الثلاثاء، 7 فبراير 2012

اجوبة(سؤال رقم 1 و2)

عزيزي القاريء
كما وعدت سابقا سأحاول الاجابة على كل الاسئلة التي تردني من القراء حول قضايا تهمهم عن تلك الحقبة من تاريخ لبنان الجنوبي .
السؤال الذي ورد : اي توجه سياسي كان للجيش الجنوبي ؟ وهل صحيح انكم منعتم الاحزاب من مداولة نشاطها الحزبي والسياسي منذ عام 1977 حتى عام 2000  ؟
اخي القاريء
لم يكن تأسيس جيش لبنان الجنوبي ( جيش لبنان الحر) نتيجة لتصور مسبق او تنفيذا لخطة ما او برنامج وكما يقولون عن "سابق اصرار وتصميم" ، بل كان وليدة حالة عفوية وضرورة لحاجة ما .لقد قامت الميليشيا الحدودية كما كانت تسمى في بداية عام 1976 من خلال انتفاضة شعبية ضد تجاوزات المنظمات الفلسطينية بعد انهيار الدولة اللبنانية وفرط عقد الجيش اللبناني وبالتالي اخذت جموع الشباب تتأهب وتتجمع لإدارة شؤونها بنفسها وعلى سلم اولوياتها تأمين الحماية الذاتية للقرى والبلدات من السيطرة الفلسطينية عليها .
كانت الاحزاب اليمينية التقليدية شبه معدومة في المنطقة الحدودية بعد سيطرة المنظمات عليها اثر اتفاق القاهرة وان كل عمل حزبي او ممارسة فعلية للأحزاب المذكورة كان يعد جرما يحاسب عليه مرتكبوه ، وكانت الاحزاب اليسارية تسعى بكل قوة لمنع الاحزاب الاخرى من اختراق ساحتها ، لذلك كانت انطلاقة الميليشيا الحدودية انطلاقة جماهيرية محضة لافتقار المنطقة الى تنظيم حزبي فعال اسوة بباقي المناطق اللبنانية . هذه الانطلاقة التي اتخذت شعار المصلحة الوطنية العليا للمواطن الجنوبي والحفاظ على الكرامة والارض ، لاقت قبولا كبيرا لدى طبقة الشباب الجنوبي الذي ضاق ذرعا بممارسات اليسار وفساد المنظمات خاصة في منطقة مرجعيون – القليعة ،التي ولدت فيها هذه الانتفاضة . عامل آخر ساعد هذه الحركة وقلل من اهمية الوجود الحزبي هو التحاق عناصر كتيبة المشاة الاولى من الجيش اللبناني والتي كان مقرها مرجعيون ببلدة القليعة وباقي عناصر الجيش اللبناني المنحل من المناطق المجاورة بعد صدور مذكرة خدمة عسكرية من قائد الجيش آنذاك في بيروت العماد حنا سعيد القاضية بإنشاء تجمع عسكري في بلدة القليعة وآخر في بلدة رميش ، وهكذا تشكلت نواة الجيش الجنوبي من بقايا الجيش اللبناني وعناصر شبابية من المنطقة الحدودية .اذا يمكنني القول باننا لم نكن ابدا منتمين الى اي حزب لبناني ولم نكن نمارس النشاط الحزبي العادي ، نعم كانت هناك مجموعات تؤيد هذا الخط او ذاك من كتائب واحرار والحزب الديمقراطي الاشتراكي ( حزب الرئيس كامل الاسعد )، ولكنها  -  اي هذه المجموعات لم تكن لتأتمر ابدا بأحزابها بل بقيادة المنطقة الحدودية .
مطلع عام 1977 انتظمت العناصر الحزبية وفتحت قناة اتصال لها مع بيروت اي مع قيادتها الحزبية وبدأت بممارسة النشاط السياسي العلني ولكنها كانت خاضعة عسكريا للقيادة المحلية الى ان حصل ما حصل في صيف 1977 وبالتحديد بحفلة زفاف السيد شكيب سمارة من مرجعيون والذي كان يحسب على الكتائب . حصل احتكاك بين الكتائب وعناصر من الاحرار من سوء فهم بسيط الى اشكال اكبر الى التلاسن والاشتباك بالأيدي وتطور الى حد استعمال السلاح لولا تدخل العقلاء والمصلحين . منذ ذلك الوقت اتخذ الرائد حداد قرارا بمساعدة القادة المحليين بمنع النشاط الحزبي على انواعه في المناطق الحدودية وجعل لبنان شعار الجميع ومن هنا انطلقت تسمية جيش لبنان الحر بعد محاولة تحويل الميليشيا الحدودية الى تنظيم عسكري شبيه قدر الامكان بالجيش النظامي .بقي هذا القرار ساري المفعول حتى الانسحاب من لبنان عام 2000 ولم يسمح ابدا للأحزاب اليمينية واليسارية على حد سواء من ممارسة نشاطها .
اربع محطات حزبية بتاريخ الجيش الجنوبي وكلها باءت بالفشل اذكرها حفاظا على الدقة والحقيقة .
المحطة الاولى كانت عام 1978 عندما ارسلت الجبهة اللبنانية آنذاك بزعامة الرئيس الراحل كميل شمعون عدة مئات من المقاتلين الحزبيين من احرار وكتائب لمساعدة الميليشيا الحدودية بعد توسع المنطقة على اثر اجتياح عام 1978 وقد تمركز البعض في بلدة الطيبة والآخر في كلية مرجعيون الوطنية وسرعان ما ساءت الامور معهم ولم يتقيدوا بالأسس والانظمة المتبعة في المنطقة بعد ان عمدوا الى تفعيل النشاط الحزبي في المنطقة الامر الذي رفضناه وعادوا ادراجهم الى بيروت مع الشكر . الجدير بالذكر ان هذه المجموعات هي التي حملت معها الى بيروت شعار جيش لبنان الحر كتذكار من المنطقة والذي استعمله البعض كغطاء له وللتمويه خلال ارتكابه مجزرة صبرا وشاتيلا  .
المحطة الثانية كانت عام 1984 بعد التحاق عناصر من منطقة كفريا في البقاع الغربي بالجيش الجنوبي ولكنهم بقوا على اتصالهم الحزبي في بيروت ( الكتائب )ولم يتقيدوا بأوامر وتوجهات الجيش الجنوبي بعدم النشاط الحزبي وهذا ما اوقع الخلاف بين هذه السرية التي كان يقودها الحاج "نقولا" وسرية راشيا الوادي التي كان يقودها نبيه ابو رافع وبالتالي ادت هذه الخلافات الى فرط عقد سرية كفريا والحاق عناصرها ببقية قطاعات الجيش الجنوبي وعودة القسم الاكبر منها الى بيروت .
المحطة الثالثة وكانت خلال سنوات التسعينات حين حاول السيد اتيان صقر رئيس حزب "حراس الارز" بتفعيل النشاط الحزبي في منطقة جزين بعد انتهاء مهمة قائد كتيبة جزين " طوني نصار "والذي كان محسوبا على حراس الارز ولكنه قوبل بالرفض من قبل قيادة الجيش الجنوبي وبالتالي غادر جزين لفترة ثم استقر في بلدة دير ميماس الحدودية حيث حاول حراس الارز الامتداد الى منطقة حاصبيا ولكنهم قوبلوا بالرفض من قبل القيادة تنفيذا للقرار الاساسي بعدم السماح للأحزاب بالعمل السياسي والحزبي وبعدها غادر السيد صقر نهائيا الى الخارج .
المحطة الرابعة وكانت عام 1996 حين حاول المقدم نبيه ابو رافع والذي كان قائد اللواء الشرقي في الجيش الجنوبي ( بعد استقالته من الجيش عام 1995 ) والسيد رياض العبدالله مسؤول جهاز امن الخيام ، حين حاولا اقامة حزب سياسي داعم للجيش الجنوبي باسم " الاصل " . بائت المحاولة أيضا بالفشل بعد ما اتهموا بمحاولة انقلاب على اللواء لحد قائد الجيش الجنوبي وغادر بعدها رياض العبد لله الى الخارج في حين عاد المقدم ابو رافع الى الجيش بعد سنتين من الحادثة .
لم يكن جيش لبنان الجنوبي منتميا الى اي حزب في لبنان ولم يكن ابدا مواليا لأية جهة سياسية ، نعم كنا على نفس الطريق الاستراتيجي لبعض القوى في لبنان من مبدأ الحرية والسيادة والاستقلال ولكننا كنا مميزين في هذه المراحل كلها فلم يكن الجيش حزبيا ولا طائفيا ولا مذهبيا فقد انتمى اليه المسيحي والسني والشيعي والدرزي وكانوا جميعا على قدم المساواة بالتضحية وبذل الغالي والنفيس من اجل الوطن .

السؤال الثاني : بعض الناس صنفكم عملاء ، والبعض الاخر قال انكم خارجون على القانون ، وآخرون قالوا انكم اضطررتم لذلك ، وقسم قال انكم فعلتم الصواب وانكم اللبنانيون المخلصون للوطن . من انتم ؟
اخي السائل
انه تاريخ طويل بل انه تاريخ الوطن الصغير المختصر ببضعة سنوات غيرت مستقبل الاجيال كلها ووضعت اكثر من علامة استفهام حول كل مرحلة وكل مفصل من تلك الحقبة .
صديقي ، دعنا نبسط الامور قدر الامكان ونبتعد عن المفردات الفلسفية والكلمات المتقاطعة ، وكما يقولون عدم الاختباء " بخيال الاصبع " . نعم لقد تعاملنا مع إسرائيل علنا – ومن فوق الطاولة – تدربنا فيها وتسلحنا منها ، عالجت جرحانا مدنيين وعسكريين ، حتى ان هذا الامر بالذات تعدى الجنوب الى الوطن كله ،نعم نحن الجيش الجنوبي كنا بتحالف تام ووثيق مع دولة اسرائيل وكان الهدف الاساسي حماية المنطقة الحدودية من سيطرة المنظمات الفلسطينية ثم تطور الامر الى فكرة السلام الشامل بين لبنان واسرائيل . هذا هو باختصار الخط الذي سلكه الجيش الجنوبي مع بعض المنعطفات هنا وهناك لم تغير في النهج ولا المبدأ.
اذا لنبدأ بداية صحيحة واعتقد ان غالبية اللبنانيين لا يعلمون جيدا بتسلسل الاحداث او ان النسيان قد طغى على تلك السنوات وباتت الحقيقة فيها من باب التكهن .
تاريخ 3-11- 1969 ابرمت الدولة اللبنانية بشخص قائد الجيش اللبناني آنذاك العماد اميل البستاني اتفاق القاهرة مع منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة السيد ياسر عرفات واعطت بموجبه حرية التصرف في منطقة شرق نهر الحاصباني " فتح لاند" لشن الهجمات المسلحة على الاراضي الاسرائيلية وسرعان ما توسعت منطقة "فتح لاند" لتشمل معظم مناطق الجنوب الحدودية . هذا الاتفاق اعطى صك ملكية الحجر والبشر لأبو عمار وسائر الابوات الكرام وابتعدت الدولة عن جنوبها وعن ابنائها بل انها باعتهم لقاء ثلاث ليرات لبنانية يوميا مقابل كل مقاتل فلسطيني ومجاهد يصل الى الجنوب لتحرير فلسطين والمقدسات . اذا تخلت الدولة عنا بشكل تام ومباشر وبما لا يقبل الشك ابدا حتى  اذا اراد مواطن ما من زيارة الجنوب عليه ان يستحصل على اذن اولا من المراجع المختصة الفلسطينية ، وهذا من سخرية القدر الذي وضعتنا فيه امنا الحنون .
مطلع عام 1976 انطلق الملازم اول احمد الخطيب من ثكنة حاصبيا ليعلن سقوط الدولة من الجنوب وفرط عقد الجيش اللبناني النظامي وتأسيس جيش لبنان العربي .
صيف 1976 سقطت كل ثكنات الجيش اللبناني بأيدي المنظمات الفلسطينية والاحزاب اليسارية اللبنانية .
 اصدرت قيادة الجيش اللبناني مذكرة خدمة رقم 589 /اع/س بتاريخ 22/3/1976 تقضي بإنشاء تجمع عسكري في بلدة رميش اسوة بتجمع القليعة ليلجأ اليهما العسكريون في المنطقة الحدودية . هذان التجمعان اللذان اصبحا النواة الداعمة للميليشيا الحدودية التي حملت السلاح مرغمة للحفاظ على الارض وبالتالي اصبحت هذه القوات مجتمعة "جيش لبنان الجنوبي " .
التجأ الجميع الى اسرائيل طلبا للدعم والمساندة وخاصة للمواد الغذائية والاسعافات والطبابة بعد الحصار الذي فرضته المنظمات الفلسطينية والاحزاب اليسارية .واذكر هنا كلمة للرئيس اللبناني الراحل الياس سركيس عندما قال : ان انقطاعنا عن الجنوب واهله وتركه يدير شؤونه بنفسه وعدم مد يد العون والمساعدة له ، اهدينا اسرائيل فرصة ذهبية وتاريخية للتدخل في شؤونه وبالتالي بالشؤون اللبنانية والدخول الى قلب اللعبة والمعادلة .
اواخر تشرين اول 1976 وصل الرائد سعد حداد الى المنطقة الحدودية ( وهو ابن بلدة مرجعيون ) عن طريق اسرائيل مرسلا من قبل الدولة اللبنانية وقيادة الجيش اللبناني ليقود الميليشيا الحدودية وبقايا عناصر الجيش النظامي المنحل وبدأ مهامه بعد استلام القيادة من النقيب في الجيش اللبناني غسان حمصي (ابن بلدة برج الملوك ).
حضرة السائل الكريم
اذا كانت الدولة اللبنانية غير راضية على اتصالنا بإسرائيل، فهل كانت لترسل رائدا في الجيش النظامي ليقود المنطقة وعبر اسرائيل ؟ ولماذا لم ترسله بواسطة قوات الامم المتحدة الموجودة آنذاك " قوات الهدنة " ؟ اضف الى ذلك ، ان رواتب عناصر الجيش اللبناني والمساعدات الاخرى للميليشيا كانت تصل الينا عبر وسيط فلسطيني من اقرب المقربين للسيد ياسر عرفات وعن طريق اسرائيل واحد البنوك الرئيسية فيها . فكيف نفسر هذا ؟
هل نحن من بادر الى التحالف مع اسرائيل عنوة ورغم انف الدولة ؟ام هي دولتنا التي قادتنا الى هذا التحالف ليس فقط بغض النظر عنه بل بالدخول فيه مباشرة كطرف رئيسي ؟ اؤكد لك سيدي باننا وجدنا انفسنا في آخر الطابور من المتعاملين مع اسرائيل من اشقائنا العرب ومن اخواننا في الدولة اللبنانية والاحزاب اللبنانية على اختلافها جمعاء .
بعد اجتياح عام 1982  ووصول اسرائيل الى بيروت وخروج السوريين منها والفلسطينيين ، بدأت جحافل المسؤولين اللبنانيين رسميين وحزبيين تصل الى المنطقة الحدودية ومنها الى اسرائيل ، قسم للمحادثات السياسية ، وآخر لأعمال التجارة والسياحة ، وقسم للاستجمام والراحة ، وبكلمة مختصرة " من لم يتعامل مع اسرائيل فليرجمنا بحجر" ، واذا كان سيحاكم كل من تعامل مع اسرائيل فان لبنان كله سيحاكم ، واعذرني عن عدم امكانية سرد اسماء واسماء كبيرة وكبيرة جدا ، ليس من باب الخوف او الكتمان بل من باب طي صفحة الانقسام والتخوين وعدم الرجوع الى ما ليس منه منفعة ، كلهم تعاملوا وكلهم غطسوا حتى راسهم ،،،، والله ولي التوفيق .
بقينا حتى عام 1991 على اتصال وثيق مع كافة اركان الدولة اللبنانية وحتى بعد فشل اتفاق 17 ايار وبعد اتفاق الطائف ، نتبادل الآراء والمعلومات والتطلعات المستقبلية وكنا نضع في كل مرة انفسنا وكل امكانياتنا في خدمة الدولة اللبنانية ، مهما كانت هذه الدولة ومهما كانت توجهاتها وخط سيرها ضاربين بعرض الحائط بعضا من مواقفنا ومبادئنا وكل ذلك في سبيل انهاء وضع قيل عنه انه شاذ او غير صحيح ، وقبلنا رغم تحفظنا على غالبية الاوصاف وآثرنا الاصطفاف خلف الدولة لا الى جانبها ، حتى امر المحتل السوري بوقف كل اتصال معنا اي مع الجيش الجنوبي ، حتى ان الدولة اللبنانية رفضت وبإيحاء، منه استلام منطقة جزين منا عام 1992 كهدية من الجيش الجنوبي وكعربون التزام وولاء للدولة الناشئة الفتية بعد الحرب الاهلية ايام الرئيس الراحل الياس الهراوي . فهل هذا يعني باننا خارجون عن القانون ؟ هل بقاء الجيش اللبناني في جزين وباقي المنطقة الحدودية والامن الداخلي والامن العام والمحاكم المدنية والشرعية وكل مرافق الدولة ، على احسن حال وتعمل كالمعتاد وتتلقى منا الدعم المالي واللوجستي ، هل هذا يعني باننا خائنون وعملاء ؟
ماذا تظن عزيزي القاريء بالذي تعامل مع سوريا ( نظام البعث ) ، هل كان لمصلحة لبنان ؟ وهل هو عميل سوري ام لا ؟
هل الذي تعامل مع ايران كان لمصلحة لبنان ام لمصلحة دينية وايديولوجية "الولاء لولاية الفقيه " ؟ وهل هو عميل ايراني ام لا ؟
هل الذي حمل السلاح مع الفلسطينيين في المخيمات وخارجها كان لمصلحة لبنان ؟ اليس هو عميل فلسطيني ايضا ؟
هل الولاء للعرب وعلى اختلاف طرق هذا الولاء كان لمصلحة لبنان ؟ ام انهم جميعا كانوا عملاء العرب والعجم والتتر والافرنج والسند والسيخ والمغول وما الى ما لا نهاية له من .......
عزيزي السائل
نحن شعب حُرم من كل حقوقه المشروعة , تركته دولته وباعته بأبخس الاثمان ، نحن شعب ابى الا ان يبقى على حريته وكرامته فدفع كل غالي ونفيس في سبيل ذلك ، نحن لبنانيون جنوبيون فخورون بما كنا عليه ، وبما نحن عليه ، وبما سنبقى عليه ، والحقيقة كالروح لا تموت ابدا .

الأحد، 15 يناير 2012

حوار الطرشان

                                  
ما من شك ابدا ، بان اللغة وجدت لتسهيل تفاهم الانسان مع الاخر ولتسهيل تفاعل المجتمعات مع بعضها البعض . انها وسيلة الاتصال الوحيدة الفعالة بين البشر ، بها يتفاهمون وبها يتعلمون ، يتقاتلون ويتصالحون ، يصلّون ويكفرون ، وبالتالي ان الحوار سيكون الوسيلة الفضلى للوصول الى قاسم مشترك لمواقف متباعدة او الرسو على حل ما يرضي الاطراف ويبعد شبح التناحر والتباعد والقرارات المنفردة . ان اولى شروط الحوار هي اللغة الواحدة المفهومة المضبوطة والنية السليمة الصافية والحسنة والمساواة في الحقوق والواجبات .
ان هدف الحوار هو الوصول الى نتيجة مهما كانت هذه النتيجة ، فبمجرد الوصول اليها يعني ان الحوار قائم وفي الطريق الصحيح . لا حوار بدون صعوبات ومناقشات وضجيج ، وحجج واقناع ، هكذا هو الحوار والذي يصبح جزء من الديمقراطية ومن الثوابت الوطنية .
ان نجاح طاولة الحوار يعتمد على ثلاثة اسس رئيسية :
اللغة ، الاطراف المشاركة ، الاهداف ،
لا شك اطلاقا بان السياسي اللبناني هو من اشد السياسيين في العالم الماما بالموضوع الذي يثيره ، وقد اثار اعجاب النقاد والمتابعين لمجريات الاحداث ليس في لبنان فحسب بل في الشرق الاوسط عامة . نعم لقد اثار السياسي اللبناني اعجاب الجمهور لشمولية اختصاصاته وتشعبات علومه ووقوفه على كل شاردة وواردة وتبصره بكل صغيرة وكبيرة . انه خبير اقتصادي وعالم جيولوجي ، رائد في الفضاء الخارجي وغطاس الاعماق في البحار والمحيطات ، مفكر فلسفي ، ملم بالأديان كلها ، حافظ سيرة الانبياء والرسل والقديسين ، انه فقيه لغوي وخبير استراتيجي ، خبير بحوادث الطرق ومحلل مالي ويسير حسب التوقعات يحكي اللغات ويكتب الشعر ، يتكلم عن كل شيء ويغمس اصبعه في كل شيء مطبقا شعار " توما " . انه محاور على جميع المحاور ، ضليع بمحاور الطول والعرض ، وبالمحاور الداخلية والاقليمية والعالمية ، سيد التاريخ والجغرافيا يستخلص العبر وينتقي الاصح . انه المحاور اللبناني الذي عصر الديكتاتورية واستخرج منها مزيج الديمقراطية التوافقية المطعمة بالعقائدية والعروبة والقومية , هذا هو المحاور اللبناني الذي قلب طاولة الحوار من مستطيلة الى مستديرة وما لبثت ان اصبحت مخروطية برأس معتمر وبقاعدة التبعية .
اخي القاريء
هذا المحاور الذي ادهشنا بطلاقة لسانه وتناسق الفاظه ، هل بإمكاننا معرفة اية لغة يتكلم ؟ وهل يتكلم في الحوار باللغة اللبنانية ؟ ربما هذا السؤال يُضحك بعض الشيء ولكن فعلا هل يتكلمون اللغة اللبنانية ؟ ام انهم جاؤوا من خلفيات لغوية مختلفة تتقاطع فيها المصالح الاقليمية مع المصالح الدولية مع ما تبقى من مصالح وطنية ؟ نعم وللأسف ان المحاورين لا يتكلمون نفس اللغة لان ولاءهم للغة اخرى لا تتماشى مع القاموس اللبناني . فماذا ننتظر من طاولة الحوار ؟ وهل يمكننا قراءة ما ينتج عنها بلغة نفهمها ؟ فيا حبذا لو اصبح القرار الاول هو بجعل اللغة اللبنانية اللغة الرسمية لطاولة الحوار ولتنطلق بعدها المسؤولية الوطنية الشاملة باتخاذ القرارات المصيرية .
ان الحوار هو الورقة الاخيرة التي يمكن لعبها سياسيا ووطنيا بعد تعطل المؤسسات الرسمية المكلفة بتسيير امور الدولة .ربما يأتي الحوار في بعض الاحيان كضرورة لقول كلمة الفصل في بعض الامور المصيرية نتيجة عدم امكانية اجراء استفتاء عام  كما تنص الديمقراطية الحقيقية ، وبالتالي يمكن ان يكون الحوار كإتاحة الفرصة لفئة متعلمة اكاديمية مستقلة لا تربطها سياسة او محور او تحالف وتقول ما عندها بكل صراحة وبدون ضغط او مسايرة لهذا او ذاك  لتساعد السياسيين على اتخاذ قرارات صائبة ومفيدة .بالنسبة الينا في لبنان فان السياسيين هم المحاورون وهم المقررون وهم المنفذون وايضا هم المعترضون  لذلك نرى ان مصالحهم تأتي دائما فوق مصلحة الحوار نفسه وهذا ما اصاب طاولة الحوار عندنا التي عُطلت من اعضائها ودُمرت من داخلها .
كثيرون رأوا ان الخلاف على احقية المشاركة هو ما افسد مقررات الحوار وبالتالي افشلها وان استثناء البعض منها كان له المردود السيء على مجريات النقاش ، وباتت نقاشات الساعات الاولى هي عن الذي يحق له الجلوس وزرعت هذه المشكلة في الشارع اللبناني واصبحت المادة الرئيسية للحوار الوطني فاذا تخطاها نجح الحوار واذا فشل اطاح بكل شيء لان التمثيل السيء سيجلب حتما القرار السيء .هواجس ربما تخطها الديمقراطية التوافقية بإسناد تمثيل بعض الفئات لفئات اخرى تدور في نفس الفلك السياسي ، ولكن الحقيقة ستبقى حقيقة وهي ان مقررات الحوار هي ملزمة شانها شان قرارات مجلس الوزراء والا ما الفائدة منها وعليه فان جميع المشاركين على الطاولة مباشرة او غير مباشرة ملزمون بتنفيذ المقررات دون تحفظ او تردد او تأجيل . والسؤال : اين نحن من هذا ؟
سنوات مرت على بدء طاولة الحوار وسنوات مرت على اتخاذ عدة قرارات ولم تنفذ خاصة القرارات المتعلقة بالسلاح الفلسطيني خارج المخيمات، لماذا ؟ اعتقد انه آن الاوان لوضع النقاط على الحروف وابداء بعض الرأي بصراحة تامة بالأفرقاء المتحاورين بأهدافهم وغاياتهم والقول حسب المثل اللبناني " اعور اعور بعينك " .
اننا نفهم جيدا موقف قوى 14 آذار من طاولة الحوار وهو موقف دأبت كل القوى المنطوية تحت رايتها على تبنيه وهو نزع سلاح حزب الله وجعله بإمرة الدولة اسوة بباقي الميليشيات اللبنانية ، ثم تحول هذا الموقف الى موقف اخف لهجة تحت عنوان "الاستراتيجية الدفاعية " آملين كلهم بان هذه الاستراتيجية  ستكون تحت امرة الدولة فقط وبالتالي فان سلاح الحزب سيكون ايضا بإمرة الدولة .هذه القوى متمثلة بتيار المستقبل والقوات اللبنانية ومجموعة كبيرة من الاحزاب والتيارات الاخرى .اما الفريق الثاني اي 8 آذار فهو فريق اساسه حزب الله وحركة امل وتحالف وثيق جدا مع الحزب القومي السوري الاجتماعي وجزب البعث الاشتراكي وبعض الحلفاء الذين هم بالأصل حلفاء سوريا في لبنان وهو متمثل بتيار المردة بزعامة سليمان فرنجية الذي اوضح تكرارا ارتباطه الوثيق والصداقة العائلية التي تجمعه مع آل الاسد في سوريا .
ان حزب الله وبعد الذي وصل اليه لا يمكن ان يتنازل عن سلاحه ابدا وتحت اية ضغوط او صفقة او اغراء وبالتالي ان سيطرته على لبنان بفضل هذا السلاح ستستمر وستقوى ، وان الشيعة وصلوا الى ما وصلوا اليه بدماء ابنائهم وقوة ذراعهم شئنا ام ابينا بذلك ، لن يتنازلوا لاحد عن هذا الامتياز الذي حلموا به منذ عهد الاستقلال وعانوا الامرين خلال العقود الماضية . اذا ان كل حديث عن نزع سلاح حزب الله اي نزع سلاح الطائفة الشيعية ( المقاومة حسب تعريفهم ) هو هراء وباطل ومستحيل ولا يمكن القبول به شيعيا بعد ما ذاقت طعمه الطيب وعاشت نتائجه الجيدة ، وان البحث باستراتيجية الدفاع عن لبنان ليس الا ترسيخا لهذا السلاح وتثبيته بأيدي حامليه شرعا وقانونا كما حصل فعلا بعد اتفاق نيسان عام 1996 الذي شرع عمل الحزب في لبنان تحت اسم المقاومة الوطنية اللبنانية .
ان موقف حزب الله واضح جدا وهو يعمل على تفادي اي انزلاق الى حوار يمكن ان يؤدي الى التفريط بهذا السلاح ولا سيما بعد ان اعطى النتيجة المطلوبة في الداخل اللبناني وارغم السيد وليد جنبلاط على تغيير تموضعه السياسي بعد اسقاط حكومة سعد الحريري . الخلاصة ان سلاح الحزب والحزب نفسه مرتبطان ارتباطا مصيريا وان بقاء الحزب من بقاء سلاحه فلا جدوى من المضي قدما في طاولة الحوار اقله في الوقت الحاضر ، وان الاشهر القادمة سوف تغير الاتجاهات السياسية في لبنان اذا ما سقط نظام الاسد في سوريا ، عند ذلك سيكون البحث في استراتيجية استيعاب حزب الله في الحياة السياسية اللبنانية دون سلاحه ودون تأثيره على الساحة اللبنانية ، لان السلاح سيصبح عبئا على صاحبه بعد انتهاء راعيه وغياب الهدف منه . اذاً ان هدف حزب الله من طاولة الحوار هو اضفاء الصفة الشرعية على السلاح وبالتالي استعماله وقت ما يراه الحزب مناسبا .
عزيزي القاريء
ان من يجلس الى طاولة الحوار لا بد من ان يعرف ماذا يريد والى اية نهاية يسعى او بالأحرى يحاول الوصول للأهداف التي رسمها من قبل . هنا لا بد من القول بان كل طرف ملزم بطرح مشروعه وافكاره واستراتيجيته وتكتيكه بين قيادته اولا وامام المواطن اللبناني ثانيا وذلك ليقف هذا الانسان المسكين ولو على حقيقة واحدة يدرسها ويفهمها ويقتنع بها وبالتالي يدافع عنها والا سنبقي بمقولة الراحل احمد الاسعد ( انا عم علّم كامل ليش بدكن تتعلموا ؟) .
اذا ما عدنا الى الاطراف المشاركة سنجد ان حزب الله وحركة امل في صف واحد  يدافعان عن السلاح لأنه اكتساب بعد معاناة واصبح امتيازا وبالتالي اصبح من صلب الوجود الشيعي في لبنان واحد اذرع الثورة الايرانية الشيعية .في مقابل هذا الموقف نجد تيار المستقبل ينادي بنزع هذا السلاح وجعله تحت امرة الدولة اي تحت امرته هو بالذات وذلك لكسر شوكة الشيعة الذين فاقوا السنة عددا وقوة وهذا غير مقبول لبنانيا ولا عربيا . تجلس القوات اللبنانية على راس فكرة القومية اللبنانية والمقاومة اللبنانية الاساسية في وجه التوطين الفلسطيني والوجود الفلسطيني المسلح والانعتاق من السيطرة السورية وحلفائها على لبنان والخروج بلبنان سيد حر مستقل وسيطرة الدولة على كامل تراب الوطن . هذا بالإضافة الى الكتائب اللبنانية التي تحاول جاهدة اعادة دورها الريادي في الصف المسيحي بعد ما منيت به من انتكاسات عسكرية وسياسية على مدى سنوات الحرب اللبنانية وسنوات الهيمنة والتسلط . ان الكتائب والقوات يَعتبران انفسهما ممثلا الشارع المسيحي الحر في لبنان الذي يريد الدولة خيارا ومرجعية ويريد انهاء السلاح الغير شرعي اكان لبنانيا ام فلسطينيا . آخر مقاعد الطاولة المستديرة اذا صح التعبير يجلس الدروز الى طاولة الحوار بعد فقدانهم امتيازات عديدة بعد اتفاق الطائف ومحاولين وضع انفسهم كالزئبق الذي يؤمن التوازن بين الفرقاء كافة ، انهم (كبيضة القبان ) وابرة ميزان القوى بين الكتل كافة. المميز بالدروز انهم ما زالوا وحدة واحدة رغم محاولات تقسيمهم وشرذمتهم كصف درزي طائفي واحد . تيار المردة يقف في صف النظام السوري ولا يحيد قيد انملة وذاك نابع من موقف فرنجية الجد من عائلة الاسد وما تربطهما من علاقة قوية استمرت مع فرنجية الحفيد . ان موقف تيار المردة لا يبعد كثيرا عن موقف اليسار اللبناني عامة وهو مع حزب الله وحركة امل وباقي التيارات الاخرى طالما هي في فلك النظام السوري . يبقى التيار الوطني الحر الذي يعرف ماذا يريد من طاولة الحوار ولكن لا احد يعرف من الناس ماذا يريد التيار الوطني الحر من نقاشات والى ماذا يسعى ومن اجل من يحارب . انه ليس من 14 آذار وليس من 8آذار ، ليس وسطيا ولا طائفيا ولا مذهبيا ، بعيد كل ابعد عن التطرف همه الوحيد الاصلاح والتغيير . كلها شعارات رنانة وطنانة تزعج الاذن بدل ان تطربها يستغربها العاقل ويطبل لها الجاهل . لست ضد التيار ابدا ولا زلت مصرا على انه المسؤول الاول عن ايقاظ الحس الوطني والتحرر من الهيمنة السورية وله الفضل في ايصال لبنان الى الساحة الدولية وما انتجت من قرارات خدمت القضية اللبنانية ولكن :اين التيار الآن من كل هذه الانجازات ؟
عزيزي القاريء
اريد ان اخاطب جمهور التيار الوطني الحر وان اطرح عليه بعض ما عندي من هواجس وملاحظات حول مسيرة التيار السياسية في لبنان وما نتج عنها من تغيرات طالت الشارع المسيحي الماروني بالدرجة الاولى. لنبدأ بورقة التفاهم بين التيار الوطني الحر وحزب الله والتي عرفت "بوثيقة مار مخائيل"  هذه الورقة المثيرة للجدل التي طبل لها التيار معتبرا انه استطاع اختراق الحزب وجذبه ناحيته اي ناحية الاصلاح وانه على قاب قوسين من تغيير في نهجه والدخول في لعبة الدولة والمؤسسات الديمقراطية وهذا ما اقنع التيار مناصريه به واعتبروه انتصارا لهم في انتزاع الحزب من الآخرين ويقصد هنا الحلف الرباعي . ان حزب الله من جهة ثانية يعتبر هذه الورقة نصرا له واعطاها بعدا طائفيا اكثر منه سياسيا بحيث امنت له الغطاء المسيحي مجانا لسيطرته على لبنان . وانا اسأل مناصري التيار الحر : ماذا حصل التيار في مقابل هذه الورقة ( الغطاء )؟
لنطرح الموضوع بكل وضوح وشفافية. ان وجود التيار الوطني الحر على طاولة الحوار ليس الا تكملة لورقة مار مخائيل واستمرارية الغطاء المسيحي الماروني للحزب بحيث ان غطاء تيار المردة لا يلبي الحاجة المطلوبة كونه اصلا موالي لسوريا قبل وجود التيار. اذا ان وجود التيار ليس لمطالب تخص التغيير والاصلاح ولا تخص الشعب اللبناني بل تخص عدة امور اخرى وعلى راسها رئيسه العماد ميشال عون بالذات في طموحه المستمر والمستميت لرئاسة الجمهورية . اود ان اطرح وان اسأل :
هل وجود التيار الوطني الحر في طاولة الحوار هو لمنع حزب الله من السيطرة على لبنان ؟؟؟ لقد سيطر ولم يحرك الحزب ساكنا .
هل وجوده على طاولة الحوار لمنع الحزب من استعمال سلاحه في الداخل ؟ لقد استعمله ولم يرف جفن واحد للتيار.
هل وجوده لمنع السيطرة الجغرافية للحزب على الاراضي المسيحية المارونية بالذات ؟ عُقدت صفقات عديدة وما زالت صفقات قيد الدرس والتيار الوطني الحر يرحب بل يدافع عن حرية كل شخص ببيع وشراء ما يريد.
هل وجوده على طاولة الحوار للإصلاح وهو يعلم ان لا اصلاحا تحت تهديد السلاح ؟
هل وجود التيار على طاولة الحوار هو لتعزيز النفوذ المسيحي ؟ واين اصبح المسيحيون اصلا قبل البحث عن نفوذهم .
ماذا فعل التيار بالسلاح الفلسطيني خارج المخيمات ؟
هل المصالحة مع سوريا كفيلة بإزالة كل المصائب التي خلفها النظام السوري في لبنان ؟ وهل كلمة انفتاح ساعدت على فتح السجون السورية لإطلاق سراح مئات اللبنانيين المحتجزين منذ عشرات السنين دون وجه حق ؟ لماذا ايد التيار حزب الله في مساعيه لإطلاق سراح المسجونين في اسرائيل من خلال حرب مؤلمة ومريرة ولا يحرك ساكنا لا مع الحزب ولا مع سوريا لإطلاق سراح اللبنانيين في سوريا ؟ ربما ان اللبنانيين في سوريا لا يحق لهم الحرية كونهم عند شقيق ولا خوف عليهم .
مئات من الاسئلة برسم الاجابة من التيار الوطني الحر خاصة لان من يدعي انه يمثل الشارع المسيحي في لبنان وانه يمثل الاصلاح والتغيير ، وانه يمثل القدرة على التعاطي مع كافة الملفات وانه الوحيد الذي يستطيع نبش قبور الفساد واحياء الحق والعدل  . ان من يدعي كل هذا عليه ان يجاوب الكثيرين من اللبنانيين على الاقل لإقناعهم بصدقية رايه وثبات خطاه .
لا اجوبة عند التيار ولا حجج لأنه لا توجد اصلا استراتيجية سياسية واضحة سوى الكلام والصراخ ونبش الملفات ، والمضحك المبكي في آن هو ذاك الصراع وتلك المعمعة لدى استلام كل وزير من التيار الحر لوزارته بدءً  بالمدير العام وصولا الى اصغر اجير مع اقتحام المكاتب والطوابق وطرح المشاريع وسحبها الى ما لا نهاية لهذا اللعب . الا يحق لي كمواطن ان اضحك وان ابكي وان اطالب بالكف عن هذه السخافات ؟ الا يوجد في الحكومة غير جبران باسيل وشربل نحاس ونقولا صحناوي؟ (مع حفظ الالقاب والاحترام) ، الا يكفي اللبنانيين غيرة وحرص وزير الدفاع السيد فايز غصن على مصالح الوطن والمواطن من وجود القاعدة في عرسال ؟ الا يكفينا وجود الرئيس الحريري على تويتر لإدارة دفة المعارضة عن قرب ؟الا تكفي سرماية وئام وهاب لحفظ ماء الوجه ؟الا تكفي فتيلة ناصر قنديل لإضاءة دروب الظلام امامنا ؟؟؟؟؟؟
حبذا لو اتخذت قوى الرابع عشر من آذار وباقي القوى في لبنان قرارا جريئا بالصعود الى الرابية (مدينة الفارابي للتغيير والاصلاح ) وابلاغ العماد عون بقرار ترشيحه للرئاسة الاولى ، بحيث ان لا خسارة بهذا الموضوع ابدا فالرئاسة الاولى على حالها ليست بمطمع ولا بهدف لأي مرشح جدي ، وان وضع حلفاء العماد عون في موقع المواجهة معه هو امر جيد ومريح للجميع ولنرى امكانية مساعدته على استرجاع صلاحيات وقيمة موقع هذه الرئاسة وان نجح فسنقول حتما ان التيار قد احدث تغييرا واصلاحا وان الحلفاء التزموا ووفوا بتعهداتهم تجاه بعضهم البعض وان العماد عون هو رجل المرحلة بل كل المراحل وسوف ادعو بكل فخر الى ابقائه رئيسا مدى الحياة اعترافا له بتضحياته الجسام ، واذا اخفق بذلك فسيكون مصير التيار على المحك ضمن الخارطة السياسية اللبنانية بحيث انه وصل الى هدفه وانتهى .
ان رؤية مغاوير طاولة الحوار وكأنهم رعاة بقر انتهوا من السطو على بنك دسم ويحاولون اقتسام المال كل حسب قوته ونسبة مشاركته في العملية ،وجاءت اخيرا كلمة الحق لغبطة البطريرك بان لبنان اصبح دويلات واهل الحكم فيه يتقاسمون خيراته وميراثه ، فيا حبذا لو تكرم علينا الاعلام اللبناني واعطانا فرصة يعفينا من خلالها سماع كلمة طاولة حوار حتى اشعار آخر ونحن له من الشاكرين .
بالنسبة الى تيار المستقبل فلا جديد على صعيد تطلعاته واستراتيجيته المستقبلية ، فهو يمثل (الدبكة الخيامية )- نسبة الى بلدة الخيام – في نضاله السياسي اي انه واقف بمكانه ، وهو يشبه المصارع الحديث الذي اكتمل جسده عضلا وقوة ولكنه يخسر دائما كل نزال لقلة الخبرة وانعدام التجارب لديه ، واعتقد انه الى حين تعلمه الحيل السياسية وزواريب المراوغة والاقتناع بان القوة ليست بالكلمة دائما ، سيصبح للكثيرين عضلا وقوة وبأسا يشاطر تيار المستقبل القيادة والسيطرة. لا احد في لبنان لا يريد العدالة ومعرفة من قتل الرئيس الحريري ورفاقه وباقي الشهداء ، ولكن تيار المستقبل قد اصبح اسير هذه المعرفة وارتبط قراره السياسي ومسيرته السياسية والعمرانية والاقتصادية بالعدالة وتطبيها وبالتالي اصبح المواطن اللبناني المؤيد والرافض على حد سواء يعاني من هذه المواقف ، العدالة او لا شيء واعتقد ان التطرف بالوطنية كفقدانها تماما والتطرف في التمسك بشيء وترك الكل خلفه هو تطرف اعمى ، فالرؤساء يأتون ويرحلون وتبقى الاوطان ولكي تبقى ايها الاخوان علينا ابقاء الأنسان كانسان وليس كسلعة ولا اجير مبدأ او عقيدة ،  تماما كما الحال مع حزب الله "المقاومة هي كل شيء" .هذا العقم السياسي تجلى اكثر من مرة في تخبط السياسيين اللبنانيين وخاصة عند كل تحدي وعند كل مفترق حكومي او انتخابي . ازاء هذه العقلية وهذه المواقف الجامدة ، هل تستطيع طاولة الحوار ان تزحزح هذا الجمود ولو على سبيل المجاملة ؟
قطبان آخران بقيا على الساحة الحوارية نبيه بري ووليد جنبلاط ، حليفان وصديقان رغم كل شيء ، يمارسان اللعبة السياسية بالفن وروح النكتة ، مواقفهما تحير وسرعان ما تُغير ، لهما اسلوب مختلف يؤثران على مجريات الامور ، ولكن : اعتقد ان حركة امل قد اقتنعت اخيرا ان حزب الله سينتزع منها الشارع الشيعي نهائيا وان سلطتها على الارض باتت مهددة وضعيفة وغير مجدية ، لذلك تسعى الحركة الى استقطاب واستيعاب اجيال شابة من الشيعة ذات الخلفية اليمينية –اي من اليمين الشيعي التقليدي – وذلك بإظهار الوسطية السياسية لدى الحركة وهذا بالتعاون مع الحزب الاشتراكي الذي يسعى رئيسه الى الوسطية وتثبيتها كقوة ثالثة بين 8 و 14 آذار . اننا على ابواب تحالف درزي – شيعي- مسيحي واغلب الظن في مرحلة ما بعد الاسد في سوريا ، الرئيس امين الجميل والرئيس نبيع بري والاستاذ وليد جنبلاط ، هذا الثلاثي الوطني بامتياز هو الذي سيلعب الدور الرئيسي في طاولة الحوار المستقبلية .واعتقد ان هذا الحلف الوسطي هو الذي سيحل محل المثالثة الطائفية- المذهبية "الشيعة – السنة – الموارنة " وستبرز طاولة الحوار على صورة القوى السياسية وليس القوى الطائفية ، وستعقد اولى الجلسات الى طاولة مثلثة الابعاد : اليمين واليسار والوسط . هكذا ربما يمكننا العودة الى اللعبة الديمقراطية الصحيحة .
اننا نشهد الآن الفصل الاخير من حياة النظام السوري وان الخيارات امامه باتت محصورة بخيارين اثنين فقط :
الاول : تنحي الرئيس بشار الاسد وسفره الى الخارج وانتهاء حكم العلويين وبالتالي انتهاء حقبة حزب البعث .
الثاني :انزلاق سوريا الى حرب اهلية وهو خيار غير مستحب لا لدى العرب ولا الاوروبيين ولا الإيرانيين الذين وسعوا رقعة التدخل في الشأن السوري واعطوه البعد الدولي وخاصة مع بدء المناورات العسكرية الايرانية في الخليج والتهديد بإغلاق مضيق هرمز ، كل ذلك هدفه ابعاد اعين العالم عما يجري في سوريا وابعاد الاهتمام العالمي عنها ولو لبعض الوقت من خلال شغل العالم بقضية الملاحة والبترول ، اضف الى الخوف الايراني الحقيقي من نجاح الثورة السورية وانتقالها الى الشارع الايراني الذي سيتأثر بها لا محالة . لا هذا ولا ذاك سيساعد النظام بشيء لان الشعب السوري قد اتخذ قراره بالمضي قدما بالثورة حتى اسقاط النظام والتحول نحو الديمقراطية والحرية وتقرير المصير .
لا بد من الرجوع الى الواقع الحقيقي للذي يحصل في لبنان ، واتمنى على كافة الاحزاب والتيارات ان تعقد طاولة حوار داخلية بين قادتها لاتخاذ الخطوات السياسية الثابتة ورسم الطريق للوصول الى اهدافها ، ومن ثمَّ عقد طاولة حوار بينها وبين قاعدتها الشعبية لاطلاعها على خططتها ودراستها واقناع الشارع بها قبل الذهاب الى طاولة الحوار الوطني .
كلنا امل بان نرى حوارا سياسيا سليما لا تشوبه لغة ولا ينقصه تمثيلا ولا يفتقر الى هدف ، ولا تعطله حاسة سمع ، ولننسى "حوار الطرشان ".                            

الأحد، 1 يناير 2012

علاّقة

حزين وكئيب ، وكأن هموم الدنيا فوق كاهله المُثقل اصلا بسنوات طوال من العمل والجد والكد . جلس شاهين ينظر الى الافق البعيد ، ينفخ ما استطاع من نفس ليوقد موقدا شارف على ان يخمد ، محاولا تحضير فنجان قهوة تحت تلك السنديانة العتيقة التي شهدت ولادته وولادة ابنائه واحفاده .
قصة شاهين قصة طويلة وطويلة جدا ، كقصة السنديانة نفسها بدأت منذ فجر التاريخ حيث كان لشاهين الطموح لما يريد ، والارادة لما يريد ان يكون . ترعرع على حب الطبيعة من الارز وشجرة الليمون الى السنديانة الى نبتة التبغ التي شربت من عرقه لتعيش قبل ان يشربها وينتهي .
جلست بقربه محاولا ان احرك الصمت وان ادفع بالحروف لتجتمع علّها تطلق كلمة تكسر هذا الهدوء المقلق ، نظر اليّ ثم نظر ثانية فقلت له نعم وكأني احثه على مشاركتي بعض ما يعانيه . ثبت لبادته على راسه وشد زنار سرواله وانحنى على الارض وحمل حفنة تراب وتركها تنساب من بين اصابعه تاركا للريح حرية العبث بها وتنهد قائلا :عليها ولدت ، ولأجلها عشت ،وسأعود اليها كلما اشتقت ، زرعت فيها الامل وسقيتها الرجاء ، حصدت منها الثبات وفخر الولاء،، انها الارض ، انها الاصل ، انها الزمن الذي لا ينسى ، والقدر صاحب الباع الطويلة ، والايام كثر ولكنها قليلة .
حملني شاهين من حاضري وقدمني للحقيقة ، وسلمني للزمن وخبأني في الذاكرة ، وما بينهم مشوار طويل ، تعاقبت عليه الامطار والرياح ، ولونته الثلوج وصدعته زلازل ، مسيرة بثبات الى انزلاق الى مراعاة خواطر ، ثم خرق المحظورات واباحة المحرمات .
صعد شاهين ذاك الجبل الشامخ وقال اتبعني ولا تسأل ، تأمل ولا تتكلم ، دع الصمت يخبرك والعبرة تقنعك ،صعدنا ببطء وثقل ووجل ذلك السفح المنقش بشقائق النعمان وورق الغار ، تنبسط تحت الصنوبر والشربين ، تحاول عصر الزيتون وسلق البلوط لتمد ساكني هذا الجبل بعصارة الخلود .حديقة غناء ورياضٌ معلقة تزاحم الغيوم في ملعب السماء ، كل شجرة تقصُّ قصة وهي القصة بذاتها نقلناها جيل بعد جيل الى ان اصبحت اسطورة ، والاسطورة حقيقة ، والحقيقةُ تقال ان الحقيقة كذبة بيضاء احتراما لأبطال الحقيقة .
لم اتمالك نفسي بالرغم من شدة بأسي ، وحبست انفاسي الى ان فلت مني صمام المعرفة وثار بركان صدري وصرخت :يا الله ،،،يا الله ،،،وكانت صرخة من الاعماق ايقظت الشواهد ، وتحركت من تحت الثرى جذور اورقت حروفا واُلصِقتْ دروسا على هياكل كانت من الامس هامات يحسب لها .
جلست بالقرب من عود ثقبه الزمن ورشح منه قدر وافي من اجوبة لا اسئلة لها . من انت ؟ ولماذا ؟ وكيف ؟ ،،، بكيت وبكيت على خبر لا اعرف بدايته ، بكيت من قصص وروايات خُلّد صانعوها وغاب ذكر ابطالها ،ولكن من يتكلم ومن يجرؤ ومن يصدق ، لا احد كلهم شواهد ، والشاهد لا يتكلم لأنه لا يرى ولا يسمع بل يعظ ويهدي ويدل وينصح .
حمل شاهين معوله وراح ينبش التراب ويقلّب موجات من اسرار خبأها التاريخ والبسها النسيان ، وأكفهرّ وجه شاهين والعرق ينزلق على خديه مصطدما بمطبات رسمها الزمن وحفرها التعب والشقاء . وقف والتفت اليّ وقال : هذا منزل شهيد، وهناك آخر ، وتجمع آخر فوق ، وآخر ،،وآخر ،هل ترى ؟ هل ترى ؟ وبدأ يقفز ويقفز ويروح ويجيء متنقلا بين تلك القبور محركا الشواهد وكأنه يدق الباب او يطرق نافذة ووقف : هنا قاعة الامراء ، فخر الدين وبشير ، هنا من حارب العثمانيين وربما ندم ، وحارب الفرنسيين والتجأ اليهم ، وآخرين ، شهداء اصحاب واغراب ، عابروا سبيل ، اتعلم لم يصلّوا ابدا كانوا كفرة نعم كفرة ، كفرة بالطوائف والمذاهب ، مؤمنون بالله والوطن فقط ، لذلك سموا بشهداء . شاهين يركض ويتنقل ولا استطيع السيطرة عليه او مجاراته في الحركة رجوته ان يتوقف وقلت له : كفى بالله عليك كفى . جلس اخيرا ووضع راسه بين يديه ودموعه تبلل يده ، هنا سقط الرجال من كافة المناطق اتوا ليسقطوا عندنا من المنظمات والاحزاب والتنظيمات ، ابناء البلد وابناء الجيران ، اغراب احبوا الموت عندنا لأنه يجلب لهم الجنة والخلود ونحن اصحاب الارض واصحاب المهن الحرة خبراء الصلاة والدفن والتعزية ، ولا تنسى ابدا تشعب الثقافة عندنا نصلي بكافة اللغات وندفن حسب المعايير الدولية . لا ادري هل اتوا للدفاع عنا ؟ ام للدفاع عن قيم هم آمنوا بها ؟ شهداء من اجل لبنان ؟ واي لبنان ؟ ماذا قدم لهم لبنان بعد الشهادة ؟ هل هذا هو الوطن الذي ارادوه ؟ ام هذا هو الدور الذي لعبوه ؟ تعددت الاسباب وتبعثرت الجمل ، وتراكمت عبارات الحزن لفراق الرفاق ، علت الشواهد فوق بعضها علها تنهي ما قبلها وهكذا لوحة فوق لوحة وتاريخ فوق تاريخ لتجد طريقا الى مكتبة اعماق الضمير البشري . ويعود شيخ من هنا وامام من هناك وناسك ما بينهما ليقولوا انهم شهداؤنا وليرحمهم الله ويسكنهم فسيح اعماقنا .،
 لا ادري يا بني لعلي كبرت بالسن وخانتني الذاكرة ، كل يوم آتي الى هنا لأحفر وازرع وكل مرة اجد شاهدا جديدا وسائلا يسأل نفس سؤال الذي سبقه : اين اصبحنا ؟ هل شفينا من آفاتنا ؟ هل ما زلنا بحاجة الى شواهد اخرى ؟ وهل كتب علينا الموت من اجل الموت ام اننا في طقوس ونذور ؟ وهل اصبحت الشهادة عادة عندنا ؟ لا اعلم ربما ستصبح عادة سيئة بعض الشيء.
حاولت تهدئة شاهين بالسكوت المطلق وطاعة الاستماع ولكنه ازداد انفعالا واستمر بضرب معوله هنا وهناك وفجأة ،،، شقت الارض وانتصب مارد بحلة انيقة ودنا هامسا : ماذا تفعلان هنا ؟ ومن انتما ؟ افقت من الصدمة لبرهة وجمعت بقايا شجاعتي ونظرت اليه جيدا ، يا للهول ويا للعجب افي حلم انا ام في يقظة ،  لقد عرفته ، نعم لقد عرفته ، انه علاّقة ،، علاّقة قائد ثورة مدينة صور ، منذ فجر التاريخ والناس تردد وتردد " عزٌ بعد فاقة ،ثورة علاّقة " والتفت ناحية شاهين فأشار بنعم انه هو . اعادت رشدنا صرخته تلك : " اسمعوا اعرف كل شيء منذ موتي قبل آلاف السنين ولا شيء تغير ، يكفي ما تحملته في حياتي من مصاعب ومصائب ، ويكفي خيبة الامل من احفادي بالرضوخ والقبول بما لم اقبل به لهم ابدا، اريد الهدوء واطلب منكم المغادرة وعدم العودة ، وازرعوا في مكان آخر،،، واختفى علاّقة وغاب ،،،
عدنا الى الصحوة وامسكني شاهين وقال : تعالى يا بني ،، في هذه الارض يزرعون الموت ليحصدون المناصب .



                                                                 25/12/2011

الخميس، 22 ديسمبر 2011

الآتي اعظم

صدف اني كنت مدعوا الى مأدبة عشاء اقيمت على شرف احد الاصدقاء ، ولسوء الحظ وصلت متأخرا بعض الوقت . اتخذت موقعي انا وصديقي المتأخر ايضا الذي انهكه الجوع ودفعه للبدء بتناول ما وصلت اليه يداه . همست بإذنه وقلت له تمهل ان الآتي اعظم ، فقال نعم والحمد لله اني مرتاح وليحصل ما يحصل ، وكأنه فهم الامر على انه صلاة قبل الاكل او شيئا دينيا وتابع تناول طعامه فرحا ومسرورا بنوعية الطعام وتنوعه. قلت له للمرة الثانية ؛ انتظر ان الجاي اعظم ولكنه لم يعرني انتباها وتابع الى ان احس بالشبع قليلا وبالتخمة بعد تناوله مشروبا وبعد اخذه الطعام بسرعة قياسية . وكم كانت مفاجأة صديقي هذا صاعقة عندما وصلت طلائع المشاوي من اللحم والدجاج وخاصة كبد الاوز المشوي فصرخ غاضبا : هلّق جبت اللحم بعد ما شبعت ؟ والتفت ناحيتي معاتبا : لماذا لم تقل لي ؟ فقلت له : لقد حاولت ان اذكرك بان الطعام الشهي على الطريق وان الجاي اعظم ولكنك لم تلتفت اليّ وتابعت اكلك ، هزّ برأسه وقال :على كل حال ان هذا الطعام الآتي لا يناسب معدتي فخير فعلت بتناولي ما تيسر لي . وهكذا لقد تناولت بمفردي وبهدوء ذاك الطعام الشهي وصديقي يندب حظه المتعثر ويردد " صحيح ان الجاي اعظم "
عزيزي القاريء
بدأ الربيع العربي وانتقل من بلد الى آخر بسرعة قياسية لم يتصورها مراقب ولا محلل ، وظن البعض على انه قاب قوسين من نهايته وان ثماره بات قطافها لمن سبق .اكد الجميع ان هذا الحدث سيغير مجرى التاريخ في الشرق الاوسط ، وان مروره بالتداعيات التي رأيناها لهو دليل خير وبركة على ان الامور قد مرت باقل خسائر ممكنة وباقل اثمان دفعتها شعوب هذا الربيع ، وباتت الاحتفالات تغلب على الآمال ، والفرحة بهذا الانجاز تجاوزت الاهداف وراح كل فريق يطبل ويزمر مدعيا النصر والمسؤولية الاولى بهذا الحدث ، ولكن اقول لا ، تمهلوا " ان الجاي اعظم "
منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية والشعوب العربية تتطلع الى التحرر وتقرير المصير ، وقد لاقت فكرة التحرر العربي قبولا واقبالا شديدين لدى الشباب الذي ذاق ويلات السيطرة والاحتلال تحت راية الانتداب ، وانتفض هذا المارد الذي افاق على طعم الحرية وهلل وفرح لدحر الانتداب دون درايته بان " الجاي اعظم " . نفضت هذه الشعوب يدها من الاستعمار وبدأت بذور التحرر تتفتح رويدا رويدا وما ان لامست ضمير الامة حتى ابتلت هذه الامة بمصيبة جديدة وهي قضية فلسطين . هذه القضية التي وضعت الشعوب العربية من جديد في قفص الاستعمار الجديد ولكنه استعمار داخلي ، استعمار الانظمة العقائدية والمستبدة والمستعبدة لكل هذه الشعوب ، وعادت فكرة التحرر العربي والاتجاه نحو الديمقراطية مجرد حلم بل تعداه ليصبح خيانة اذ ان التحرر يخدم مصلحة العدو وان عظمة الازمة الراهنة تستوجب الوقوف والتأمل بان " الجاي اعظم " .
بدأت الثورات العربية ضد الانظمة الرجعية المستسلمة واستولى قادة شباب على الحكم في عدة دول عربية وكلهم رواد عهد جديد من استرجاع الكرامة والعزة وبدأت معهم مقارعة اسرائيل من اجل القضية الفلسطينية بالتزامن مع معاقبة الجماهير وحشرها وحصرها وحصارها . داهمت بعض الانظمة انظمة اخرى بحركات تصحيحية وانقلابات عسكرية اوصلت عقائديين ورجالا متعطشين للسلطة ، سلطة الفرد الواحد قبل الحزب الواحد ، وسلطة العائلة قبل العقيدة ، وهكذا شهد الشعب العربي من المحيط الى الخليج تعبئة وتحضيرا وتحذيرا وقلقا من عدوين اثنين في المنطقة ، عدو خارجي وهو اسرائيل واميركا والمحور الغربي كله ، وعدو داخلي شرس يطمع الى السلطة الشرعية الدينية على حساب الديمقراطية كما كانت تزعم تلك الانظمة وهو " الإخوان المسلمون " . سخّر هذا النظام الجديد مقدرات الشعوب وصادر ارزاقهم ومالهم وبالتالي ارواحهم في سبيل القضية الكبرى "فلسطين" ثم ما لبثت ان اصبحت قضيته هو باستعادة اراضيه المحتلة متخذا من هذه القضية المستجدة ذريعة لمصادرة ارادة الشعوب وتطلعها الى التغيير ومحددا لهم العدو الجديد بعد ان اقنع الجماهير بالأبواق الرنانة بخطورة " الاخوان المسلمين " واستمرت الحالة اعواما طويلة والحكام مسيطرون ومستمرون بالضحك على الشعوب وبتخويفهم من الاخوان اولا ومن اسرائيل ثانيا .
نعم لقد سقطت قصة الخوف من اسرائيل لدى الشعوب العربية وذلك بعد ان اقدمت غالبية هذه الانظمة  على ابرام معاهدات سلام او عدم اعتداء مع اسرائيل او بإبقاء الحال كما هو  بلا حرب وبلا سلم  او بلا حرب الى اجل غير مسمى فكان سلام الحكومات وحذر الشعوب  وبدأ اهم سبب لبقاء هذه الانظمة بالزوال وهو العداء لإسرائيل ، والتفتت هذه الشعوب الى حالها ووضعها الداخلي المهترئ  سياسيا واقتصاديا واجتماعيا والاهم من كل ذلك الوضع الاستراتيجي للبقاء كدول ذات سيادة ومنفعة ، وبدأت الثورات بشرارة تلو الاخرى  من تونس الى مصر الى اليمن وليبيا وسوريا ، كلها تنشد التغيير الى الافضل والى الاحسن وبكلمة اخرى لم يعد يستطيع الحاكم العربي تخويف الشعب بإسرائيل ولم يعد ممكنا اللعب على الضمير العربي ولا على التضامن العربي ولا على صيانة الانظمة القائمة من مد التيار الاسلامي بمختلف تشعباته الا من خلال القمع والضرب والاستبداد .
هللّ اللبنانيون عام 2000 بانتصار حزب الله بانسحاب اسرائيل من الجنوب دون قيد او شرط ، وانشدوا نشيد النصر غير مبالين بالحناجر التي اخرجت وانتجت هذا اللحن فكان كفيلا بمحو آثار هزائم 48 و67 و73 و82 وان العام 2000 هو عام " نوبل العالم الاسلامي " الذي سرعان ما اصبح (وابل على الشعب اللبناني )، ولكنهم نسوا ان " الجاي اعظم " .
 لقد بدأ الشعب اللبناني بادراك " الجاي اعظم " بعد عام 2000 بسيطرة حزب الله واعوانه على الساحة الامنية اللبنانية وبسيطرة سوريا على مفاصل السياسة فيه وتوجت هذه السيطرة بحرب عام 2006 ، حرب استرداد الاسرى او حرب استرداد مزارع شبعا او الغجر او حرب التماس الايراني مع اسرائيل ، فلا احد يدري السبب الحقيقي لهذه الحرب المدمرة ولكنها كانت الصوت المدوي الذي ايقظ اسرائيل من جهة وايقظ الشعب اللبناني من جهة ثانية ووقف كل منهما متأملا وواثقا بان " الجاي اعظم " من كل هذا .الاتي اعظم من اسرائيل في المرة القادمة بدون شك ، وارجو من الله ان لا نمر بتجربة  هذا " الآتي اعظم " ، والآتي اعظم بالنسبة للبنانيين هو بترسيخ وتثبيت حكم حزب الله وسيطرته على عقول بعض اللبنانيين الجهلة الذين وجدوا في الحرب متعة وفي الانتصار محطة دائمة وقد وصل الاعظم في السابع من ايار واسقط الحريري والحبل على الجرار .وانتشر وتشعب "الآتي اعظم " .
لا تقدر فرحة العراقيين بالخروج الاميركي من العراق ، فرحة المؤيدين لإيران وخوف البعثيين اي ما تبقى من نظام البعث المنحل ، وبكلمة اوضح من العرب السنة العراقيين الذين لبسوا ثوب القاعدة مرغمين للدفاع عن النظام ولمحاولة اخذ محط رجل في النظام الجديد ، ولكن بعد الانسحاب الاميركي سيرغمون بدون شك للدفاع عن انفسهم من ثأر الشيعة الذين لم ينسوا استبداد حزب البعث اي حزب السنّة في العراق . هذا المشهد الذي يضم نقيضه في آن ؛ عدو لمن انقذه من عدو، وصديق لمن كان دائما عدو . والآتي اعظم ،،،
عزيزي القاريء
كلٌ يشرح عظمة الآتي فيما يخصه من هذا الآتي تحت شعار " المؤامرة ". نعم ان الربيع العربي مؤامرة لمن لا يرغب بتحرر الشعوب واعلاء كلمتها ، مؤامرة على الحكام ومؤامرة على النظام ومؤامرة على التوريث والتمديد ،  ناهيك عن تهمة التآمر ايضا لكل من يركب ركب الغرب ، ولكل من لا يركب ركب العداء لإسرائيل، أيضا لكل من لا يرى في ايران او كوريا اما للديمقراطية والحرية وحقوق الانسان . ايضا وأيضا مؤامرات التدخل في الربيع العربي سواء اكان عن حسن نية ام عن سوء نية ، جماهير غاضبة من الانظمة السابقة وجماهير غاضبة من انتهاء الثورة بالشكل الذي لا ترغب فيه وأخري غاضبة لان هذا تدخل وذاك لا ولا يدرون ما صنعت اياديهم ولا ان الآتي اعظم من مشاريع الجيران الغيارى .لذلك تسارع دول الجوار لأخذ الربيع العربي  حسب ما تراه مناسبا لها  بالدرجة الاولى وفيما يخص توجهاتها واستراتيجيتها لان التكتيك الآن لا ينفع بل الواجب ترسيخ سياسة ثابتة ونافذة وثاقبة تستطيع استدراج اكبر عدد ممكن من المؤيدين لهذا المشروع او ذاك او القبول بفكرة المؤامرة لتغذية مشروع على آخر  دون الشروع في قراءته او فهمه وتحليله او تفسيره .
ثلاثة مشاريع تنتظر ابتلاع الربيع العربي؛
الاول : وهو المشروع العربي الحاضر اي الثورات العربية المتلاحقة ونشوة الانتصار للجماهير التي عانت طيلة عقود طويلة من الاضطهاد والقمع ، فبعد هذا الانتصار الذي يشبه الحلم في سرعة تحقيقه نرى ان الجماهير العربية ربما قد اعتادت البقاء في الشارع لكل صغيرة وكبيرة وان لغة الحوار اصبحت بالحجر والمتراس وقطع الطرقات والمطالبة بشيء ثم الصراخ لإلغائه ، وهذا هو المشروع الاخطر للنظام العربي الجديد الذي لم يبصر النور بعد ، الا وبدأ الخلاف بين اهل البيت الواحد على اقتسام الجبنة اذا صح التعبير. اما اذا عدنا الى المشروع العربي كمشروع عام يقارب مشاكل المنطقة بشكل عام من القضية الفلسطينية الى مشكلة البرنامج النووي الايراني الى مشاكل الانسحاب الاميركي من العراق والثورة السورية ، فإننا نرى ان العرب لا يملكون اي مشروع حقيقي لانهم فعلا لا يملكون رؤية واضحة في هذا الوقت الا مشروع المبادرة العربية للسلام التي للأسف فات الوقت بشأنها نظرا لغياب انظمة عديدة كانت قد ساهمت في صنعها ، مع العلم بان المبادرة الخليجية لحل الموضوع اليمني لا تزال قيد التنفيذ وهي منفصلة عن اي علاقة عربية شاملة ذلك انها وضعت لإبعاد شبح الثورات عن دول الخليج قبل كل شيء ، في حين يتخبط العرب بشأن مبادرتهم في سوريا وتذكرني هذه المبادرة بتلك التي كانت تخص لبنان في السبعينات حول قوات الردع العربية. وسط هذا التشتت في الخيارات والشعارات والفوضى في لملمة بقايا الانظمة السابقة ووضعها في اطار الاستفادة منها مستقبلا نرى ان المشروع الاسلامي بشقيه المعتدل والمتطرف اي "الاخوان والسلفيون" ، نرى ان مشروعهم بدأ بسباق قوي ومحموم باتجاه السلطة وامساك زمام الامور قبل ان يستفيق الباقون من نشوة انتصار الثورة واعادة الحسابات وميزان الربح والخسارة او بكلمة اوضح من ربح الثورة كحزب او تيار ومن خسر دون احتساب الشعب وما قدمه من شهداء وجرحى ودمار  .من هنا يأتي اهتمام دول الجوار باحتضان ما يمكن احتضانه من هذا المشروع الاسلامي الناشئ وترويضه قبل ان يفلت من زمام السيطرة ويذهب باتجاهات تخالف رؤية الطامعين ويجر الى ما لا تحمد عقباه .
الثاني : وهو المشروع الايراني الذي عمل دائما على تصدير الثورة الاسلامية الى الجوار وبث روح التحرر من القيود الغربية على الطريقة الاسلامية المدعومة من النظام الشرعي الاسلامي ،والتحرر من الانظمة الرجعية العربية التي تدور في فلك الغرب وذلك عبر مد اذرع الثورة الام الى كل مكان يستطيع فيه الفقيه الايراني الوصول دون الاخذ بالاعتبار طريقة تصدير هذه الثورة اكان بالقناعة او الترغيب او الترهيب وشهدنا على ذلك في لبنان حيث رسخت ايران ذراعا عسكرية اولا بحجة المقاومة ثم ما لبثت ان أصبحت مشروعا سياسيا لاستلام الحكم في لبنان عبر التأني والنفس الطويل بمساعدة النظام السوري الذي بدأ بدفع ثمن هذا التحالف بسقوطه القريب .من جهة ثانية استطاعت ايران الوصول الى التماس مع اسرائيل ايضا من خلال استفرادها بحركة حماس بعد انشقاقها عن السلطة الفلسطينية وبتشجيع من سوريا وبسبب اسرائيل ايضا من خلال الجمود القاتل بمسيرة السلام المتعثرة . ان هدف وصول ايران الى حدود اسرائيل لا يعني لمحاربتها ولو كانت هناك بعض مقدمات هذا التموضع الجديد بل ان الهدف يكمن في مقاسمة اسرائيل السيطرة على الجوار والتحكم بمقدرات هذه الدول . لذلك نرى ان المشروع الايراني في المنطقة الآن هو وقف تصدير الثورة الاسلامية التقليدية لان المنطقة تعج بالثورات المتلاحقة والمتوالدة من بعضها بل ان هذا المشروع يتجه  للحصول على الممكن من العالم الهش المتضعضع وبالسرعة القصوى قبل الانشغال القاسي بالملف العراقي القادم اليها من الاميركي على طبق من الالغام والحلوى الغربية . لا ارى شخصيا بالانسحاب الاميركي من العراق الا فخا لإيران لتغوص فيه ويلهيها عن التلاعب بالعالم العربي الجديد ، ولكي تتنصل اميركا من مسؤوليتها عن تقسيم العراق الذي سيحصل حتما  بعد حين .
الثالث : وهو المشروع التركي ، هذه الدولة التي بقيت نائمة طوال قرن تقريبا بعد انهيارها الكبير بعد الحرب العالمية الاولى 1918 ، وبعد معاناتها الكبيرة مع العالم الغربي حول قبولها بالاتحاد الاوروبي ، وبعد الاستغناء عن خدماتها الامنية والدفاعية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي . ان تركيا تجد نفسها الان امام فرصة سانحة لإعادة امجاد الامبراطورية العثمانية الكبرى في وجه الامبراطورية الفارسية بحلتها الدينية الجديدة ذات الاهداف التوسعية تحت شعارات دينية لا تستطيع تركيا العلمانية القبول بها او التسليم بحدوثها .ان مشروع تركيا هو الترويج للنظام العلماني الديني الذي اثبت نجاحه وقوته في ايصال تركيا الى الساحة الشرق اوسطية والاوروبية قوية يحسب لها الف حساب . انه المشروع الاسلامي المعتدل بوجه المشروع الايراني المتطرف وقد سعت تركيا بكل ما لديها من قوة ولا تزال من اجل انجاح هذا المشروع ، بيد ان اولى عقبات هذا المشروع هي اسرائيل وسوريا ويجب تحيدهما عن الطريق بالطريقة الافضل وباقل خسائر ممكنة لنيل الرضا العربي بها ولا سيما ان العرب لا يزالون يذكرون جيدا سنوات الاحتلال التركي وفظاعة ذلك الاحتلال الذي دام لأربعمائة عام . لقد راينا تدهورا سريعا بالعلاقة التركية الاسرائيلية ولكنه مدروسا جيدا بحيث لا يضر بالأمن القومي لكلا الفريقين ولا بأمن المنطقة بشكل عام ، ذلك لان مجرد سوء تفاهم مع اسرائيل كفيل بجلب وجذب الرأي العام العربي بسرعة قياسية . من جهة ثانية نرى الهجمة التركية الشرسة على سوريا لإزالة نظامها ومحوه من الوجود لان هذا النظام هو آخر نظام الاقليات وآخر الانظمة العقائدية في الشرق التي انتهت صلاحيتها بانتهاء الاتحاد السوفياتي ، وستسعى أيضا الى فرض سيطرة اخوية انسانية وحسن جوار على الشعب السوري واستمالته نظرا الى قيمة دعم هذا الشعب للمشروع التركي الذي سيقف بوجه المشروع الايراني ، ولا ننسى ان سوريا كدولة هي الوريث الشرعي للدولة الاموية اي الخلافة العربية . ان الاتي اعظم من بين هذين المشروعين وان ما سنراه في المستقبل القريب سيشمل ما كان يعتبره الشيعة ولا يزالون خدعة تاريخية افقدتهم ما هو حق لهم .سنشهد اعادة تحكيم من جديد وسنشهد ايقاظ ابا الاشعري من جديد لاسترجاع حق الخلافة من عمرو بن العاص . ان الدولة ( العراقية –الفارسية ) الشيعية ، هي اولى بحكم العالم العربي الآن ، وهي اولى باحتضان الامة الاسلامية واعادة احياء الخلافة ومبايعة خليفة الامام علي ( رضي الله عنه )، اي مبايعة عليا جديدا وفقيها منتظرا، وما بين هذا وذاك ، الاتي اعظم .
عزيزي القاريء
بعد حرب العام 2006 تعلمت اسرائيل درسا جيدا ليس فقط من الناحية العسكرية بل من الناحية الاستراتيجية التي تخص البقاء بشكل خاص ، واعني هنا ان اسرائيل تعلمت ان السلام هو مجرد وهم تعيش فيه اذا لم يكن من ذئب يحمي هذا السلام ، هذا على الاقل باعتراف الغالبية الساحقة من الشعب الاسرائيلي . لقد اقنعت اسرائيل نفسها بان انسحابها من لبنان سيقرب السلام منها اكثر ، وفعلت رغما عن انف العسكر، ثم انسحبت من غزة رغما عن انف الشعب ، وفعلت وهي لا تزال تحاول فهم المتغيرات من الانسحاب الاول وفوجئت بحجرين يسقطان على راسها دفعة واحدة . ان التنازل من اجل السلام يعني الضعف بنظر الآخرين ، والقوة والضرب بيد من حديد من اجل السلام يعني التعدي والتوسع والعدوان ، وهكذا وجدت اسرائيل نفسها بين سلامين : الاول يجعلها ضعيفة والثاني يجعل اخصامها اقوياء ، فجاء القرار بإعادة التجهيز والتسلح والتدريب لصنع السلام الاسرائيلي المنفرد وهو السلام الحقيقي الذي ينفع الدولة العبرية وهو السلام مع الفلسطينيين لان هذا السلام ان انجز لا يهم بعده ان كان سلاما مع العرب ام لا ولان الفلسطينيين هم المعنيون اولا واخيرا بالسلام مع اسرائيل لان دولتهم هي من صنع اسرائيلي وليست من صنع عربي وهذا هو الامر الذي يجب ان يفهمه الفلسطينيون جيدا .
 نعم ان المشروع الاسرائيلي هو مشروع امني قبل كل شيء ، فبالنسبة اليها الحدود الآمنة دون اتفاق سلام افضل بكثير من حدود مضطربة مع اتفاق سلام ، وهذا ما حصل فعلا مع مصر والاردن بحيث ان السلام لم يهدئ الحدود في حين ان الحدود السورية في الجولان هادئة تماما منذ وقف اطلاق النار عام 1974  وليست هناك اية اتفاقية سلام . اذا بالنسبة الى اسرائيل لا يهم ابدا من يحكم الدول العربية طالما الحدود آمنة ، وليفهم الجميع ان المشروع الاسرائيلي لا يتناسب ولا يحاكي اي من المشاريع الاخرى في المنطقة ، ان كل ما تطلبه اسرائيل هو الامن والامن فقط ومن يريد اللعب عليه الخروج والابتعاد عن ساحتها الخلفية .
من اسرائيل ،ان الآتي اعظم الذي يترك العرب وشأنهم يتخبطون بين سني وشيعي وبين مشروع الخلافة ومشروع ولاية الفقيه ، بين مشروع التشدد والاعتدال، وبعد انتهاء هذه المعمعة ستجد اسرائيل حتما الفرصة السانحة لانتقاء السلام الذي تريد من بقايا هذا المشروع او ذاك .
اننا امام بزار كبير في المنطقة ، وقد عُرضت البضاعة المنوي بيعها بدءا من العراق (دولة) وسوريا (النظام ) مرورا بحزب الله (السلاح) وحماس (الهدف ) وصولا الى البرنامج النووي الايراني (نفوذ)، وستشهد الاشهر القادمة مساومة حادة بين البائع والمشتري .

وان الآتي اعظم .......

الأحد، 11 ديسمبر 2011

الخيار الأخير

                             

" لبنان اصغر من ان يقسم واكبر من ان يبتلع " جملة تغنى بها السياسيون في لبنان انها الكرة السحرية التي يقذفها كل من يجد نفسه محرجا بأزمة ما او متلبسا بموقف غير راغب فيه وما اكثر رجالات السياسة عندنا المتلبسين والمحرجين ، المتنمرين والمتهكمين .متلبسون بأزمات من صنع اياديهم ومحرجون بحلول تناقضت مع رؤيتهم ومبتغاهم ، متنمرون بمخالب غيرهم ، ومتهكمون على شركائهم في الوطن تارة بالتبعية وتارة بالولاء المشكوك بأمره وأخيرا بالخيانة كل ما ضاق القاموس بالمفردات الملائمة للنعت والسخرية والتجريح ، وبالتالي سوق الناس بشعارات ولدت من رحم الحالة الراهنة . لنعود بالذاكرة الى تلك المقولات الشهيرة التي طبعت حياة اللبنانيين بالقوة في فترة الحكم بالقوة والامن بالخوة ، اعود الى " قوة لبنان في ضعفه " و" المسار والمصير " و"البقرة الحلوب " و " الشعب والجيش والمقاومة " و " شعب واحد في دولتين " و " دولة لشعبين شقيقين " الى ما لا نهاية من كلمات رنانة كلها شعارات اقتربت كثيرا لتكون خيارات منها ما هو فرض الوجود ومنها ما هو واجب الوجود ( عذرا من الغزالي ) ، ومنها ما هو منزل من خلف الحدود ، حتى كفر الوجود من تلك الردود .
اخي القاريء
لنلقي نظرة قريبة وعن كثب على هذا الكيان المسمى بلبنان ( ارجو المعذرة على هذه الكلمة التي لا تليق بالأحرار) ، واسمح لي عزيزي القارئ بذلك لأني لا استطيع ان اصفه بصفة سياسية محددة فلا هو جمهوري ولا رئاسي بل محاصصة وتوافق مرحلي ، ولا هو ملكي لان الملكية انتهت بانتهاء الملك أحيرام ، ولا امارة لان الامارة دفنت مع الامير فخر الدين ، ولكننا نحن اللبنانيون سباقون دائما الى الابداع والابتكار فقد اوجدنا صفة ملائمة واسما يختصر الجميع ويجمع الجميع ويعطي سببا لكل من نوى وآه لكل من هوى ، وعذرا لكل من هوى . انها "المزارع اللبنانية المتحدة " وعاصمتها مزارع شبعا المحتلة .  ان مفهوم الدولة بسيط جدا : شعب قرر العيش على بقعة ارض معينة ضمن شروط تسمى قانونا ، وهكذا يقوم كل فرد او جماعة بتنفيذ ما هو مطلوب منها تحت سقف هذا القانون فيصبح لدينا دولة لها شروطها ومقوماتها وبنيتها ، واذا اخل احد بهذه الشروط يصبح تلقائيا خارجا على القانون وبالتالي خارج الدولة . فمن من الفرقاء اللبنانيين لم يخل بهذه الشروط ؟
منذ كان لبنان قويا بضعفه كان العرب ايضا اقوياء بضعفه حتى اصبحوا اقوياء اكثر على ضعفه .لقد جعلوه ساحة الصراع المفتوحة لتنفيس الاحتقان عندهم ، منهم من رأى فيه مكب نفايات للازمات الداخلية عنده ، ومنهم من وجده مسرحا لشد العضلات ، ومنهم من اتخذه بديلا لكيان او خطة او حل . هكذا ابتلعه العرب على مائدة الجامعة اللبنانية بملاعق فلسطينية وانياب سورية .اصاب السوريين عسر هضم عسير ووصلوا الى حد بصق هذا الكيان في وجه اسرائيل عام 1982 لولا تدخل الطبيب الغربي الحكيم السيد فيليب حبيب وحسّن شعور السوريين قليلا واراحهم من تلك الوعكة الصحية. بقي مع ذلك هذا الكيان اللبناني مترنحا بين فكين ومعدتين الى ان تركه الاسرائيلي على اساس انه حصرم من حلب وان الحلبيين اولى يهذا الحصرم .
انطلقت شرارة "المسار والمصير "لتنور دروب التحرر والممانعة والصمود والتصدي وابتلعت سوريا هذا الكيان معيدة ملكية انتزعها منها الفرنسي الغاشم الجنرال "غورو " وكأن معدة الجار السوري قد شفيت فجأة وان عسر الهضم قد مر وزال وان مسار البلدين واحد لان مصيرهم واحد ، فمصير سوريا ان تبتلع لبنان ولا حول ولا قوة الا بهذا البلع ومصير لبنان القبول بهذا البلع حفاظا على الكيان من شراهة الفك الاسرائيلي الذي يحاول دائما اغتنام الفرص المرة تلوى الاخرى .وهكذا بقي "المسار والمصير " يتغذى على "البقرة الحلوب" اللبنانية الكاملة الدسم، لا تبخل على جار ابدا مهما جار ،تعطي دون منة ودون حساب وبقي هذا الشعار يبني قصور القصور(كلمة القصور هنا تعني الضعف)والقوة الواهية والجبهة السراب والتهديد والوعيد لا للعدو المتربص ، بل لكل من لا يقبل بهذا الشعار الذي اصبح خيارا بالفرض والاستبداد تارة بالشعبين الجارين المتحدين بدولة واحدة تعيد امجاد الخلافة الاموية ، وتارة بدولتين لشعب واحد شده الحنين لعهد الخلفاء الراشدين لشدة ارشاد الشيوخ والعلماء على الوهية القيادة وقدسية الحاكم صاحب مفتاح جنة الخلد والنعيم ، فانبعث البعث القريب على انقاض البعث البعيد من مخلفات انبعاث دخان نفس الحليف والعدو. تطورت اللعبة وتجددت وادخلت عليها شعارات وخيارات ولكن القديم بقي على قدمه يبني على اسس لم يعد بإمكانها الصمود امام اثقال التطلعات وآمال التجديد وانهار سور الصين العظيم وسقطت روما وعاد الاسد الى عرينه منهكا وتعبا لاعنا تلك الغابة الوعرة متوعدا السلحفاة البطيئة الزاحفة بثبات نحو الحرية والكرامة . هكذا بصقت سوريا الكيان هذه المرة واعادته لأبنائه علهم يغسلونه من لعاب لطالما يشد اليه الفك من جديد .
خرجت المزارع اللبنانية المتحدة من الفم الاسرائيلي مفعمة بنصر مزيف وبنشوة القاهر المستبد وبتوكيل الهي طويل الامد ، ولتخرج من معدة السوري عنوة عارية هزيلة وتدخل في غيبوبة تشبه غيبوبة المريض امام باب غرفة العمليات . انه مرض مستعصي ، فتاك ، استمد قواه المعدية من حاضنة له ومسببة لوجوده في الحدود الجنوبية ، فاستنفرت العقول وابدعت في التحليل والدراسة وسبر الاغوار، واُحضر اطباء فارسيون متخصصون بهذه الانواع من الفيروسات والطفيليات وعولجت احشاء هذا الوطن اليتيم وبرأت والحمد لله بوصفة الدواء الشافي الفعال: "الشعب والجيش والمقاومة " ، وصفة فُرض تناولها على الافراد يوميا حتى طاب كل سقيم وعليل وشفيت المقاومة من الجيش وزالت عنها حمى الشعب واستقامت الامور في بلد المزارع وذاب الثلج وانقشعت الغيوم واستغنى المثلث عن قائمتيه ليصبح الشعار : المقاومة والمقاومة والمقاومة .ابتلعت هذه المقاومة المزرعة تلوى الاخرى من مزارع الجيش الى مزارع الشعب ، ومزارع شبعا صامدة حجة وعذرا وسببا لهضم الكيان ولبعثه ولاية الآية وكبش الفقيه .
عزيزي القارئ
من منا يريد تقسيم لبنان ؟ لا احد لأنه مقسم ومن يُقسم المقسم عقله مُقسم. ندري او لا ندري نرضى او لا ، انها الحقيقة ولنتعايش معها بالتي هي احسن ، لبنان او ما بقي من هذه المزارع مقسم جغرافيا وتاريخيا وتربويا ، ثقافيا ، اجتماعيا ماليا وامنيا ، كل شيء فيه مقسما ولا ينقصه الا ترميم الخارطة الهيكلية قليلا ليأخذ مجرى التثبيت وترسيم الحدود الداخلية لعدم الحاجة للحدود الخارجية لأنها منتهكة كل يوم وكل ساعة . كل طائفة تحتفظ لنفسها بأماكن محرمة على الغير من بؤر امنية الى بؤر دينية ناهيك عن امارة الفلسطينيين في المخيمات والبقاع والناعمة . هذا بالإضافة الى استحضار الماضي القريب والبعيد والضرب على وتر الجماعات ،اصلها واصولها جذورها وامتدادها وتحالفها وبالتالي حالتها وجودة بذورها . تاريخ الجماعة والطائفة وصولا الى تاريخ كل بلدة وكل قرية . كل له مدرسته وجامعته كنيسته وحوزته ارشاده وتوجهه كل له صلاته (الوطنية وليست الدينية )كل يغني على قدسية وجوده : مدارس كاثوليكية ، حوزات شيعية ، مقاصد سنية ، عرفان درزية ، تربية وطنية مستقلة وتربية دينية مستقلة .كل طائفة لها مواردها المالية ولها جبايتها الخاصة ( اخيرا تعلمنا من الجباية اليهودية )، فعندنا جباية شيعية قيد الانتشار ، واخرى مسيحية عالمية ، وجباية سنية عربية ، وجباية درزية في طريق العولمة ، لهم بنوكهم ،وجمعياتهم المصرفية ، شركات ومقاولات ، صناعات وتجارة حرة . نحن في انقسام طبقي شعبي ، طبقات غنية واخرى فقيرة ،عاملة ومتفرجة ،طبقات مسلحة واخرى مُشلّحة ،طبقات مقاومة واخرى عميلة ،طبقات وطنية واخرى خائنة .
هكذا والحبل على الجرار ويكفي ما عندنا وما لدينا ولم يبق سوى ازاحة بعض علامات الحدود ورسم بعض المنعطفات لنصبح كيانات صغيرة ومزارع تزرع جميع أنواع البغض والكراهية والتفرقة ، ولنتقاسم سطور لبنان الرسالة ولنجتزئ منها ما يعنينا في كل كيان صغير . انها الحقيقة ولا مفر من الاعتراف بها وخاصة من الذين لا يزالون ينادون بان لبنان لا يقسم ولا يبتلع .
نعم يا دولة الرئيس بري ، ممكن ان يقسم لبنان لان الشعب مقسم وممكن ان يبتلع ايضا لان هذا الشعب لا يدين له بالولاء فالمسألة ليست بكبره او بصغره بل بالقناعة التامة بنهائية هذا الوطن لجميع ابنائه .
اخي القارئ
لا هذا ولا ذاك ، لا التقسيم ولا البلع ، لا يجدينا نفع الا خيار الوحدة والتكافل والتضامن ، انه الخيار الاخير لنا  ، كلنا مدعون اليوم وبكل جرأة وشجاعة لنعلن الخيار الاخير الواحد المتبقي وهو خيار الدولة . الدولة التي يجب ان نبنيها ونحميها لتحمينا لاحقا ، خيارنا الآن ولاحقا والى الابد . ادعو الجميع الى تحكيم العقل والمنطق ولا سيما اننا على ابواب تغيرات خطيرة وعلى مفترقات مصيرية اما البقاء او الفناء ، خيار بسيط جدا لا يطلب اكثر من الولاء والانتماء .

ملاحظة : نزولا عند رغبة الكثير من القراء ، سأحاول الرد لاحقا على كل الاسئلة التي وردت والتي سترد والمتعلقة بقضايا المنطقة الجنوبية من تاريخ اتفاق القاهرة 1969 وحتى الانسحاب الاسرائيلي عام 2000 . بالاضافة للمقالات السياسية المعتادة . 

الخميس، 1 ديسمبر 2011

فالج لا تعالج

منذ فجر الاستقلال الاول ، ومنذ نشوء الجمهورية الاولى وعلى مدى سنوات طوال، كان الاصلاح والحرب على الفساد الشغل الشاغل لرؤساء الحكومات والوزراء والنواب الذين كانوا يصبون جام غضبهم على هذا الفساد في البيانات الوزارية المتعاقبة حتى ان بعضها جاء نسخة طبق الاصل  عما سبقه ، وكان المواطن اللبناني يأمل منذ الفجر الاول في معالجة هذه الآفة الآخذة في التضخم حتى طالت كل مفاصل الحياة في لبنان وتنوعت لتشمل كافة المرافق العامة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والاعلامية والتربوية وكل شيء يطرأ على بال القارئ .
ان تعريف الفساد تنوع بتنوع المُعرّف ، وعندنا نحن الشرقيون نتبارى ونتنافس في تعريف الفساد واسبابه حتى اتفق الجميع على ان الفساد هو نتيجة حاصلة من كل حكم سابق ومن كل مسؤول مر في هذا الحكم البائس ، وهكذا نرى ان الفساد يُطرح عقب كل تغيير حكومي او نيابي او نقابي او مؤسساتي اكان عاما ام خاصا ، ونرى ان لا تداول في الفساد الحاضر اثناء الحكم لأن الحكام مشغولون في معالجة الفساد السابق وهم في طور تصليح الامور وترميمها .
ايها القارىء الكريم
اتفق الجميع على ان كلمة الفساد تعني قبل كل شيء السرقة ، والسرقة تعني المال ، فاذا الفساد يُختصر تحت عنوان "الفساد المالي" . كل من يتحدث عن الفساد يتطلع مباشرة الى الايداعات والصناديق الاستثمارية والسحوبات والسلفات والصفقات مع العلم ان الفساد في لبنان هو فلكلور حكومي رسمي وشعبي ومن صلب الثقافة العامة اللبنانية ، فلا حياة لحكومة او مؤسسة دون فساد ولا مجال لتولي المسؤولية دون الاخذ بحساب الحصة وقيمتها مقابل التعب والقبول بهذه المسؤولية واصبح البعض من المسؤولين واجهة فساد لمسؤولين اكبر وللأسف كل هذا بعلم المواطن اللبناني ورضاه وموافقته . ان ابسط الأدلة والبراهين على ذلك هو استعداد المواطن وبكل طيبة خاطر لدفع الرشوة وحسب التسعيرة المتبعة ودون مفاصلة او مكاسرة لإنجاز معاملة حكومية او الحصول على اية وثيقة شخصية تربوية او عقارية وهو على علم بان هذا هو الفساد بعينه ، ليس فساد المسؤول فقط بل فساد المواطن الذي ساهم في تعميم واستمرار الفساد بشكل عام .
ان اصلاح الفساد المالي في لبنان هو من سابع المستحيلات ان لم نقل من المستحيل المطلق ، لأن هذا الفساد هو من صلب التربية المدنية عندنا وهو مكافأة على حمل الاعباء الجماهيرية وحل مشاكل المجتمع المدني والأهلي اي اننا نرى وبكل اسف هذا الفساد في كل مكان حتى داخل البيت بين الأخ واخيه والأب والأبن وصولا الى الاوقاف والمقدسات . نعم لقد تعودنا عليه وها نحن نتعايش معه ولا احد يصرخ ولا يشتم ولا يستنكر ولا يبالي، بل كل واحد ينتظر دوره وينتظر فرصته ليأخذ نصيبه بواسع الدبار والحيلة او اجرا لقاء تمرير الفساد وحفظه وتلقينه للأجيال القادمة . اذا لننسى موضوع الفساد المالي ولنتجه الى فساد آخر اشد خطورة واكثر تقويضا للوطن وللمجتمع ، هذا الفساد العظيم المتعدد الأوجه الذي يعصف بالوطن دون ضجة ودون رحمة ، فلنلق الضوء عليه ولندق ناقوس الخطر منه ولنذكر فارابي لبنان بوجوده .
ان الاعلام في لبنان يتمتع بهامش حرية لا بأس فيه مقارنة بالإعلام المحيط بنا ، وبناء على هذه الحرية وبناء على ما ضمنه الدستور اللبناني من حرية التعبير والكلمة وحرية الرأي والمعتقد ، نرى نتيجة لذلك عددا لا بأس فيه من المحطات الإعلامية المرئية والمسموعة والمكتوبة كل منها يشد على يد مؤسسه ومموله وحاميه ويأخذ الغطاء السياسي الملائم لهؤلاء الداعمين ضاربين بعرض الحائط اصول وحدود الديمقراطية التي اتاحت لهم اصلا حرية امتلاك هذه الابواق ومتبعين طريقة الذم والشتم واباحة الممنوعات والأكاذيب، غير عابئين بمسامع الجمهور ولا باحترام الراي والرأي المضاد ومعلنين الحرب على كل من لا يأخذ برأيهم ويسلك طريقهم ،هذا الأعلام الموجه والمحرض الذي عاث فسادا بعقول الناس تربويا وسياسيا واجتماعيا ودينيا، هذه الحناجر التي اعتادت على الكذب والنفاق وهذه الأقلام التي جيرت ذكاءها وعلمها ودرايتها لصالح الولاء السياسي لا للحقيقة ولا لنقل الصورة كما هي ولا لمصداقية العلم والخبر ، ، أوا ليس هذا فسادا ايها الفارابي؟
اخي المواطن الكريم
لا بد من الاعتراف بان النظام الانتخابي في لبنان هو نظام فريد من نوعه من حيث المساواة والشفافية وصحة التمثيل ، وهو فريد من نوعه ايضا من آليات التنفيذ والتطبيق ، وهو فريد من حيث التوقعات التي غالبا ما تأتي متطابقة ، الأمر الذي اعجب وابهر المراقبين والمتتبعين للسياسة الداخلية اللبنانية . ان هذا ليس بشرف نفتخر فيه ولا بعزة نترفع بها ولا بميزة تميزنا عن بقية الأمم المتحضرة ، بل هذا هو وصمة عار على جبين كل نائب اولا قبْل ان يكون على جبين المواطن ، لأن هذا النائب الكريم الشهم يعرف حق المعرفة كيف وصل الى الحلبة النيابية ، وكيف وصل فعلا الى تمثيل مزيف للشعب بأصوات طائفية ومذهبية لا تمت بصلة الى طائفته او مذهبه او منطقته. كيف يُعقل ان نرى نائبا يفوز ولا يمثل منطقته وآخر يفوز عن منطقة لا يسكنها وليس من مواليدها ولا تربى فيها ولا يعرف احدا منها ، ومحادل هنا وجرارات هناك ، ولوائح محافظات هنا واقضية  اخرى هناك ، وكل يفصل على مقاسه ، اوا ليس هذا فسادا ايضا ايها الفارابي؟
ان ابسط حقوق المواطن المسكين ان يعرف الحقيقة ولو حتى جزءا منها عن كل من يريد التنافس على الحلبة السياسية او النقابية او تولي مسؤوليات في الدولة او من يمثل مجموعة او ينوب عنها ويتكلم باسمها ، من مستوى التعليم الى الثقافة العامة ، الى الخلفية السياسية الحقيقية والاجتماعية والوطنية ، المهنة والبرنامج ، وجوده في الوطن او غيابه عنه ،فلا يعقل ان يأتينا شخص قضى معظم حياته في الخارج ويصبح بين ليلة وضحاها وزيرا او نائبا في البرلمان عن منطقة لا يعرفها الا بالخارطة، ولا يجوز ايضا حشر اسما ترضية لهذا او ذاك . انه الفساد السياسي المطلق بدءا من القانون الانتخابي وشروط الحملة الانتخابية والتمويل والاعلام والتحالفات الغير منطقية ، الى التمثيل النيابي والتوزير والمحاصصة في الوظائف العامة ، نعم انه الفساد الذي يقوض كل خطة للنهوض بالوطن من خطط اقتصادية وتربوية ودفاعية واجتماعية ويهدد استمرارية الوطن كوطن والبلاد كأمة واحدة . اوا ليس هذا فسادا ايها الفارابي ؟
اخي القارئ
المعروف عن اللبناني حبه للسياسة، وشغفه بالاستطلاع والاحتكاك بكل شاردة وواردة ، والمعروف عنه أيضا شدة تعاطفه مع الاحداث المحلية والاقليمية والعالمية على حد سواء ، وشدة ولائه لأي معتقد يراه مناسبا له او لأي تيار سياسي يراه على قدر تطلعاته ، حتى اننا في بعض الاحيان نجد مناصرين في لبنان لرئيس بلدية ثائر ام متنمر في كولومبيا او الهند او التيبيت . ان اللبناني يستمتع بالأحداث السياسية والخطب الرنانة على سبيل التسلية احيانا وعلى سبيل التأييد احيانا اخرى وعلى حب النكاية "والز كزكة " لأنه فعلا سئم هذه المهنة وهذه النغمة ولكن ؛ لا نقبل ابدا الوصول الى الهاوية خجلا واذلالا من تخاطب السياسيين مع بعضهم البعض ليصل الامر بهم الى الشتم والسباب العلني وعلى منابر المحطات التلفزيونية وامام ملايين المشاهدين من شتى انحاء العالم . نعم لقد اذل هذا المشهد اللبنانيين واعادهم الى العصر الحجري في الاخلاق والمخاطبة ، وكرس نظرية الأنا ،، وانا فقط . ماذا نقول للشابات والشباب؟ ماذا نقول لطلاب المدارس ، في التكميليات والثانويات ؟ ماذا نقول لهم عن هذا الحراك بل عن هذا العراك الذي قفز من النظرية الى التطبيق بقوة المبدأ والحجة والاقناع باليد والكأس والكرسي ومن اشخاص يفترض بهم ان يكونوا القدوة في التحاور والنقاش ، فماذا تركوا لنا في الخارج لتناقش فيه او نتحاور . اوا ليس هذا فسادا ايها الفارابي ؟
 اخي المواطن
ان السلاح هو زينة الرجال ، وسلاح الاحزاب خيبة الآمال ، وسلاح الطوائف مدمر الاجيال، فما من فساد اشد واقسى من فساد السلاح، وما من فساد يقوض ويدمر وينهي الاوطان والامم الا فساد السلاح .لا اريد اطالة الحديث بهذا الشأن فكل شخص بالعالم اجمع اصبح ملما بموضوع السلاح في لبنان من سلاح حزب الله الى سلاح امل الى الاحزاب اليسارية التي تدور في فلك النظام السوري وفي تحالف حزب الله – امل ، الى السلاح الفلسطيني الشرعي والغير شرعي ، داخل المخيمات وخارجها ، سلاح العودة وسلاح التوطين ،سلاح الحرب الاهلية والمقاومة اللبنانية ، سلاح الغلبة الدينية الى المقاومة الاسلامية ، سلاح ضد اسرائيل وسلاح حامي لإسرائيل . اوا ليس هذا فسادا ايها الفارابي ؟
ايها الفارابيون في لبنان
وسط هذا الازدحام الحاد بالفساد اللبناني ، ووسط هذا البحر من ملفات الفساد منذ عشرات السنين ، ووسط هذا التداور في الفساد والامعان فيه ، نرى ان فساد غض النظر قد افسد النظر في عيونكم واعماها عن كل فساد الا الفساد الذي ترون فيه مصلحة لكم بإثارته والتكلم عنه . يطالعنا كل يوم فارابي جديد من سلسلة الاصلاح في المدينة الفاضلة اللبنانية بخطبة المهاتما غاندي بالتصميم والمثابرة ، والام تيريزا بالطهارة والنظافة سعيا لإصلاح ما خربه السلف متناسيا ما هو فيه بل ما هم فيه من فساد احتكار السلطة الى التوريث السياسي وصولا الى العبث الاستراتيجي القاتل .كفاكم لعبا على نغمة الفارابي ( طيب الله ثراه )وكفاكم نحبا على مدينة الفارابي الفاضلة ، وكفاكم امعانا في النزاهة والشفافية والادب ونظافة الكف وعفة اللسان والحوار البناء والمنطق . ان من يريد تنظيف الشارع عليه اولا تنظيف بيته ، ومن يريد تنظيف الوطن عليه تنظيف المبادئ اولا ومن يريد المدينة الفاضلة عليه ان يكون فاضلا او فاضلا ....او فاضلا .