في نعت شيء ما لتشتيت الانتباه عن موضوع كان يُراد له ان يُستّر وان يُخبأ . لقد كانت وما زالت نظرية المؤامرة من انجع الطرق واسهلها في اقناع الناس بخط او بنظرية او بموقف ، ولعل الامعان في شرح النظرية وتفصيلها وتبسيطها هو الضرب الصحيح في المكان الصحيح لجعل الباطل حقا ، والكذب حقيقة والخطأ صحيحا .
كانت المؤامرات في العهد القديم تدور رحاها في قصور الملوك والقياصرة ، وكانت تدور غالبيتها حول خلافة هذا الملك او هذا القيصر وابعاد هذا وتقريب ذاك ، ولعل المحور الرئيسي لتلك المؤامرات كانت الخيانة " خاصة خيانة النساء " وهي السبيل الوحيد والاسرع لتغذية الفتنة قبل الخيانة الوطنية ، او خيانة الملك بإفشاء بعض الاسرار او المعلومات . اذا كانت نظرية المؤامرة تعتمد بالدرجة الاولى على " الخيانة" وما على صانع المؤامرة ومُنتِجها الا انتقاء الخيانة الملائمة لها والسير فيها . اضف الى ذلك ان التنفيذ يتطلب عنصرا على درجة محدودة من الذكاء وذلك ليسهل اقناعه اولا ومن ثم يأتي دوره لمساندتها والترويج لها ولتبنيها بمقولة " قيل وقالوا " . ان هذا العنصر يجب ان يكون ايضا من عامة البلاط الملكي اي من درجات الدنيا في السلم التراتبي للحاكم " الملك او القيصر او الزعيم او الرئيس " ، وهذا العامة "البلاطي " يمكنه ان يكون من العامة الشعبية اي انه يستطيع ان ينحدر وينزل الى مستوى الشعب العادي البسيط ليبذر وينشر تعاليم البلاط العلوي ويتابع العمل ليتأكد من نجاح الفكرة وليتأكد من زرعها في تربة صالحة ضمن ادمغة متحجرة فاقت القرون الوسطى حماقة وسذاجة . اننا نرى هذا المشهد كثيرا عندنا في لبنان وفي الشرق عامة ، خاصة لدى الأنظمة الديكتاتورية والاحزاب العقائدية حين يسخّرون حناجر عديدة لنشر ما يريدون وسط العامة من خلال المساواة المؤقتة بين الحاكم والمحكوم .
ان نجاح بث المؤامرة يتطلب العنصر الثالث بعد  التهمة ( الخيانة ) ، والمنفذ اي (رسول الحاكم او البلاط العلوي ) ، انه المصدر ، اي مصدر المؤامرة ،( الجهة المصدرة للمؤامرة ) ويجب ان تكون عالية وعلى مستوى البلاط الملكي فلا يجوز التكلم عن مؤامرة آتية من طبقة سفلى ، فهذه الطبقات لا يمكنها ان تحيك مؤامرات ولا احد يصدق انتاجها ،" تصور عزيزي القارئ ان يأتي احد نواب البلاط العلوي في لبنان او سوريا او العراق ويقول ان الصومال او مدغشقر او النيجر تهدد امننا وتتآمر على بلادنا ، ربما " سيلاحقونه بالبيض او البندورة " ولن يجد آذان صاغية ولكن ان ادعى ان المؤامرة آتية من فرنسا او بريطانيا او اميركا فهذا حديث آخر بالطبع وستأخذه الجماهير على محمل الجد .لذلك نرى ان المنتج للمؤامرة او المصدر هو عنصر اساسي ويجب ان يكون قويا وقاسيا وله القدرة على زرع الخوف والريبة وان يكون متوحشا لا يعرف الرحمة وهذا ضروري حتما للملمة صفوف العامة ورصّها وتجهيزها للوقوف في وجه عدو شرس وغاشم . ( لقد رأينا هذه الحالة في النظام الشيوعي حين كانت المؤامرة تتجه لتأليب الشعب على البلاط اي الحكام ، وكانت (الرأسمالية ) وكل من يقترب منها او يغازلها يعد خائنا ، في حين ان الغرب كان يعتبر ان مصالحه القومية هي هدف الانظمة الراديكالية وليس النظام لان الديمقراطية هي النظام نفسه " تداور الحكم " وان كل من يقترب من الشيوعية يعتبر فاقدا لشرعية المواطنة الصالحة ). ان بقاء هذه العناصر الثلاثة هو شرط لاستمرارية المؤامرات الواحدة تلى الاخرى  ، آلاف السنين وآلاف المؤامرات تنتهي الاولى لتظهر الثانية وهكذا حتى يومنا هذا فلا البلاط المُسيطِر تغير ولا تحضرت العامة ولا نضب نبع المؤامرات او تراجع ، وستبقى هذه النظرية قائمة الا في حالة واحدة وهي نضوج العامة وتقديرها لحاضرها وقدرتها على اخذ العبر من الماضي وعلى امكانية رؤية وفهم الخطوات الواجب اتخاذها من اجل غد افضل ، عندها تنتهي نظرية المؤامرة لأنها لم تعد قادرة على المرور او التسلل عبر ادمغة نُظفت من رواسب البلاط العلوي ومن ينابيع المؤامرات المزيفة .
لا اريد العودة الى الوراء كثيرا، فنحن نعرف الاوضاع التي سادت الوطن خلال السنوات الماضية ولكنني اريد الانطلاق من سبعينيات القرن الماضي عندما بدأت الحرب في لبنان على اساس نظريات المؤامرات المتعاقبة والمتتالية والتي حيكت على نفس طريقة مؤامرات البلاط الملكي والقيصري للقرون الوسطى ، ويؤسفني القول ونحن في عصر الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، يؤسفني القول اننا ما زلنا نستسلم لجاذبية المؤامرة وننقاد اليها بقوة ساحر ، وكم نعجب عندما نرى اناسا على قدر عالي من الثقافة والرقي يجلسون وينصتون بكل ما شُحنوا من هيبة التبعية والانجرار لمن يُركّبَ في عقولهم مؤامرة هو ليس بمقتنع بها . انهم القوم الذي يمثل الوقود لهذه المؤامرة ولاستمرارية ذاك الوقاد ، الهادي والمسيّر ، وضامن الآخرة المنشودة لهم ، مع العلم بان غالبيتهم على دراية ببطلان ادعاءاته وبأكاذيبه ، ولله العجب يقبلون ، ويسيرون ويؤيدون ويباركون . شعب أعمته الطائفية واثارته المذهبية ، وطعنَ بكل آداب المخاطبة والحوار وأخذ المؤامرة عنوانا ومضمونا ونتيجة .
ان تثبيت نظرية المؤامرة يتطلب جهدا كبيرا ونهجا مبرمجا ودقة متناهية لأكثر من حنجرة واكثر من ديوان ، وهذا يأخذنا الى اهمية اختيار المتكلم " الخطيب " الذي يلامس الجماهير بأنامل اللغة الحريرية اللطيفة ويوقظ فيهم حس الثورة للتصدي والصمود في وجه المتآمرين ، وهنا يلعب عنصر التشويق ( الانشائي والنفسي ) دورا بدفع المستمع الى المتابعة الدقيقة وحرصه المتناهي على سماع كل كلمة من امثولة التصدي وبالتالي تكمن بديهة وخاطر وحكمة الخطيب  في جعل المستمع متعطشا لسماع المزيد ولانتظار المزيد في مكان آخر وفي مرحلة اخرى وفي درس آخر . ولا بد ايضا من ذكر المشاركة الفعلية التي يُجرّ اليها المستمع ليؤَكدَ له انه صاحب البيت وانه المحرك الحقيقي في كشف المؤامرة اولا وفي التصدي لها ثانيا ، وهذه هي اهمية اللعب على وتر المساواة بين البلاط العلوي والطبقة السفلى ،( انها مساواة وهمية تنتهي بانتهاء الهدف منها ويعود كل الى موقعه) ،في المشاركة باكتشاف المرض " المؤامرة "، والمشاركة بإيجاد العلاج " الصمود والتصدي " ، والمشاركة في نشر تعاليم الصمود واسسه ومنافعه " الاستمرارية والمتابعة" وبذلك نرى ان الذين يحكمون بنظرية المؤامرة هم انفسهم من استوردها ومن سوقها ومن دعا  للتصدي لها .
منذ الثورة العربية الكبرى والمؤامرات تحاك لسلب العرب ما ليس بحوزتهم ، وهم يتصدون ليحموا ما ليس عندهم .  تصدوا لمؤامرة اقامة الدولة العبرية وهم من ساعد اليهود على اقامة هذه الدولة ، فكانت المؤامرة ان يبقوا في ارضهم وقراهم لإبادتهم فافشلوا هذه الفكرة عبر النزوح الى البلدان المجاورة للبدء بالتصدي ولا تزال هذه المؤامرة سارية المفعول حتى اليوم .  من جهة ثانية كانت الانظمة العربية كلها تتصدى للمؤامرة الغربية والتي هدفت الى سرقة اموال الجماهير العربية ، فتصدت لها انظمة البلاط العلوي وهربت الاموال بسرعة الى تلك البلدان وبذلك ضربت ضربتها القاضية واثبتت للجماهير بانها لم ولن تفرط بدولار واحد من اجل طمأنة الشعب ليستمر بموجبات الدفع والعطاء . هكذا تهلل العامة لهذا الصمود ويبقى النظام قابعا فوق الرؤوس ويدوس على الاجساد والنفوس من اجل حماية الجماهير وحماية الاوطان .
الغريب في الامر ان لغة المؤامرة لا تُسمع الا عند الانظمة العسكرية الديكتاتورية والاحزاب العقائدية وهذا ما انعم الله علينا به في لبنان وفي شرقنا العزيز . ان جميع الأحزاب عندنا وخاصة اليسارية منها لا زالت تطبل لنظرية المؤامرة ، تعددت اهداف هذه المؤامرات وبقيت نفسها تلبس ثوبا وتقلع آخر لتلبي متطلبات الساحة والساعة " بدءا من مؤامرة التقسيم ، الى التوطين ، الى تهجير المسيحيين الى اسلمة لبنان ، الى قضم لبنان من سوريا ومن ثم الى احتلال لبنان من قبل اسرائيل الى ما لا نهاية من مؤامرات ومكائد ". كانت توزع الادوار فتارة يدعي اليسار بالمؤامرة وتارة اخرى يقوم اليمين بالدور ذاته ، والجماهير لا تدري من اين اتت هذه المؤامرات فيتصدون لها بكل قوة ، وهنا تكمن خطورتها بانها مجهولة المصدر ومجهولة الهوية والشكل والمضمون ولكنها معلومة النتيجة وواضحة الاهداف بضرب كل من يغرِّد خارج السرب الحاكم . هذا هو حالنا اليوم مع احزابنا الوطنية المحترمة والتي لا تزال ترهبنا بحجج المؤامرة وتسعدنا بقدرتها على التصدي لها .
القاريء العزيز
الغرابة في الانظمة الحاكمة بانها تعترف فجأة بالمؤامرة الآتية اليها بعد سنوات من الحكم المستبد والظالم ، فاذا طالب الشعب بالحرية فهذه مؤامرة ، واذا طالب بقليل من الديمقراطية فهذه مؤامرة ، واذا طالب بأبسط حقوقه فهذه ايضا مؤامرة ، ولان التصدي للمؤامرات هو من صلب مهمات الانظمة نراها تضرب شعبها بيد من حديد دون هوادة ودون رحمة ومن دون رادع وكل هذا من اجل حماية الوطن من المتآمرين والمهم ان يسلم النظام القائم . وبعد كل هذا نجد ان قسما من العامة يؤمن من جديد بنظرية الوطن الجديد المنبعث من غبار معارك الشرف والكرامة والتصدي وعلى صورة نفس الحاكم السابق ." رحم الله القائل: فالج لا تعالج "
لا اريد ان اقارن بين هذا وذاك ، ولا التفضيل بين سيء واسوأ ، ولا بين جيد وافضل ولكني اريد ان اقلب الادوار في طرح معادلة بسيطة تحدث من وقت لآخر. اذا سلكت ايران طريقا مغايرا كما كانت عليه قبل الثورة الاسلامية عام 1979 ضمن صفقات معينة بين بيع وشراء، من نفط الى برامج نووية الى اذرع قتالية او الى امتيازات اقليمية (افغانستان او العراق وربما البحرين ) وانتهجت ايران نهجا غير عدائي مع اسرائيل " ولن اقول تحالف " ، فماذا سيحصل بنظرية المؤامرة عندنا في لبنان وسورية ؟ وكيف سيطل علينا خطيب التصدي والصمود؟ هل سيمدح ليبرمان ويهاجم احمد الطيبي ؟ وهل سيغازل اوباما ويلعن شافيز؟ ام انه سيحاول العثور على منبع جديد للمؤامرة غير الغرب واسرائيل ، وربما سيتحول الى الصين مثلا على ان تعدادها السكاني يسمح بالقول بانها مصدر المؤامرة وليفتش من يريد بين اكوام البشر ليعثر على الراس المدبر ؟. من ناحية اخرى ونحن على ابواب فصل جديد من الحكم السوري ، اني اتساءل ماذا سيكون مصير العلاقة المميزة بين النظامين ؟ وهل ستبقى كما كانت ام ستتغير وتعدل لتصبح بين دولتين ؟ وهل سيغير لبنان نهجه تجاه السلم العام في الشرق اذا ما غيرت سوريا الجديدة اتجاهها ؟ وهل سيرضى الحاكم اللبناني بالتوجه السوري الجديد ام انه سيقاومه ويرفضه ؟ واذا ما سلمنا جدلا باتفاق سوري- اسرائيلي ، فهل سيتبعه اتفاق لبناني – اسرائيلي ام انها ستكون مؤامرة جديدة على لبنان وسوريا معا وسيهب حماة الثورة عندنا لإنقاذ ما تبقى من صمود وتصدي من اجل " القضية " ؟ والسؤال الاهم في هذه المرحلة : ما هو مصير حلفاء النظام في لبنان بعد وصول الرئيس السوري الى مقره الجديد في سيبيريا – ستالين ؟ هل سينقلون المشهد السوري الى لبنان وبالتالي سيُرَحبْ بهم في سيبيريا ايضا ؟ ام سيقتنعون بأن الوطن يتسع للجميع وان الدولة هي الخيار الاصح؟
عزيزي القاريء
حاولت ان اضع بين يديك نسخة من اسلوب السياسة اللبنانية الفذة  وعينة من السياسيين الحكماء الذين يقودون هذا الشعب باسم المؤامرة ، هذه المؤامرة التي تحولت في الآونة الاخيرة الى مشروع ( منه الامريكي والسعودي والايراني والتركي ناهيك عن المشروع القديم الجديد الصهيوني ) وكل ما عليك فعله اخي القارئ هو اختيار مؤامرة او مشروع يناسبك وسياسي تركن اليه ومتراس جيد لتبدأ منه بالتصدي والصمود والقتال لان قاموس التحالفات والتغيرات غني بالمفردات المتنقلة هنا وهناك ، والله مع الصابرين .


الاثنين، 13 فبراير 2012

الدروز،،،ولاء وعطاء

                                   
انه غني عن التعريف وغني عن الكتابة ، فكل مواطن في الشرق بل في معظم انحاء العالم يعرف تاريخ الدروز ويدرك تماما مواقفهم الوطنية والدينية وحبهم للأرض وتعلقهم بها وحفظهم للكرامة الشخصية ومرتبة الاخوان المقدسة . نعم وبكل فخر نقول انهم جبلة من الوفاء والولاء والمواقف المشرفة .
اخي القاريء
بالعودة الى التاريخ الدرزي المعاصر نتوقف عند الظاهرة الفريدة التي ميزت مواقف الدروز اينما وجدوا. انه الولاء المطلق للدولة التي يعيشون فيها وبذل كل غالي من اجلها ومن اجل صون ارضها وحدودها وهذه هي الميزة التي حفظت الدروز في كل مكان تواجدوا فيه رغم الحواجز الجغرافية احيانا ( كما الحال مع دروز اسرائيل ) ورغم الحواجز الحزبية والسياسية احيانا ( كما الحال مع دروز سوريا ) ، ولكن اثبت الدروز في نهاية الامر ان ما يصيب احدهم يصيب الجميع وهذا ما وثقته الاحداث التي طبعت التاريخ الدرزي منذ عام 1860 وحتى ايامنا هذه .
ثلاثة تجمعات درزية توزعت على ثلاث دول متجاورة في حالة حرب احيانا وحالة انقطاع احيانا اخرى والتواصل بينهما خاضع لشروط معقدة .
دروز اسرائيل ، اعلنوا وبكل وضوح وبما لا يقبل الشك ابدا ، ولاءهم للدولة الاسرائيلية منذ نعومة اظافرها ، واعلنوا انهم جزء لا يتجزأ من هذه الدولة يقومون بواجباتهم ولهم كامل حقوقهم  وبغض النظر عن مدى حصولهم على هذه الحقوق ثبتوا مكانتهم بالدولة وثبتوا في ارضهم وقراهم في وقت كان فيه السكان الفلسطينيون يغادرون وينزحون خلال حرب 1948 وبعدها . منذ ذلك الحين والدروز يحملون راية البقاء والصمود في ارضهم والبندقية للحفاظ على دولتهم، عملوا على تثبيت اقدامهم وانخرطوا في المجتمع الاسرائيلي بإرادتهم وقوة عزمهم واثبتوا انهم اهل للثقة دون الرضوخ لأية عوامل خارجية وعدم تأثرهم بما كان يدور من حولهم بل اخذوا القرار المناسب لبقائهم واستمرارهم .ان ما يميز دروز اسرائيل عن اخوانهم في لبنان وسوريا هو طابعهم السياسي الديمقراطي ضمن اللعبة السياسية والحزبية الاسرائيلية ، تحلقوا حول زعيم روحي كلمته كلمة ورايه امر وخاطره مصان ولا عودة عن قبوله والعمل بموجبه منذ البداية وحتى وفاته ، كان الشيخ امين طريف "رحمه الله" الراس الديني التوحيدي الموحد الجامع لدروز اسرائيل بل تعدت خواطره الحدود وبات رمزا دينيا ونذرا وفيا للطامح للراحة الدينية والرضا والرحمة الالهية . لم تكن لهم زعامة سياسية تقليدية كما معروف لدى الاخرين وذلك للديمقراطية الاسرائيلية التي اعطت حق التقدم والترشح والتحزب والاختيار لكل مواطن درزي فيها .
خلال حرب الجبل في لبنان 1983 هب الدروز في اسرائيل لمساعدة اخوانهم في لبنان على ما كانوا هم بصدده وليس لفرض راي مع هذا او ذاك ، فقط قدموا المساعدة ليتمكن دروز لبنان من تثبيت خيارهم والوصول الى مبتغاهم وهدفهم ، وهذا كان قمة العطاء والوفاء وقمة الديمقراطية الصحيحة بعدم التدخل بشؤون الطائفة في لبنان فهم ( اي اللبنانيون) ادرى بالحال التي يمرون بها وهم ادرى بالحاجة التي يريدونها وهكذا انتهت تلك الامور بالطريقة الصحيحة وجازى الله الخيريين وباركهم .
من جهة اخرى اثبت دروز سوريا ايضا بزعامة سلطان باشا الاطرش (رحمه الله )بانهم قوة لا يستهان بها  وانهم ركيزة من ركائز الاستقرار ليس في سوريا فحسب بل في الدول المجاورة ايضا ، فكانت ثورة 1925 لتبرهن للقاصي والداني بان الوعد الدرزي هو وعد ولو كلف مئات بل آلاف الشهداء وان الولاء الدرزي للأرض والوطن لن تثنيهم عنه فوائد ولا مصالح فكانت فرنسا وبريطانيا وايطاليا والغرب ، كانوا كلهم باعتراف كامل وجلي بقوة باس الدروز ووفائهم لمبادئهم ولأوطانهم ،اضف الى ذلك قادة الثورة العربية الكبرى وابان الحرب العالمية الاولى والثانية ورجال التاريخ كلهم اقروا بان الدروز كانوا و سيبقون الحجر الاساس في بناء الدولة السورية بغض النظر عن نظامها السياسي او خطها العقائدي ، فكان الدروز دائما الى جانب من يروه مناسبا لقيادة الامة بكافة طوائفها ومذاهبها ، من هنا جاء الدعم للرئيس حافظ الاسد قبل دعم نظام البعث فكانت النتيجة رد قاس على ابطال الدروز الذين ساندوه وعلى راسهم سليم حاطوم ورفاقه ، ومحاربة السلطان باشا بشتى الوسائل للحد من نفوذه على قيادة الدروز وبالتالي نزع الصفة الدرزية عن جبل الدروز وتسميته "بجبل العرب " . بالرغم من كل هذا بقي الدروز موالين للدولة واجهزتها وانخرطوا بكل قناعة ووفاء بالجيش وحاربوا اسرائيل وجيشها بمن فيهم الدروز ايضا كما فعل دروز اسرائيل بالمقابل وهذا يثبت مرة اخرى ولاء الدرزي لدولته اينما وجد . الجدير بالذكر ان بعد وفاة سلطان باشا الاطرش لم تتجدد اية زعامة درزية سياسية او عائلية في جبل الدروز وبقيت زعاماتهم محلية عائلية على نطاق ضيق ومحصورة دينيا ورسميا بشيخ عقل الطائفة .من هنا يمكننا القول بان التقارب من دروز لبنان كان ضروريا وحاجة ملحة لصالح الجميع وهذا هو "بيت القصيد " الذي لعب عليه الرئيس حافظ الاسد لاستمالة الدروز اليه ،  بتأييد اعمى ومطلق باستعماله الزعامة الدرزية اللبنانية لإقناع الى حد ما  دروز سوريا ودفعهم الى القبول دون اي تحفظ بما كان يراه الاسد مناسبا له قبلهم ولحزبه قبل الدولة . ان انقطاع دروز سوريا عن دروز اسرائيل بعد عام 1948 وعن بعضهم البعض بعد عام 1967 دفعهم الى دروز لبنان اكثر ، البعد الطبيعي لهم ، لشد اواصر العلاقة الدينية والاجتماعية والسير في خطى المصير المشترك بينهما ، لذلك نراهم الآن يعيرون انتباها واحتراما شديدين لكل ما يصدر عن دروز لبنان ويحاولون ان يكونوا جزءا من الاستراتيجية المشتركة لكلا المجموعتين .
ان دروز لبنان وهم التجمع الاكبر في الشرق الاوسط ولهم باع طويل في كل مجالات الحياة منذ عهد الامير فخر الدين وحتى يومنا هذا . انهم بدون شك الزعماء الحقيقيون من الناحية التاريخية ، لذلك دأبوا منذ البداية على رسم لبنان الوطن الاول والاخير لهم في مواجهة الموارنة الذين يملكون نفس الرؤية التاريخية بالنسبة الى الوطن الام – لبنان - . من هذا المنطلق كانت الخلافات المتعددة بين الطائفتين منذ 1860 والتحالفات بعدها ، ومرورا بعهد الانتداب ومعركة الاستقلال التي خاضها الدروز بكل شرف وكرامة وولاء للوطن الى جانب إخوانهم المسيحيين والمسلمين .
اخي القاريء
لست هنا بوارد كتابة تاريخ الدروز ولست بمؤرخ ولا بموثق ، بل جل ما اردته هو تسليط بعض الضوء على بعض من مواقف الدروز في مختلف اماكن تواجدهم . ازاء هذه المعطيات الا يجدر بنا التوقف والتأمل واخذ العبر والدروس من كل ما جرى سابقا والاحتفاظ بالحد الادنى من القرار الصحيح والموقف الحكيم بما يخص الدروز ؟
لا يخفى على احد بان نظام البعث في سوريا كان ولا يزال يكن العداء للدروز وهو يتحين الفرص لضرب هذه الطائفة او ضرب رموزها ، فكانت البداية بعد انقلاب الاسد في السبعينات وازاحة كل من كان في طريقه او يشكل تهديدا او ازعاجا لنظامه فتخلص من الكثيرين من ضباط وناشطين دروز، ومن ثم الى حصار سياسي وطائفي واجتماعي لدروز الجبل وعدم السماح لهم بالتواصل الحقيقي مع اخوانهم في لبنان ، ولا ننسى لدخول القوات السورية الى لبنان ومحاربة الدروز عام 1976 واغتيال الزعيم كمال جنبلاط لاحقا عام 1977 ، بالرغم من كل هذا بقي دروز سوريا ملتزمون بقرارات دولتهم وبمبادئهم ولم يتدخلوا ابدا لا ايجابا ولا سلبا بمجريات الامور في لبنان ولا بقرارات الطائفة الدرزية فيه .كذلك الامر خلال الحرب الاهلية وحرب الجبل لم يكن لدروز سوريا اي تدخل سياسي او طائفي في تلك الاحداث ولم نكن نرى ابدا زعماء دروز من سوريا يحاضرون عندنا عن هذا او ذاك ولا يفضلون هذا على ذاك .
اخي القاريء
خلال حرب الجبل وبعدها بانت قوة التدخل الدرزي من اسرائيل في قلب الموازين في تلك المرحلة ، وبعد ان وضحت الصورة للقيادة السورية عن مدى قوة الدروز وتأثيرهم على المستوى السياسي والعسكري والاجتماعي على جيرانهم وبعد انسحاب اسرائيل من لبنان وخلو الساحة اللبنانية لها ، اخذت القيادة السورية قرارا بزعزعة قوة واستقرار الدروز في اسرائيل والضرب على ادق وتر في حياتهم وهو الوتر العسكري بالدعوة اليهم لعدم الخدمة في الجيش الاسرائيلي . لم تعط هذه المحاولة ثمارها المطلوبة وفشل هذا التدخل مع العلم اليقين بان الزعيم الدرزي وليد جنبلاط والذي اجبر بطريقة او بأخرى على القيام بهذه المهمة قد عرف فعلا كيف يوصل رسالته هو الى دروز اسرائيل وهي المتابعة بما يرونه مناسبا لهم وعدم الاصغاء الى احد حتى وان كان وليد جنبلاط نفسه، كذلك اثبت دروز اسرائيل بانهم ادرى من غيرهم بوضعهم وبمصلحتهم العليا وبانهم جزء لا يتجزأ من دولتهم دولة اسرائيل وانهم بحكم وجودهم في دولة ديمقراطية تنعم بحرية الكلمة والراي عرفوا فعلا بانهم مطالبون بالبقاء يدا واحدة وقوة واحدة لان دورهم سيستمر تجاه اخوانهم والقادم على الدروز اشد مرارة من الذي مضى.
ان اية مثالثه في المشهد الدرزي ستبوء بالفشل الذريع ، ولا ادري لماذا لا يرى البعض هذا الامر في لبنان ، ان الدروز ومنذ انطلاقتهم السياسية والحزبية والاقطاعية اثنان لا ثالث لهما : الجنبلاطية والارسلانية وستبقى كذلك مهما تغيرت الاسماء من حزب اشتراكي الى حزب ديمقراطي ، فلا دروز في اليمين كله ولا في اليسار كله وكما يقول المثل العامي : " اجر في الفلاحة واجر في البور " ولن تكون هناك رجل ثالثة ابدا وليعلم ذلك من يعنيه الامر واقصد هنا الاستاذ وئام وهاب الذي يلعب دورا غير محمود اطلاقا ولا يخدم المصلحة الدرزية بشكل عام وخاصة تجاه دروز سوريا . فلماذا لا ندع امرهم بأيديهم ولماذا لا نتركهم وشانهم بتقرير مصيرهم واعطائهم حرية الخيار دون وعيد او تهديد " ودون سرامي او ميداليات " ، فان هذا التدخل سيؤدي الى عواقب وخيمة على الصعيد الطائفي الداخلي وعلى صعيد علاقة الدروز ببقية شرائح المجتمع السوري واللبناني . لا احد ضد زيارات الزعماء اللبنانيين الدروز الى اخوانهم في سوريا ، وقد شهدنا عدة زيارات للزعيمين وليد جنبلاط وطلال ارسلان ، وبقيا ضمن حدود المنطق والمعقول وضمن احترام خصوصيات الطائفة ، وضمن نطاق الحدود المتاحة للتدخل في الشؤون الداخلية اجتماعية كانت او سياسية ، حبذا لو يدرك السيد وهاب ان السرماية قد كبرت على قياس رجله وان الحرب بالسرامي قد انتهت وبدأت تنزلق من ساقه .. ويا خوفي من ان تكون سرماية دروز الجبل اشد الما وسطوة من كرباج مخابرات البعث .

الثلاثاء، 7 فبراير 2012

اجوبة(سؤال رقم 1 و2)

عزيزي القاريء
كما وعدت سابقا سأحاول الاجابة على كل الاسئلة التي تردني من القراء حول قضايا تهمهم عن تلك الحقبة من تاريخ لبنان الجنوبي .
السؤال الذي ورد : اي توجه سياسي كان للجيش الجنوبي ؟ وهل صحيح انكم منعتم الاحزاب من مداولة نشاطها الحزبي والسياسي منذ عام 1977 حتى عام 2000  ؟
اخي القاريء
لم يكن تأسيس جيش لبنان الجنوبي ( جيش لبنان الحر) نتيجة لتصور مسبق او تنفيذا لخطة ما او برنامج وكما يقولون عن "سابق اصرار وتصميم" ، بل كان وليدة حالة عفوية وضرورة لحاجة ما .لقد قامت الميليشيا الحدودية كما كانت تسمى في بداية عام 1976 من خلال انتفاضة شعبية ضد تجاوزات المنظمات الفلسطينية بعد انهيار الدولة اللبنانية وفرط عقد الجيش اللبناني وبالتالي اخذت جموع الشباب تتأهب وتتجمع لإدارة شؤونها بنفسها وعلى سلم اولوياتها تأمين الحماية الذاتية للقرى والبلدات من السيطرة الفلسطينية عليها .
كانت الاحزاب اليمينية التقليدية شبه معدومة في المنطقة الحدودية بعد سيطرة المنظمات عليها اثر اتفاق القاهرة وان كل عمل حزبي او ممارسة فعلية للأحزاب المذكورة كان يعد جرما يحاسب عليه مرتكبوه ، وكانت الاحزاب اليسارية تسعى بكل قوة لمنع الاحزاب الاخرى من اختراق ساحتها ، لذلك كانت انطلاقة الميليشيا الحدودية انطلاقة جماهيرية محضة لافتقار المنطقة الى تنظيم حزبي فعال اسوة بباقي المناطق اللبنانية . هذه الانطلاقة التي اتخذت شعار المصلحة الوطنية العليا للمواطن الجنوبي والحفاظ على الكرامة والارض ، لاقت قبولا كبيرا لدى طبقة الشباب الجنوبي الذي ضاق ذرعا بممارسات اليسار وفساد المنظمات خاصة في منطقة مرجعيون – القليعة ،التي ولدت فيها هذه الانتفاضة . عامل آخر ساعد هذه الحركة وقلل من اهمية الوجود الحزبي هو التحاق عناصر كتيبة المشاة الاولى من الجيش اللبناني والتي كان مقرها مرجعيون ببلدة القليعة وباقي عناصر الجيش اللبناني المنحل من المناطق المجاورة بعد صدور مذكرة خدمة عسكرية من قائد الجيش آنذاك في بيروت العماد حنا سعيد القاضية بإنشاء تجمع عسكري في بلدة القليعة وآخر في بلدة رميش ، وهكذا تشكلت نواة الجيش الجنوبي من بقايا الجيش اللبناني وعناصر شبابية من المنطقة الحدودية .اذا يمكنني القول باننا لم نكن ابدا منتمين الى اي حزب لبناني ولم نكن نمارس النشاط الحزبي العادي ، نعم كانت هناك مجموعات تؤيد هذا الخط او ذاك من كتائب واحرار والحزب الديمقراطي الاشتراكي ( حزب الرئيس كامل الاسعد )، ولكنها  -  اي هذه المجموعات لم تكن لتأتمر ابدا بأحزابها بل بقيادة المنطقة الحدودية .
مطلع عام 1977 انتظمت العناصر الحزبية وفتحت قناة اتصال لها مع بيروت اي مع قيادتها الحزبية وبدأت بممارسة النشاط السياسي العلني ولكنها كانت خاضعة عسكريا للقيادة المحلية الى ان حصل ما حصل في صيف 1977 وبالتحديد بحفلة زفاف السيد شكيب سمارة من مرجعيون والذي كان يحسب على الكتائب . حصل احتكاك بين الكتائب وعناصر من الاحرار من سوء فهم بسيط الى اشكال اكبر الى التلاسن والاشتباك بالأيدي وتطور الى حد استعمال السلاح لولا تدخل العقلاء والمصلحين . منذ ذلك الوقت اتخذ الرائد حداد قرارا بمساعدة القادة المحليين بمنع النشاط الحزبي على انواعه في المناطق الحدودية وجعل لبنان شعار الجميع ومن هنا انطلقت تسمية جيش لبنان الحر بعد محاولة تحويل الميليشيا الحدودية الى تنظيم عسكري شبيه قدر الامكان بالجيش النظامي .بقي هذا القرار ساري المفعول حتى الانسحاب من لبنان عام 2000 ولم يسمح ابدا للأحزاب اليمينية واليسارية على حد سواء من ممارسة نشاطها .
اربع محطات حزبية بتاريخ الجيش الجنوبي وكلها باءت بالفشل اذكرها حفاظا على الدقة والحقيقة .
المحطة الاولى كانت عام 1978 عندما ارسلت الجبهة اللبنانية آنذاك بزعامة الرئيس الراحل كميل شمعون عدة مئات من المقاتلين الحزبيين من احرار وكتائب لمساعدة الميليشيا الحدودية بعد توسع المنطقة على اثر اجتياح عام 1978 وقد تمركز البعض في بلدة الطيبة والآخر في كلية مرجعيون الوطنية وسرعان ما ساءت الامور معهم ولم يتقيدوا بالأسس والانظمة المتبعة في المنطقة بعد ان عمدوا الى تفعيل النشاط الحزبي في المنطقة الامر الذي رفضناه وعادوا ادراجهم الى بيروت مع الشكر . الجدير بالذكر ان هذه المجموعات هي التي حملت معها الى بيروت شعار جيش لبنان الحر كتذكار من المنطقة والذي استعمله البعض كغطاء له وللتمويه خلال ارتكابه مجزرة صبرا وشاتيلا  .
المحطة الثانية كانت عام 1984 بعد التحاق عناصر من منطقة كفريا في البقاع الغربي بالجيش الجنوبي ولكنهم بقوا على اتصالهم الحزبي في بيروت ( الكتائب )ولم يتقيدوا بأوامر وتوجهات الجيش الجنوبي بعدم النشاط الحزبي وهذا ما اوقع الخلاف بين هذه السرية التي كان يقودها الحاج "نقولا" وسرية راشيا الوادي التي كان يقودها نبيه ابو رافع وبالتالي ادت هذه الخلافات الى فرط عقد سرية كفريا والحاق عناصرها ببقية قطاعات الجيش الجنوبي وعودة القسم الاكبر منها الى بيروت .
المحطة الثالثة وكانت خلال سنوات التسعينات حين حاول السيد اتيان صقر رئيس حزب "حراس الارز" بتفعيل النشاط الحزبي في منطقة جزين بعد انتهاء مهمة قائد كتيبة جزين " طوني نصار "والذي كان محسوبا على حراس الارز ولكنه قوبل بالرفض من قبل قيادة الجيش الجنوبي وبالتالي غادر جزين لفترة ثم استقر في بلدة دير ميماس الحدودية حيث حاول حراس الارز الامتداد الى منطقة حاصبيا ولكنهم قوبلوا بالرفض من قبل القيادة تنفيذا للقرار الاساسي بعدم السماح للأحزاب بالعمل السياسي والحزبي وبعدها غادر السيد صقر نهائيا الى الخارج .
المحطة الرابعة وكانت عام 1996 حين حاول المقدم نبيه ابو رافع والذي كان قائد اللواء الشرقي في الجيش الجنوبي ( بعد استقالته من الجيش عام 1995 ) والسيد رياض العبدالله مسؤول جهاز امن الخيام ، حين حاولا اقامة حزب سياسي داعم للجيش الجنوبي باسم " الاصل " . بائت المحاولة أيضا بالفشل بعد ما اتهموا بمحاولة انقلاب على اللواء لحد قائد الجيش الجنوبي وغادر بعدها رياض العبد لله الى الخارج في حين عاد المقدم ابو رافع الى الجيش بعد سنتين من الحادثة .
لم يكن جيش لبنان الجنوبي منتميا الى اي حزب في لبنان ولم يكن ابدا مواليا لأية جهة سياسية ، نعم كنا على نفس الطريق الاستراتيجي لبعض القوى في لبنان من مبدأ الحرية والسيادة والاستقلال ولكننا كنا مميزين في هذه المراحل كلها فلم يكن الجيش حزبيا ولا طائفيا ولا مذهبيا فقد انتمى اليه المسيحي والسني والشيعي والدرزي وكانوا جميعا على قدم المساواة بالتضحية وبذل الغالي والنفيس من اجل الوطن .

السؤال الثاني : بعض الناس صنفكم عملاء ، والبعض الاخر قال انكم خارجون على القانون ، وآخرون قالوا انكم اضطررتم لذلك ، وقسم قال انكم فعلتم الصواب وانكم اللبنانيون المخلصون للوطن . من انتم ؟
اخي السائل
انه تاريخ طويل بل انه تاريخ الوطن الصغير المختصر ببضعة سنوات غيرت مستقبل الاجيال كلها ووضعت اكثر من علامة استفهام حول كل مرحلة وكل مفصل من تلك الحقبة .
صديقي ، دعنا نبسط الامور قدر الامكان ونبتعد عن المفردات الفلسفية والكلمات المتقاطعة ، وكما يقولون عدم الاختباء " بخيال الاصبع " . نعم لقد تعاملنا مع إسرائيل علنا – ومن فوق الطاولة – تدربنا فيها وتسلحنا منها ، عالجت جرحانا مدنيين وعسكريين ، حتى ان هذا الامر بالذات تعدى الجنوب الى الوطن كله ،نعم نحن الجيش الجنوبي كنا بتحالف تام ووثيق مع دولة اسرائيل وكان الهدف الاساسي حماية المنطقة الحدودية من سيطرة المنظمات الفلسطينية ثم تطور الامر الى فكرة السلام الشامل بين لبنان واسرائيل . هذا هو باختصار الخط الذي سلكه الجيش الجنوبي مع بعض المنعطفات هنا وهناك لم تغير في النهج ولا المبدأ.
اذا لنبدأ بداية صحيحة واعتقد ان غالبية اللبنانيين لا يعلمون جيدا بتسلسل الاحداث او ان النسيان قد طغى على تلك السنوات وباتت الحقيقة فيها من باب التكهن .
تاريخ 3-11- 1969 ابرمت الدولة اللبنانية بشخص قائد الجيش اللبناني آنذاك العماد اميل البستاني اتفاق القاهرة مع منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة السيد ياسر عرفات واعطت بموجبه حرية التصرف في منطقة شرق نهر الحاصباني " فتح لاند" لشن الهجمات المسلحة على الاراضي الاسرائيلية وسرعان ما توسعت منطقة "فتح لاند" لتشمل معظم مناطق الجنوب الحدودية . هذا الاتفاق اعطى صك ملكية الحجر والبشر لأبو عمار وسائر الابوات الكرام وابتعدت الدولة عن جنوبها وعن ابنائها بل انها باعتهم لقاء ثلاث ليرات لبنانية يوميا مقابل كل مقاتل فلسطيني ومجاهد يصل الى الجنوب لتحرير فلسطين والمقدسات . اذا تخلت الدولة عنا بشكل تام ومباشر وبما لا يقبل الشك ابدا حتى  اذا اراد مواطن ما من زيارة الجنوب عليه ان يستحصل على اذن اولا من المراجع المختصة الفلسطينية ، وهذا من سخرية القدر الذي وضعتنا فيه امنا الحنون .
مطلع عام 1976 انطلق الملازم اول احمد الخطيب من ثكنة حاصبيا ليعلن سقوط الدولة من الجنوب وفرط عقد الجيش اللبناني النظامي وتأسيس جيش لبنان العربي .
صيف 1976 سقطت كل ثكنات الجيش اللبناني بأيدي المنظمات الفلسطينية والاحزاب اليسارية اللبنانية .
 اصدرت قيادة الجيش اللبناني مذكرة خدمة رقم 589 /اع/س بتاريخ 22/3/1976 تقضي بإنشاء تجمع عسكري في بلدة رميش اسوة بتجمع القليعة ليلجأ اليهما العسكريون في المنطقة الحدودية . هذان التجمعان اللذان اصبحا النواة الداعمة للميليشيا الحدودية التي حملت السلاح مرغمة للحفاظ على الارض وبالتالي اصبحت هذه القوات مجتمعة "جيش لبنان الجنوبي " .
التجأ الجميع الى اسرائيل طلبا للدعم والمساندة وخاصة للمواد الغذائية والاسعافات والطبابة بعد الحصار الذي فرضته المنظمات الفلسطينية والاحزاب اليسارية .واذكر هنا كلمة للرئيس اللبناني الراحل الياس سركيس عندما قال : ان انقطاعنا عن الجنوب واهله وتركه يدير شؤونه بنفسه وعدم مد يد العون والمساعدة له ، اهدينا اسرائيل فرصة ذهبية وتاريخية للتدخل في شؤونه وبالتالي بالشؤون اللبنانية والدخول الى قلب اللعبة والمعادلة .
اواخر تشرين اول 1976 وصل الرائد سعد حداد الى المنطقة الحدودية ( وهو ابن بلدة مرجعيون ) عن طريق اسرائيل مرسلا من قبل الدولة اللبنانية وقيادة الجيش اللبناني ليقود الميليشيا الحدودية وبقايا عناصر الجيش النظامي المنحل وبدأ مهامه بعد استلام القيادة من النقيب في الجيش اللبناني غسان حمصي (ابن بلدة برج الملوك ).
حضرة السائل الكريم
اذا كانت الدولة اللبنانية غير راضية على اتصالنا بإسرائيل، فهل كانت لترسل رائدا في الجيش النظامي ليقود المنطقة وعبر اسرائيل ؟ ولماذا لم ترسله بواسطة قوات الامم المتحدة الموجودة آنذاك " قوات الهدنة " ؟ اضف الى ذلك ، ان رواتب عناصر الجيش اللبناني والمساعدات الاخرى للميليشيا كانت تصل الينا عبر وسيط فلسطيني من اقرب المقربين للسيد ياسر عرفات وعن طريق اسرائيل واحد البنوك الرئيسية فيها . فكيف نفسر هذا ؟
هل نحن من بادر الى التحالف مع اسرائيل عنوة ورغم انف الدولة ؟ام هي دولتنا التي قادتنا الى هذا التحالف ليس فقط بغض النظر عنه بل بالدخول فيه مباشرة كطرف رئيسي ؟ اؤكد لك سيدي باننا وجدنا انفسنا في آخر الطابور من المتعاملين مع اسرائيل من اشقائنا العرب ومن اخواننا في الدولة اللبنانية والاحزاب اللبنانية على اختلافها جمعاء .
بعد اجتياح عام 1982  ووصول اسرائيل الى بيروت وخروج السوريين منها والفلسطينيين ، بدأت جحافل المسؤولين اللبنانيين رسميين وحزبيين تصل الى المنطقة الحدودية ومنها الى اسرائيل ، قسم للمحادثات السياسية ، وآخر لأعمال التجارة والسياحة ، وقسم للاستجمام والراحة ، وبكلمة مختصرة " من لم يتعامل مع اسرائيل فليرجمنا بحجر" ، واذا كان سيحاكم كل من تعامل مع اسرائيل فان لبنان كله سيحاكم ، واعذرني عن عدم امكانية سرد اسماء واسماء كبيرة وكبيرة جدا ، ليس من باب الخوف او الكتمان بل من باب طي صفحة الانقسام والتخوين وعدم الرجوع الى ما ليس منه منفعة ، كلهم تعاملوا وكلهم غطسوا حتى راسهم ،،،، والله ولي التوفيق .
بقينا حتى عام 1991 على اتصال وثيق مع كافة اركان الدولة اللبنانية وحتى بعد فشل اتفاق 17 ايار وبعد اتفاق الطائف ، نتبادل الآراء والمعلومات والتطلعات المستقبلية وكنا نضع في كل مرة انفسنا وكل امكانياتنا في خدمة الدولة اللبنانية ، مهما كانت هذه الدولة ومهما كانت توجهاتها وخط سيرها ضاربين بعرض الحائط بعضا من مواقفنا ومبادئنا وكل ذلك في سبيل انهاء وضع قيل عنه انه شاذ او غير صحيح ، وقبلنا رغم تحفظنا على غالبية الاوصاف وآثرنا الاصطفاف خلف الدولة لا الى جانبها ، حتى امر المحتل السوري بوقف كل اتصال معنا اي مع الجيش الجنوبي ، حتى ان الدولة اللبنانية رفضت وبإيحاء، منه استلام منطقة جزين منا عام 1992 كهدية من الجيش الجنوبي وكعربون التزام وولاء للدولة الناشئة الفتية بعد الحرب الاهلية ايام الرئيس الراحل الياس الهراوي . فهل هذا يعني باننا خارجون عن القانون ؟ هل بقاء الجيش اللبناني في جزين وباقي المنطقة الحدودية والامن الداخلي والامن العام والمحاكم المدنية والشرعية وكل مرافق الدولة ، على احسن حال وتعمل كالمعتاد وتتلقى منا الدعم المالي واللوجستي ، هل هذا يعني باننا خائنون وعملاء ؟
ماذا تظن عزيزي القاريء بالذي تعامل مع سوريا ( نظام البعث ) ، هل كان لمصلحة لبنان ؟ وهل هو عميل سوري ام لا ؟
هل الذي تعامل مع ايران كان لمصلحة لبنان ام لمصلحة دينية وايديولوجية "الولاء لولاية الفقيه " ؟ وهل هو عميل ايراني ام لا ؟
هل الذي حمل السلاح مع الفلسطينيين في المخيمات وخارجها كان لمصلحة لبنان ؟ اليس هو عميل فلسطيني ايضا ؟
هل الولاء للعرب وعلى اختلاف طرق هذا الولاء كان لمصلحة لبنان ؟ ام انهم جميعا كانوا عملاء العرب والعجم والتتر والافرنج والسند والسيخ والمغول وما الى ما لا نهاية له من .......
عزيزي السائل
نحن شعب حُرم من كل حقوقه المشروعة , تركته دولته وباعته بأبخس الاثمان ، نحن شعب ابى الا ان يبقى على حريته وكرامته فدفع كل غالي ونفيس في سبيل ذلك ، نحن لبنانيون جنوبيون فخورون بما كنا عليه ، وبما نحن عليه ، وبما سنبقى عليه ، والحقيقة كالروح لا تموت ابدا .

الأحد، 15 يناير 2012

حوار الطرشان

                                  
ما من شك ابدا ، بان اللغة وجدت لتسهيل تفاهم الانسان مع الاخر ولتسهيل تفاعل المجتمعات مع بعضها البعض . انها وسيلة الاتصال الوحيدة الفعالة بين البشر ، بها يتفاهمون وبها يتعلمون ، يتقاتلون ويتصالحون ، يصلّون ويكفرون ، وبالتالي ان الحوار سيكون الوسيلة الفضلى للوصول الى قاسم مشترك لمواقف متباعدة او الرسو على حل ما يرضي الاطراف ويبعد شبح التناحر والتباعد والقرارات المنفردة . ان اولى شروط الحوار هي اللغة الواحدة المفهومة المضبوطة والنية السليمة الصافية والحسنة والمساواة في الحقوق والواجبات .
ان هدف الحوار هو الوصول الى نتيجة مهما كانت هذه النتيجة ، فبمجرد الوصول اليها يعني ان الحوار قائم وفي الطريق الصحيح . لا حوار بدون صعوبات ومناقشات وضجيج ، وحجج واقناع ، هكذا هو الحوار والذي يصبح جزء من الديمقراطية ومن الثوابت الوطنية .
ان نجاح طاولة الحوار يعتمد على ثلاثة اسس رئيسية :
اللغة ، الاطراف المشاركة ، الاهداف ،
لا شك اطلاقا بان السياسي اللبناني هو من اشد السياسيين في العالم الماما بالموضوع الذي يثيره ، وقد اثار اعجاب النقاد والمتابعين لمجريات الاحداث ليس في لبنان فحسب بل في الشرق الاوسط عامة . نعم لقد اثار السياسي اللبناني اعجاب الجمهور لشمولية اختصاصاته وتشعبات علومه ووقوفه على كل شاردة وواردة وتبصره بكل صغيرة وكبيرة . انه خبير اقتصادي وعالم جيولوجي ، رائد في الفضاء الخارجي وغطاس الاعماق في البحار والمحيطات ، مفكر فلسفي ، ملم بالأديان كلها ، حافظ سيرة الانبياء والرسل والقديسين ، انه فقيه لغوي وخبير استراتيجي ، خبير بحوادث الطرق ومحلل مالي ويسير حسب التوقعات يحكي اللغات ويكتب الشعر ، يتكلم عن كل شيء ويغمس اصبعه في كل شيء مطبقا شعار " توما " . انه محاور على جميع المحاور ، ضليع بمحاور الطول والعرض ، وبالمحاور الداخلية والاقليمية والعالمية ، سيد التاريخ والجغرافيا يستخلص العبر وينتقي الاصح . انه المحاور اللبناني الذي عصر الديكتاتورية واستخرج منها مزيج الديمقراطية التوافقية المطعمة بالعقائدية والعروبة والقومية , هذا هو المحاور اللبناني الذي قلب طاولة الحوار من مستطيلة الى مستديرة وما لبثت ان اصبحت مخروطية برأس معتمر وبقاعدة التبعية .
اخي القاريء
هذا المحاور الذي ادهشنا بطلاقة لسانه وتناسق الفاظه ، هل بإمكاننا معرفة اية لغة يتكلم ؟ وهل يتكلم في الحوار باللغة اللبنانية ؟ ربما هذا السؤال يُضحك بعض الشيء ولكن فعلا هل يتكلمون اللغة اللبنانية ؟ ام انهم جاؤوا من خلفيات لغوية مختلفة تتقاطع فيها المصالح الاقليمية مع المصالح الدولية مع ما تبقى من مصالح وطنية ؟ نعم وللأسف ان المحاورين لا يتكلمون نفس اللغة لان ولاءهم للغة اخرى لا تتماشى مع القاموس اللبناني . فماذا ننتظر من طاولة الحوار ؟ وهل يمكننا قراءة ما ينتج عنها بلغة نفهمها ؟ فيا حبذا لو اصبح القرار الاول هو بجعل اللغة اللبنانية اللغة الرسمية لطاولة الحوار ولتنطلق بعدها المسؤولية الوطنية الشاملة باتخاذ القرارات المصيرية .
ان الحوار هو الورقة الاخيرة التي يمكن لعبها سياسيا ووطنيا بعد تعطل المؤسسات الرسمية المكلفة بتسيير امور الدولة .ربما يأتي الحوار في بعض الاحيان كضرورة لقول كلمة الفصل في بعض الامور المصيرية نتيجة عدم امكانية اجراء استفتاء عام  كما تنص الديمقراطية الحقيقية ، وبالتالي يمكن ان يكون الحوار كإتاحة الفرصة لفئة متعلمة اكاديمية مستقلة لا تربطها سياسة او محور او تحالف وتقول ما عندها بكل صراحة وبدون ضغط او مسايرة لهذا او ذاك  لتساعد السياسيين على اتخاذ قرارات صائبة ومفيدة .بالنسبة الينا في لبنان فان السياسيين هم المحاورون وهم المقررون وهم المنفذون وايضا هم المعترضون  لذلك نرى ان مصالحهم تأتي دائما فوق مصلحة الحوار نفسه وهذا ما اصاب طاولة الحوار عندنا التي عُطلت من اعضائها ودُمرت من داخلها .
كثيرون رأوا ان الخلاف على احقية المشاركة هو ما افسد مقررات الحوار وبالتالي افشلها وان استثناء البعض منها كان له المردود السيء على مجريات النقاش ، وباتت نقاشات الساعات الاولى هي عن الذي يحق له الجلوس وزرعت هذه المشكلة في الشارع اللبناني واصبحت المادة الرئيسية للحوار الوطني فاذا تخطاها نجح الحوار واذا فشل اطاح بكل شيء لان التمثيل السيء سيجلب حتما القرار السيء .هواجس ربما تخطها الديمقراطية التوافقية بإسناد تمثيل بعض الفئات لفئات اخرى تدور في نفس الفلك السياسي ، ولكن الحقيقة ستبقى حقيقة وهي ان مقررات الحوار هي ملزمة شانها شان قرارات مجلس الوزراء والا ما الفائدة منها وعليه فان جميع المشاركين على الطاولة مباشرة او غير مباشرة ملزمون بتنفيذ المقررات دون تحفظ او تردد او تأجيل . والسؤال : اين نحن من هذا ؟
سنوات مرت على بدء طاولة الحوار وسنوات مرت على اتخاذ عدة قرارات ولم تنفذ خاصة القرارات المتعلقة بالسلاح الفلسطيني خارج المخيمات، لماذا ؟ اعتقد انه آن الاوان لوضع النقاط على الحروف وابداء بعض الرأي بصراحة تامة بالأفرقاء المتحاورين بأهدافهم وغاياتهم والقول حسب المثل اللبناني " اعور اعور بعينك " .
اننا نفهم جيدا موقف قوى 14 آذار من طاولة الحوار وهو موقف دأبت كل القوى المنطوية تحت رايتها على تبنيه وهو نزع سلاح حزب الله وجعله بإمرة الدولة اسوة بباقي الميليشيات اللبنانية ، ثم تحول هذا الموقف الى موقف اخف لهجة تحت عنوان "الاستراتيجية الدفاعية " آملين كلهم بان هذه الاستراتيجية  ستكون تحت امرة الدولة فقط وبالتالي فان سلاح الحزب سيكون ايضا بإمرة الدولة .هذه القوى متمثلة بتيار المستقبل والقوات اللبنانية ومجموعة كبيرة من الاحزاب والتيارات الاخرى .اما الفريق الثاني اي 8 آذار فهو فريق اساسه حزب الله وحركة امل وتحالف وثيق جدا مع الحزب القومي السوري الاجتماعي وجزب البعث الاشتراكي وبعض الحلفاء الذين هم بالأصل حلفاء سوريا في لبنان وهو متمثل بتيار المردة بزعامة سليمان فرنجية الذي اوضح تكرارا ارتباطه الوثيق والصداقة العائلية التي تجمعه مع آل الاسد في سوريا .
ان حزب الله وبعد الذي وصل اليه لا يمكن ان يتنازل عن سلاحه ابدا وتحت اية ضغوط او صفقة او اغراء وبالتالي ان سيطرته على لبنان بفضل هذا السلاح ستستمر وستقوى ، وان الشيعة وصلوا الى ما وصلوا اليه بدماء ابنائهم وقوة ذراعهم شئنا ام ابينا بذلك ، لن يتنازلوا لاحد عن هذا الامتياز الذي حلموا به منذ عهد الاستقلال وعانوا الامرين خلال العقود الماضية . اذا ان كل حديث عن نزع سلاح حزب الله اي نزع سلاح الطائفة الشيعية ( المقاومة حسب تعريفهم ) هو هراء وباطل ومستحيل ولا يمكن القبول به شيعيا بعد ما ذاقت طعمه الطيب وعاشت نتائجه الجيدة ، وان البحث باستراتيجية الدفاع عن لبنان ليس الا ترسيخا لهذا السلاح وتثبيته بأيدي حامليه شرعا وقانونا كما حصل فعلا بعد اتفاق نيسان عام 1996 الذي شرع عمل الحزب في لبنان تحت اسم المقاومة الوطنية اللبنانية .
ان موقف حزب الله واضح جدا وهو يعمل على تفادي اي انزلاق الى حوار يمكن ان يؤدي الى التفريط بهذا السلاح ولا سيما بعد ان اعطى النتيجة المطلوبة في الداخل اللبناني وارغم السيد وليد جنبلاط على تغيير تموضعه السياسي بعد اسقاط حكومة سعد الحريري . الخلاصة ان سلاح الحزب والحزب نفسه مرتبطان ارتباطا مصيريا وان بقاء الحزب من بقاء سلاحه فلا جدوى من المضي قدما في طاولة الحوار اقله في الوقت الحاضر ، وان الاشهر القادمة سوف تغير الاتجاهات السياسية في لبنان اذا ما سقط نظام الاسد في سوريا ، عند ذلك سيكون البحث في استراتيجية استيعاب حزب الله في الحياة السياسية اللبنانية دون سلاحه ودون تأثيره على الساحة اللبنانية ، لان السلاح سيصبح عبئا على صاحبه بعد انتهاء راعيه وغياب الهدف منه . اذاً ان هدف حزب الله من طاولة الحوار هو اضفاء الصفة الشرعية على السلاح وبالتالي استعماله وقت ما يراه الحزب مناسبا .
عزيزي القاريء
ان من يجلس الى طاولة الحوار لا بد من ان يعرف ماذا يريد والى اية نهاية يسعى او بالأحرى يحاول الوصول للأهداف التي رسمها من قبل . هنا لا بد من القول بان كل طرف ملزم بطرح مشروعه وافكاره واستراتيجيته وتكتيكه بين قيادته اولا وامام المواطن اللبناني ثانيا وذلك ليقف هذا الانسان المسكين ولو على حقيقة واحدة يدرسها ويفهمها ويقتنع بها وبالتالي يدافع عنها والا سنبقي بمقولة الراحل احمد الاسعد ( انا عم علّم كامل ليش بدكن تتعلموا ؟) .
اذا ما عدنا الى الاطراف المشاركة سنجد ان حزب الله وحركة امل في صف واحد  يدافعان عن السلاح لأنه اكتساب بعد معاناة واصبح امتيازا وبالتالي اصبح من صلب الوجود الشيعي في لبنان واحد اذرع الثورة الايرانية الشيعية .في مقابل هذا الموقف نجد تيار المستقبل ينادي بنزع هذا السلاح وجعله تحت امرة الدولة اي تحت امرته هو بالذات وذلك لكسر شوكة الشيعة الذين فاقوا السنة عددا وقوة وهذا غير مقبول لبنانيا ولا عربيا . تجلس القوات اللبنانية على راس فكرة القومية اللبنانية والمقاومة اللبنانية الاساسية في وجه التوطين الفلسطيني والوجود الفلسطيني المسلح والانعتاق من السيطرة السورية وحلفائها على لبنان والخروج بلبنان سيد حر مستقل وسيطرة الدولة على كامل تراب الوطن . هذا بالإضافة الى الكتائب اللبنانية التي تحاول جاهدة اعادة دورها الريادي في الصف المسيحي بعد ما منيت به من انتكاسات عسكرية وسياسية على مدى سنوات الحرب اللبنانية وسنوات الهيمنة والتسلط . ان الكتائب والقوات يَعتبران انفسهما ممثلا الشارع المسيحي الحر في لبنان الذي يريد الدولة خيارا ومرجعية ويريد انهاء السلاح الغير شرعي اكان لبنانيا ام فلسطينيا . آخر مقاعد الطاولة المستديرة اذا صح التعبير يجلس الدروز الى طاولة الحوار بعد فقدانهم امتيازات عديدة بعد اتفاق الطائف ومحاولين وضع انفسهم كالزئبق الذي يؤمن التوازن بين الفرقاء كافة ، انهم (كبيضة القبان ) وابرة ميزان القوى بين الكتل كافة. المميز بالدروز انهم ما زالوا وحدة واحدة رغم محاولات تقسيمهم وشرذمتهم كصف درزي طائفي واحد . تيار المردة يقف في صف النظام السوري ولا يحيد قيد انملة وذاك نابع من موقف فرنجية الجد من عائلة الاسد وما تربطهما من علاقة قوية استمرت مع فرنجية الحفيد . ان موقف تيار المردة لا يبعد كثيرا عن موقف اليسار اللبناني عامة وهو مع حزب الله وحركة امل وباقي التيارات الاخرى طالما هي في فلك النظام السوري . يبقى التيار الوطني الحر الذي يعرف ماذا يريد من طاولة الحوار ولكن لا احد يعرف من الناس ماذا يريد التيار الوطني الحر من نقاشات والى ماذا يسعى ومن اجل من يحارب . انه ليس من 14 آذار وليس من 8آذار ، ليس وسطيا ولا طائفيا ولا مذهبيا ، بعيد كل ابعد عن التطرف همه الوحيد الاصلاح والتغيير . كلها شعارات رنانة وطنانة تزعج الاذن بدل ان تطربها يستغربها العاقل ويطبل لها الجاهل . لست ضد التيار ابدا ولا زلت مصرا على انه المسؤول الاول عن ايقاظ الحس الوطني والتحرر من الهيمنة السورية وله الفضل في ايصال لبنان الى الساحة الدولية وما انتجت من قرارات خدمت القضية اللبنانية ولكن :اين التيار الآن من كل هذه الانجازات ؟
عزيزي القاريء
اريد ان اخاطب جمهور التيار الوطني الحر وان اطرح عليه بعض ما عندي من هواجس وملاحظات حول مسيرة التيار السياسية في لبنان وما نتج عنها من تغيرات طالت الشارع المسيحي الماروني بالدرجة الاولى. لنبدأ بورقة التفاهم بين التيار الوطني الحر وحزب الله والتي عرفت "بوثيقة مار مخائيل"  هذه الورقة المثيرة للجدل التي طبل لها التيار معتبرا انه استطاع اختراق الحزب وجذبه ناحيته اي ناحية الاصلاح وانه على قاب قوسين من تغيير في نهجه والدخول في لعبة الدولة والمؤسسات الديمقراطية وهذا ما اقنع التيار مناصريه به واعتبروه انتصارا لهم في انتزاع الحزب من الآخرين ويقصد هنا الحلف الرباعي . ان حزب الله من جهة ثانية يعتبر هذه الورقة نصرا له واعطاها بعدا طائفيا اكثر منه سياسيا بحيث امنت له الغطاء المسيحي مجانا لسيطرته على لبنان . وانا اسأل مناصري التيار الحر : ماذا حصل التيار في مقابل هذه الورقة ( الغطاء )؟
لنطرح الموضوع بكل وضوح وشفافية. ان وجود التيار الوطني الحر على طاولة الحوار ليس الا تكملة لورقة مار مخائيل واستمرارية الغطاء المسيحي الماروني للحزب بحيث ان غطاء تيار المردة لا يلبي الحاجة المطلوبة كونه اصلا موالي لسوريا قبل وجود التيار. اذا ان وجود التيار ليس لمطالب تخص التغيير والاصلاح ولا تخص الشعب اللبناني بل تخص عدة امور اخرى وعلى راسها رئيسه العماد ميشال عون بالذات في طموحه المستمر والمستميت لرئاسة الجمهورية . اود ان اطرح وان اسأل :
هل وجود التيار الوطني الحر في طاولة الحوار هو لمنع حزب الله من السيطرة على لبنان ؟؟؟ لقد سيطر ولم يحرك الحزب ساكنا .
هل وجوده على طاولة الحوار لمنع الحزب من استعمال سلاحه في الداخل ؟ لقد استعمله ولم يرف جفن واحد للتيار.
هل وجوده لمنع السيطرة الجغرافية للحزب على الاراضي المسيحية المارونية بالذات ؟ عُقدت صفقات عديدة وما زالت صفقات قيد الدرس والتيار الوطني الحر يرحب بل يدافع عن حرية كل شخص ببيع وشراء ما يريد.
هل وجوده على طاولة الحوار للإصلاح وهو يعلم ان لا اصلاحا تحت تهديد السلاح ؟
هل وجود التيار على طاولة الحوار هو لتعزيز النفوذ المسيحي ؟ واين اصبح المسيحيون اصلا قبل البحث عن نفوذهم .
ماذا فعل التيار بالسلاح الفلسطيني خارج المخيمات ؟
هل المصالحة مع سوريا كفيلة بإزالة كل المصائب التي خلفها النظام السوري في لبنان ؟ وهل كلمة انفتاح ساعدت على فتح السجون السورية لإطلاق سراح مئات اللبنانيين المحتجزين منذ عشرات السنين دون وجه حق ؟ لماذا ايد التيار حزب الله في مساعيه لإطلاق سراح المسجونين في اسرائيل من خلال حرب مؤلمة ومريرة ولا يحرك ساكنا لا مع الحزب ولا مع سوريا لإطلاق سراح اللبنانيين في سوريا ؟ ربما ان اللبنانيين في سوريا لا يحق لهم الحرية كونهم عند شقيق ولا خوف عليهم .
مئات من الاسئلة برسم الاجابة من التيار الوطني الحر خاصة لان من يدعي انه يمثل الشارع المسيحي في لبنان وانه يمثل الاصلاح والتغيير ، وانه يمثل القدرة على التعاطي مع كافة الملفات وانه الوحيد الذي يستطيع نبش قبور الفساد واحياء الحق والعدل  . ان من يدعي كل هذا عليه ان يجاوب الكثيرين من اللبنانيين على الاقل لإقناعهم بصدقية رايه وثبات خطاه .
لا اجوبة عند التيار ولا حجج لأنه لا توجد اصلا استراتيجية سياسية واضحة سوى الكلام والصراخ ونبش الملفات ، والمضحك المبكي في آن هو ذاك الصراع وتلك المعمعة لدى استلام كل وزير من التيار الحر لوزارته بدءً  بالمدير العام وصولا الى اصغر اجير مع اقتحام المكاتب والطوابق وطرح المشاريع وسحبها الى ما لا نهاية لهذا اللعب . الا يحق لي كمواطن ان اضحك وان ابكي وان اطالب بالكف عن هذه السخافات ؟ الا يوجد في الحكومة غير جبران باسيل وشربل نحاس ونقولا صحناوي؟ (مع حفظ الالقاب والاحترام) ، الا يكفي اللبنانيين غيرة وحرص وزير الدفاع السيد فايز غصن على مصالح الوطن والمواطن من وجود القاعدة في عرسال ؟ الا يكفينا وجود الرئيس الحريري على تويتر لإدارة دفة المعارضة عن قرب ؟الا تكفي سرماية وئام وهاب لحفظ ماء الوجه ؟الا تكفي فتيلة ناصر قنديل لإضاءة دروب الظلام امامنا ؟؟؟؟؟؟
حبذا لو اتخذت قوى الرابع عشر من آذار وباقي القوى في لبنان قرارا جريئا بالصعود الى الرابية (مدينة الفارابي للتغيير والاصلاح ) وابلاغ العماد عون بقرار ترشيحه للرئاسة الاولى ، بحيث ان لا خسارة بهذا الموضوع ابدا فالرئاسة الاولى على حالها ليست بمطمع ولا بهدف لأي مرشح جدي ، وان وضع حلفاء العماد عون في موقع المواجهة معه هو امر جيد ومريح للجميع ولنرى امكانية مساعدته على استرجاع صلاحيات وقيمة موقع هذه الرئاسة وان نجح فسنقول حتما ان التيار قد احدث تغييرا واصلاحا وان الحلفاء التزموا ووفوا بتعهداتهم تجاه بعضهم البعض وان العماد عون هو رجل المرحلة بل كل المراحل وسوف ادعو بكل فخر الى ابقائه رئيسا مدى الحياة اعترافا له بتضحياته الجسام ، واذا اخفق بذلك فسيكون مصير التيار على المحك ضمن الخارطة السياسية اللبنانية بحيث انه وصل الى هدفه وانتهى .
ان رؤية مغاوير طاولة الحوار وكأنهم رعاة بقر انتهوا من السطو على بنك دسم ويحاولون اقتسام المال كل حسب قوته ونسبة مشاركته في العملية ،وجاءت اخيرا كلمة الحق لغبطة البطريرك بان لبنان اصبح دويلات واهل الحكم فيه يتقاسمون خيراته وميراثه ، فيا حبذا لو تكرم علينا الاعلام اللبناني واعطانا فرصة يعفينا من خلالها سماع كلمة طاولة حوار حتى اشعار آخر ونحن له من الشاكرين .
بالنسبة الى تيار المستقبل فلا جديد على صعيد تطلعاته واستراتيجيته المستقبلية ، فهو يمثل (الدبكة الخيامية )- نسبة الى بلدة الخيام – في نضاله السياسي اي انه واقف بمكانه ، وهو يشبه المصارع الحديث الذي اكتمل جسده عضلا وقوة ولكنه يخسر دائما كل نزال لقلة الخبرة وانعدام التجارب لديه ، واعتقد انه الى حين تعلمه الحيل السياسية وزواريب المراوغة والاقتناع بان القوة ليست بالكلمة دائما ، سيصبح للكثيرين عضلا وقوة وبأسا يشاطر تيار المستقبل القيادة والسيطرة. لا احد في لبنان لا يريد العدالة ومعرفة من قتل الرئيس الحريري ورفاقه وباقي الشهداء ، ولكن تيار المستقبل قد اصبح اسير هذه المعرفة وارتبط قراره السياسي ومسيرته السياسية والعمرانية والاقتصادية بالعدالة وتطبيها وبالتالي اصبح المواطن اللبناني المؤيد والرافض على حد سواء يعاني من هذه المواقف ، العدالة او لا شيء واعتقد ان التطرف بالوطنية كفقدانها تماما والتطرف في التمسك بشيء وترك الكل خلفه هو تطرف اعمى ، فالرؤساء يأتون ويرحلون وتبقى الاوطان ولكي تبقى ايها الاخوان علينا ابقاء الأنسان كانسان وليس كسلعة ولا اجير مبدأ او عقيدة ،  تماما كما الحال مع حزب الله "المقاومة هي كل شيء" .هذا العقم السياسي تجلى اكثر من مرة في تخبط السياسيين اللبنانيين وخاصة عند كل تحدي وعند كل مفترق حكومي او انتخابي . ازاء هذه العقلية وهذه المواقف الجامدة ، هل تستطيع طاولة الحوار ان تزحزح هذا الجمود ولو على سبيل المجاملة ؟
قطبان آخران بقيا على الساحة الحوارية نبيه بري ووليد جنبلاط ، حليفان وصديقان رغم كل شيء ، يمارسان اللعبة السياسية بالفن وروح النكتة ، مواقفهما تحير وسرعان ما تُغير ، لهما اسلوب مختلف يؤثران على مجريات الامور ، ولكن : اعتقد ان حركة امل قد اقتنعت اخيرا ان حزب الله سينتزع منها الشارع الشيعي نهائيا وان سلطتها على الارض باتت مهددة وضعيفة وغير مجدية ، لذلك تسعى الحركة الى استقطاب واستيعاب اجيال شابة من الشيعة ذات الخلفية اليمينية –اي من اليمين الشيعي التقليدي – وذلك بإظهار الوسطية السياسية لدى الحركة وهذا بالتعاون مع الحزب الاشتراكي الذي يسعى رئيسه الى الوسطية وتثبيتها كقوة ثالثة بين 8 و 14 آذار . اننا على ابواب تحالف درزي – شيعي- مسيحي واغلب الظن في مرحلة ما بعد الاسد في سوريا ، الرئيس امين الجميل والرئيس نبيع بري والاستاذ وليد جنبلاط ، هذا الثلاثي الوطني بامتياز هو الذي سيلعب الدور الرئيسي في طاولة الحوار المستقبلية .واعتقد ان هذا الحلف الوسطي هو الذي سيحل محل المثالثة الطائفية- المذهبية "الشيعة – السنة – الموارنة " وستبرز طاولة الحوار على صورة القوى السياسية وليس القوى الطائفية ، وستعقد اولى الجلسات الى طاولة مثلثة الابعاد : اليمين واليسار والوسط . هكذا ربما يمكننا العودة الى اللعبة الديمقراطية الصحيحة .
اننا نشهد الآن الفصل الاخير من حياة النظام السوري وان الخيارات امامه باتت محصورة بخيارين اثنين فقط :
الاول : تنحي الرئيس بشار الاسد وسفره الى الخارج وانتهاء حكم العلويين وبالتالي انتهاء حقبة حزب البعث .
الثاني :انزلاق سوريا الى حرب اهلية وهو خيار غير مستحب لا لدى العرب ولا الاوروبيين ولا الإيرانيين الذين وسعوا رقعة التدخل في الشأن السوري واعطوه البعد الدولي وخاصة مع بدء المناورات العسكرية الايرانية في الخليج والتهديد بإغلاق مضيق هرمز ، كل ذلك هدفه ابعاد اعين العالم عما يجري في سوريا وابعاد الاهتمام العالمي عنها ولو لبعض الوقت من خلال شغل العالم بقضية الملاحة والبترول ، اضف الى الخوف الايراني الحقيقي من نجاح الثورة السورية وانتقالها الى الشارع الايراني الذي سيتأثر بها لا محالة . لا هذا ولا ذاك سيساعد النظام بشيء لان الشعب السوري قد اتخذ قراره بالمضي قدما بالثورة حتى اسقاط النظام والتحول نحو الديمقراطية والحرية وتقرير المصير .
لا بد من الرجوع الى الواقع الحقيقي للذي يحصل في لبنان ، واتمنى على كافة الاحزاب والتيارات ان تعقد طاولة حوار داخلية بين قادتها لاتخاذ الخطوات السياسية الثابتة ورسم الطريق للوصول الى اهدافها ، ومن ثمَّ عقد طاولة حوار بينها وبين قاعدتها الشعبية لاطلاعها على خططتها ودراستها واقناع الشارع بها قبل الذهاب الى طاولة الحوار الوطني .
كلنا امل بان نرى حوارا سياسيا سليما لا تشوبه لغة ولا ينقصه تمثيلا ولا يفتقر الى هدف ، ولا تعطله حاسة سمع ، ولننسى "حوار الطرشان ".                            

الأحد، 1 يناير 2012

علاّقة

حزين وكئيب ، وكأن هموم الدنيا فوق كاهله المُثقل اصلا بسنوات طوال من العمل والجد والكد . جلس شاهين ينظر الى الافق البعيد ، ينفخ ما استطاع من نفس ليوقد موقدا شارف على ان يخمد ، محاولا تحضير فنجان قهوة تحت تلك السنديانة العتيقة التي شهدت ولادته وولادة ابنائه واحفاده .
قصة شاهين قصة طويلة وطويلة جدا ، كقصة السنديانة نفسها بدأت منذ فجر التاريخ حيث كان لشاهين الطموح لما يريد ، والارادة لما يريد ان يكون . ترعرع على حب الطبيعة من الارز وشجرة الليمون الى السنديانة الى نبتة التبغ التي شربت من عرقه لتعيش قبل ان يشربها وينتهي .
جلست بقربه محاولا ان احرك الصمت وان ادفع بالحروف لتجتمع علّها تطلق كلمة تكسر هذا الهدوء المقلق ، نظر اليّ ثم نظر ثانية فقلت له نعم وكأني احثه على مشاركتي بعض ما يعانيه . ثبت لبادته على راسه وشد زنار سرواله وانحنى على الارض وحمل حفنة تراب وتركها تنساب من بين اصابعه تاركا للريح حرية العبث بها وتنهد قائلا :عليها ولدت ، ولأجلها عشت ،وسأعود اليها كلما اشتقت ، زرعت فيها الامل وسقيتها الرجاء ، حصدت منها الثبات وفخر الولاء،، انها الارض ، انها الاصل ، انها الزمن الذي لا ينسى ، والقدر صاحب الباع الطويلة ، والايام كثر ولكنها قليلة .
حملني شاهين من حاضري وقدمني للحقيقة ، وسلمني للزمن وخبأني في الذاكرة ، وما بينهم مشوار طويل ، تعاقبت عليه الامطار والرياح ، ولونته الثلوج وصدعته زلازل ، مسيرة بثبات الى انزلاق الى مراعاة خواطر ، ثم خرق المحظورات واباحة المحرمات .
صعد شاهين ذاك الجبل الشامخ وقال اتبعني ولا تسأل ، تأمل ولا تتكلم ، دع الصمت يخبرك والعبرة تقنعك ،صعدنا ببطء وثقل ووجل ذلك السفح المنقش بشقائق النعمان وورق الغار ، تنبسط تحت الصنوبر والشربين ، تحاول عصر الزيتون وسلق البلوط لتمد ساكني هذا الجبل بعصارة الخلود .حديقة غناء ورياضٌ معلقة تزاحم الغيوم في ملعب السماء ، كل شجرة تقصُّ قصة وهي القصة بذاتها نقلناها جيل بعد جيل الى ان اصبحت اسطورة ، والاسطورة حقيقة ، والحقيقةُ تقال ان الحقيقة كذبة بيضاء احتراما لأبطال الحقيقة .
لم اتمالك نفسي بالرغم من شدة بأسي ، وحبست انفاسي الى ان فلت مني صمام المعرفة وثار بركان صدري وصرخت :يا الله ،،،يا الله ،،،وكانت صرخة من الاعماق ايقظت الشواهد ، وتحركت من تحت الثرى جذور اورقت حروفا واُلصِقتْ دروسا على هياكل كانت من الامس هامات يحسب لها .
جلست بالقرب من عود ثقبه الزمن ورشح منه قدر وافي من اجوبة لا اسئلة لها . من انت ؟ ولماذا ؟ وكيف ؟ ،،، بكيت وبكيت على خبر لا اعرف بدايته ، بكيت من قصص وروايات خُلّد صانعوها وغاب ذكر ابطالها ،ولكن من يتكلم ومن يجرؤ ومن يصدق ، لا احد كلهم شواهد ، والشاهد لا يتكلم لأنه لا يرى ولا يسمع بل يعظ ويهدي ويدل وينصح .
حمل شاهين معوله وراح ينبش التراب ويقلّب موجات من اسرار خبأها التاريخ والبسها النسيان ، وأكفهرّ وجه شاهين والعرق ينزلق على خديه مصطدما بمطبات رسمها الزمن وحفرها التعب والشقاء . وقف والتفت اليّ وقال : هذا منزل شهيد، وهناك آخر ، وتجمع آخر فوق ، وآخر ،،وآخر ،هل ترى ؟ هل ترى ؟ وبدأ يقفز ويقفز ويروح ويجيء متنقلا بين تلك القبور محركا الشواهد وكأنه يدق الباب او يطرق نافذة ووقف : هنا قاعة الامراء ، فخر الدين وبشير ، هنا من حارب العثمانيين وربما ندم ، وحارب الفرنسيين والتجأ اليهم ، وآخرين ، شهداء اصحاب واغراب ، عابروا سبيل ، اتعلم لم يصلّوا ابدا كانوا كفرة نعم كفرة ، كفرة بالطوائف والمذاهب ، مؤمنون بالله والوطن فقط ، لذلك سموا بشهداء . شاهين يركض ويتنقل ولا استطيع السيطرة عليه او مجاراته في الحركة رجوته ان يتوقف وقلت له : كفى بالله عليك كفى . جلس اخيرا ووضع راسه بين يديه ودموعه تبلل يده ، هنا سقط الرجال من كافة المناطق اتوا ليسقطوا عندنا من المنظمات والاحزاب والتنظيمات ، ابناء البلد وابناء الجيران ، اغراب احبوا الموت عندنا لأنه يجلب لهم الجنة والخلود ونحن اصحاب الارض واصحاب المهن الحرة خبراء الصلاة والدفن والتعزية ، ولا تنسى ابدا تشعب الثقافة عندنا نصلي بكافة اللغات وندفن حسب المعايير الدولية . لا ادري هل اتوا للدفاع عنا ؟ ام للدفاع عن قيم هم آمنوا بها ؟ شهداء من اجل لبنان ؟ واي لبنان ؟ ماذا قدم لهم لبنان بعد الشهادة ؟ هل هذا هو الوطن الذي ارادوه ؟ ام هذا هو الدور الذي لعبوه ؟ تعددت الاسباب وتبعثرت الجمل ، وتراكمت عبارات الحزن لفراق الرفاق ، علت الشواهد فوق بعضها علها تنهي ما قبلها وهكذا لوحة فوق لوحة وتاريخ فوق تاريخ لتجد طريقا الى مكتبة اعماق الضمير البشري . ويعود شيخ من هنا وامام من هناك وناسك ما بينهما ليقولوا انهم شهداؤنا وليرحمهم الله ويسكنهم فسيح اعماقنا .،
 لا ادري يا بني لعلي كبرت بالسن وخانتني الذاكرة ، كل يوم آتي الى هنا لأحفر وازرع وكل مرة اجد شاهدا جديدا وسائلا يسأل نفس سؤال الذي سبقه : اين اصبحنا ؟ هل شفينا من آفاتنا ؟ هل ما زلنا بحاجة الى شواهد اخرى ؟ وهل كتب علينا الموت من اجل الموت ام اننا في طقوس ونذور ؟ وهل اصبحت الشهادة عادة عندنا ؟ لا اعلم ربما ستصبح عادة سيئة بعض الشيء.
حاولت تهدئة شاهين بالسكوت المطلق وطاعة الاستماع ولكنه ازداد انفعالا واستمر بضرب معوله هنا وهناك وفجأة ،،، شقت الارض وانتصب مارد بحلة انيقة ودنا هامسا : ماذا تفعلان هنا ؟ ومن انتما ؟ افقت من الصدمة لبرهة وجمعت بقايا شجاعتي ونظرت اليه جيدا ، يا للهول ويا للعجب افي حلم انا ام في يقظة ،  لقد عرفته ، نعم لقد عرفته ، انه علاّقة ،، علاّقة قائد ثورة مدينة صور ، منذ فجر التاريخ والناس تردد وتردد " عزٌ بعد فاقة ،ثورة علاّقة " والتفت ناحية شاهين فأشار بنعم انه هو . اعادت رشدنا صرخته تلك : " اسمعوا اعرف كل شيء منذ موتي قبل آلاف السنين ولا شيء تغير ، يكفي ما تحملته في حياتي من مصاعب ومصائب ، ويكفي خيبة الامل من احفادي بالرضوخ والقبول بما لم اقبل به لهم ابدا، اريد الهدوء واطلب منكم المغادرة وعدم العودة ، وازرعوا في مكان آخر،،، واختفى علاّقة وغاب ،،،
عدنا الى الصحوة وامسكني شاهين وقال : تعالى يا بني ،، في هذه الارض يزرعون الموت ليحصدون المناصب .



                                                                 25/12/2011